في مديح الوداد

هذه مصر المحروسة التي يقول عنها التاريخ ما يشاء، الوطن الذي ندعي كل يوم على صدر يوم بأنه عشقنا اللانهائي والوجد الذي لا ينقطع، مصر التي لا ترتبط بأشخاص بقدر ما نتعلق نحن بها ونتشبث بغير ملل أو كلل، مصر الجميلة التي تراودنا طوعاً وكرهاً وبصورة استثنائية في أحلامنا اليوم تنادي شعبها ومواطنيها من أجل مرحلة جديدة أكثر وعياً وإدراكاً في تاريخها، وأؤلئك الذين خرجوا مرتين من أجل إسقاط شعبي لحاكمين أحدهما يوصف بالفساد السياسي، والآخر بالبلادة السياسية، والأول لم يفلح في تجريف عقول وأفئدة المصريين بدليل الخروج عليه وإسقاطه بالكلمات التي ليست ككل الكلمات، وبأنين الكمنجات، والأشعار التي ظن ونظامه نها بمنأى عن الشهود الحضاري. والثاني لم يدرك حتى لحظتنا الفارقة أن مصر وطن صعب مراسه بل تستحيل عمليات الاستلاب والاستقطاب معه لأنها باختصار شديد كبيرة عليه كونه بديلاً وعن جماعته وعشيرته كونها فعلاً سريا ومصر التي عبدت الشمس منذ آلاف السنين واليوم وهي إسلامية لم تغرب عنها شمسها فلا تعرف للظلام سبيلاً ولا للعتمة طريقاً.

مصر على موعد حصري لا يتكرر غالباً حينما يقرر أبناؤها رغم ترهات المتهوكين الذين باعوا قدراً كبيراً من وطنيتهم وصاروا يمجدون عصراً لا ولن يعود إن شاء الله، هذا الموعد هو اختيار رئيس جديد لها في وقت لا يمكننا توصيفه بالعصيب لأن شعباً كالمصريين قادر وحده على جعل الحلم حقيقة، وشعباً كهذا يدرك أن كلا من نجمه ونسره كفيلان بصعود مصر إلى عنان المجد بغير تمييز أو تحزب أو نيل من كرامة المصريين أنفسهم.

نعم هناك من يصر على موقفه من عودة الرئيس الذي يتم عزله يومياً رغم إسقاطه وهؤلاء لا يدركون أن تنظيم حسن البنا الدولي أقر في بروكسل بعدم المطالبة بالعودة البليدة لنظام وُصف بالفشل السياسي والاقتصادي والتخلي عن هذا المطلب من أجل وجود سلمي في مصر والشعب قرر بإقصاء الجماعة عن المشهد الاجتماعي برمته وأكبر دليل حوادث العنف والقتل والتدمير واجب النفاذ من مؤيدي التنظيم تجاه كل رافض وممتقع له ولأنصاره الذين فشلوا في الذهاب إلى القدس بالملايين كما زعموا لأن أنصار القدس أنفسهم تركوا قضيتهم وباعوا طرحهم التاريخي واستمرأوا وداعة مصر وشعبها في احتضانهم ورعايتهم وسمحوا لنا نحن المصريين في الدفاع عن قضيتهم مع الكيان الصهيوني الفاجر بينما ساعدوا ولا يزالوا يقدمون المساعدة غير الحميدة لتنظيم حسن البنا من أجل ترويع أمن وآمان المصريين، وهم لهم بالمرصاد.

ولأنني وغيري من المصريين قد نجحنا في إسقاط الفترة التاريخية لتنظيم حسن البنا من تاريخ مصر بغير عودة ودون إقصاء للمتعاطفين عن جهل معهم أو المحزونين لبقاء قياداتهم في السجن نتيجة أفعالهم التي كانوا يريدون بها تقويض الوطن لكن مصر عظيمة، فلا فائدة من حديث باهت عن تنظيم بات وجوده في النسيج المصري أمراً افتراضيا، والأحرى أن نهيئ شعبنا إلى ضرورة الوعي بالاستحقاق الديموقراطي القادم والذي سيزيد من الوطن شباباً وقوة وفتوة، ليس فقط لأن مصر والمصريين سيختاروا رئيساً جديداً، إنما لأن المصريين أنفسهم فطنوا قدر وطنهم التاريخي وسط كيانات صغيرة مثل قطر وغيرها من الدويلات التي باعت هويتها من أجل الرضا الصهيوأميركي.

وأكاد أزعم القول بأنه لا أحد ينام في مصر الآن، فحديث الانتخابات هو الحديث السائد والمتسيد وسط كافة حوارات المصريين، والأدهش أن تلك الحوارات لا تطالب الرئيس المرتقب بتحقيق آمال وطموحات الوطن أو تنفيذ بعض أحلامهم بقدر ما هم بحاجة فعلية وحتمية إلى وجود رئيس قوي لوطن يستحق، وهم متعلقون اليوم بأمل كبير لا يقتصر على انتخاب رئيس بعينه، بل تجديد العهد بالوطن الذي نال ما لا يستحق منا ومن حاكمين الأول أهمل وأهدر واستغل واستُغِلَ، والثاني جاء كرهاً بغير إرادته بل بإرادة مكتب إرشاده فكان كصاحب الموالد الغالب على حد وصف المصريين البسطاء.

وإذا كان العالم قد رأى وشاهد الخروج العظيم لشعب أعظم مرتين خلال ثلاث سنوات وطفقوا يحللون هذا الخروج بأن المصريين لا يعرفوا سوى التهليل والصياح وتعكير صفو الأنظمة فإن الفرصة اليوم تجئ سانحة لكي نثبت لهم ولأعداء الوطن بأن الخروج الثالث اختيار وقرار وسيادة. وليس المهم من نختار بل الأهم القدرة على اتخاذ قرار وهو الخروج للتصويت، حتى الذين سيخرجون لإبطال أصواتهم رغم أنهم يتمتعون بداء السلبية إلا أن ذلك يؤكد أن ثمة ثورة ما قد حدثت للإطاحة بحاكم قد أخطأ وإن لم يكن أفسد في أيامه بخلاف مبارك الذي أصاب الشيئين الخطأ والإفساد، وعدم الخروج عودة عودة للنقطة رقم صفر والتي يطمح إليها الكارهون.

ويخطئ من يظن أن انتخابات مصر ستكون مزورة أو مشوهة التفاصيل لأنه باختصار لا ولن يستطيع أي حاكم ما أن يحكم إلا بك أنت أيها المواطن، ولا يمكنه العمل إلا من خلال سيادتك التي منصوص عليها في مواد الدستور الذي حاربه أعضاء تنظيم حسن البنا وبعض الائتلافات الثورية التي لا تدرك من فعل الثورة سوى الغضب رغم أن الثورة يعقبها تثوير أي حركة بناء مستمرة دونما انقطاع، وإذا كانت بعض المنابر والقنوات ووكالات الأنباء تدفع المصريين لمزيد من السلبية أو الخوف وكلها تكتيكات أميركية الصنع طالما استهدفت نظام مبارك حتى أطاح الشعب بالنظام وبالإدارة التجسسية الأميركية، فإن المصريين وحدهم قادرون على تسطير صفحات جديدة في الوطنية التي لا تعني خلافة خارج حدود المحروسة.

إن أعظم ما في هذا الاستحقاق الديموقراطي أنه يعطي درساً قاصماً جديداً لمن يظن أن مصر ليست بخير، وخروج الملايين صوب صناديق الاقتراع هو إعلان صريح ومباشر للرفض الشعبي لتنظيم سري حاول أن يستلب الوطن بعيداً لتحقيق مراميه، وربما مقاطعة أعضاء التنظيم الذين ربما لم يقرأوا سطراً واحداً من كتابات الإمام حسن البنا واكتفوا بالدروس الشفاهية من القيادات ستخبرهم عن دلالة خروج المصريين لاختيار مرشح واحد بين النجم والنسر من خلال أصوات ناخبين يطمحون في الصعود والارتفاع لا العمل السري تحت الأرض.. تحيا مصر.