'المفاوضات' مع إيران: التوقيت السعودي!

سواء أكانت تصريحات وزير الخارجية السعودي حول التفاوض مع إيران رداً على سؤال عرضي أم أن السؤال كان مطلوبا لتمرير هذا الاعلان، فإن الرياض تسجلُ تبدلا لافتا في مقاربتها للنزاع مع إيران. ولئن كان من المبكر التفطن لسرّ هذا التحوّل، إلا أن السعودية تتقدم نحو الحلبة بعد أن اعتمدت القطيعة النسبية كرد على سياسة إيران في المنطقة.

تعاملت الرياض خلال السنوات الأخيرة بسلبية كاملة إزاء مقاربات الحوار مع إيران. لم تشعر المملكة أن تقابل القوى مع إيران متوازن بما يسمح بفتح ابواب الدبلوماسية على مصراعيه. فالاختراقات الايرانية الميدانية عديدةٌ ستسجلُ تفوّقا حين يجري فوق طاولة الحوار رمي الاوراق وفتح الملفات. تدعم إيران الحوثيين في اليمن كما المعارضة في البحرين. وتهيمن طهران على جلّ النظام السياسي في العراق، وتقف وراء فائض القوة لدى حزب الله في لبنان، وتقود بشكل علني معه معركة صمود النظام في سوريا.

واضح ان ايران تمسك بمفاتيح عديدة في المنطقة وتتمدد ميدانيا على نحو لا يجاريها فيه أحد في المنطقة. ومسألة النفوذ الميداني عند الايرانيين مرتبطة بدواعٍ عقائدية تنهل تاريخها من دعوات تصدير الثورة في بدايات ولادة الجمهورية الاسلامية. لكن المسألة أضحت في ما بعد حاجة لأمن إيران الاستراتيجي بالمعنى العملاني البراغماتي. من جهتها، تمارس السعودية أمر النفوذ في المنطقة بشكل لا يخرج عن كلاسيكية تقيمه كل الدول الاساسية لرفد سياستها الخارجية.

في تناكف آليات صناعة النفوذ بين البلدين صورة لتناقض أساليب الحكم وفلسفة الوجود. تنطلق طهران بمقاربات هجومية صاخبة لوضع بصماتها في كافة ملفات المنطقة بحيث تصبح معبرا الزاميا للربط والحل في هذه الملفات. امر ذلك تجاوز احتكار ادارة ملفات الشيعة اينما وجدوا، نحو التورط الارادوي في ما تيسر من ملفات، وصولا الى تجاوز مياهها المحيطة باتجاه تلك البعيدة على البحر المتوسط في لبنان (وفق الجنرال يحي رحيم صفوي) او على البحر الاحمر في السودان. بالمقابل اعتمدت السعودية مقاربات هادئة صامتة في مدّ شبكة نفوذ معقّدة في المنطقة معتمدة على العامل الاقتصادي المالي الاستثماري، فيما اعتبرت المقاربات العسكرية الامنية نادرة تشكل استثناء، كتلك التي وضعت الجيش السعودي في مواجهة الحوثيين على الحدود مع اليمن، او تلك التي تقوم بها الرياض لدعم المعارضة في سوريا.

تتصادم ايران والسعودية في مواقع وملفات عديدة في المنطقة. والحقيقة ان السعي السعودي المضاد يأتي دفاعيا في الوقت الذي يأتي ذلك الايراني هجوميا. ورغم الاسبقية الميدانية للتحرك الايراني، لم تستطع طهران تسجيل استقراراً لنفوذها او استتباباً نهائيا له. ترى طهران نفسها مضطربة من الاداء السعودي في اليمن، وطبعا ذلك في البحرين، كما تكافح بصعوبة، ورغم امتلاكها ما تملك، للتمرير خياراتها في العراق، ولم تتمكن في لبنان من فرض سطوتها على النظام السياسي في لبنان رغم قوة حزب الله العسكرية، كما انها وعلى رغم كل استثماراتها المالية واللوجيستية والعسكرية في سوريا فإنها عاجزة عن اعادة فرض نظام بشار الاسد، على الاقل على النحو الذي كان عليه قبل اندلاع الثورة.

تفصيلان اساسيان وجب الانتباه اليهما في فهم مستقبل العلاقة بين السعودية وايران. التفصيل الاول يتعلق بالمفاوضات الدولية بشأن البرنامج النووي الايراني. فمجرد قبول طهران الجدي بالآليات الدبلوماسية لحلّ نزاع بهذا الحجم، تكتشف طهران عقم آلتها العسكرية في فرض سياساتها، وتدرك ان شروط الاندماج داخل المجتمع الدولي تحتاج الى آليات خلاقة بعيدة عن الخطب الشعبوية المزمجرة، وتستسلم لفكرة التسوية والاتفاق (حتى لو بالغت خطب المرشد مؤخراً الداعية لانتاج مزيد من الصواريخ). التفصيل الثاني يتعلق بتطور فلسفة الامن لدى السعودية سواء من خلال رؤية اقليمية متعددة الاطراف (مصر أبرز مفاتيحها) او سواء عبر المناورات العسكرية التاريخية التي اجرتها السعودية مؤخرا والتي اعتبرت عرض عضلات وتلميح للخيارات القصوى التي قد تلجأ لها المملكة، او من خلال التشكيلات القيادية التي طالت قيادات الجيش مؤخرا، على نحو يشي برغبة لترشيق وتفعيل نجاعة وفعالية القوات المسلحة. في التفصيلين تتراجع طهران خطوات نحو الدبلوماسية، وتتقدم الرياض خطوات باتجاه العسكريتاريا.

ضمن هذه القواعد ووفق تلك الاشارات، وبعد اسابيع على زيارة الرئيس اوباما للرياض، وتزامنا مع زيارة وزير الدفاع الاميركي للسعودية وحضوره الاجتماع التشاوري الأول لمجلس الدفاع المشترك لوزراء الدفاع في الخليج، يتقدم وزير خارجية الرياض بالوصفة - السر: المفاوضات.

لم يستخدم سعود الفيصل كلمة محادثات او حوار او تبادل وجهات النظر.. الخ، ذهب مباشرة الى لبّ المسألة: مفاوضات. في ذلك التعبير استعارة من سياق ما يجريه العالم لبت النزاع النووي، على نحو يوحي أن مفاوضات الفيصل هي امتداد طبيعي لمفاوضات الخمسة زائد واحد مع طهران، وان حقبة ما بعد الاتفاق النهائي على الملف النووي تتطلب تفاوض طهران مع الرياض لبت ملفات الاقليم. في التفاوض اقرار بندية تشعر الرياض انها أضحت تمتلكها وتستطيع من خلالها مباشرة مرحلة جديدة لاحت تباشيرها في الاتصالات السعودية الايرانية في بيروت (والتي انتجت توافقات مفاجأة لافتة في لبنان)، او اجتماع السفير السعودي اللافت مع هاشمي رفسنجاني في طهران.

استطاع جواد ظريف وزير الخارجية الايراني ان يردد في صولاته وجولاته حرصه على التواصل مع المملكة وعتبه من عدم موافقة الرياض على زيارته لها. بدا الرجل أمام العالم حمامة تناشد الخصوم السلم. ربما اصيبت المملكة حينها بحرج، لكن اوساطها كانت تقول أن الرياض ليست ضد الزيارة لكننا لا توافق على شروطها (لاسيما مقابلة الملك دون الاتفاق على كافة الملفات)، ولا تريدها اختراقا اعلاميا مجانيا يسجل لايران. سعود الفيصل يضعُ الكرة هذه المرة في الملعب الايراني: ما بيننا نزاعٌ صعب يستحقُ مقاربة جدية حقيقة: المفاوضات.