اردوغان يصفع ويشتم ويهدد الشعب التركي!

مخالب دكتاتورية

خاطب رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان الحشود الغاضبة المطالبة باستقالته من منصبه وهو محاط بعشرات من الحرس الشخصيين بينما كان الأهالي في حالة من الصدمة والحزن بعد أسوأ كارثة صناعية تشهدها البلاد.

وبوجه عابس يعترض أردوغان على الكلام الموجه له من عدد من المتظاهرين ملوحا باصبعه في وجوههم قبل ان ينحني باتجاههم فوق احد حواجز الشرطة محذرا إياهم بالقول "لا تكونوا وقحين" بحسب أحد مشاهد صورها احد الموجودين بهاتفه وبثتها وكالة دوجان للأنباء. وأضاف "إذا أطلقت صيحة استهجان ضد رئيس وزراء هذه البلاد ستتلقى صفعة". ويبدو أنه كان يعني ما يقول.

وتحدى أردوغان متظاهراً آخر بقوله "تعال إلى هنا وتهكم علي" قبل أن يشق موكبه طريقهم إلى داخل أحد المتاجر.

في حين أظهر مقطع فيديو قصير آخر ولكنه مشوش أردوغان وهو يصفع رجلا يرتدي قميصا أزرق قبل أن يقع الأخير على الأرض قرب ثلاجة للآيس كريم بينما كان حراس شخصيون يرتدون بزات ينهالون عليه باللكم والركل. إلا أن تانر كوروشان أوضح في وقت لاحق أن أردوغان لم يتمكن من السيطرة على نفسه في تلك اللحظة و"صفعه لا إراديا".

في حين نفى مساعدو أردوغان أن يكون رئيس الوزراء قد صفع أي شخص. ولكن هذا الشجار أظهر بشكل صارخ الميول المندفعة لرجل هيمن على السياسة التركية لأكثر من عقد من الزمن والذي يأخذ أي انتقاد لقيادته على أنه إهانة شخصية وعميقة له.

ولكن على الرغم من أن صوره وهو يواجه السكان الغاضبين لبلدة لا تزال تدفن موتاها قد تثير الصدمة إلا أنها من غير المرجح أن تعوق طموحه ليصبح أول رئيس منتخب شعبيا لتركيا في أغسطس/ آب أو أن تلطخ صورته بشكل لا يمكن إصلاحه بين طبقة من المحافظين دينيا الذي يرونه كبطل.

فبالنسبة لهؤلاء أردوغان لم يقدم لهم فقط ارتفاعا في مستوى المعيشة في خلال العقد الماضي ولكنه قدّم أيضاَ العدالة الإجتماعية والترويج للقيم الإسلامية والصراع من أجل شريحة من الشعب كانت مغيبة بشكل كبير عن السلطة لغالبية القرن الماضي من قبل نخبة علمانية تطمح للتوجه نحو الغرب. وبالنسبة إليهم أيضا إذا كان كل ذلك يعني المشاكسة السياسية فلا مانع من ذلك.

وبدأت مشاهد الشجار بين أردوغان والمتظاهرين تظهر تدريجيا على حفنة من المواقع الإخبارية الإلكترونية وعلى وسائل التواصل الإجتماعية منذ زيارة أردوغان إلى بلدة سوما الأربعاء الماضي وهي بلدة صغيرة تقع على بعد 480 كيلومترا جنوب غرب إسطنبول حيث قتل أكثر من 300 عامل منجم الأسبوع الماضي بعد أن أدى حريق إلى انبعاث غاز أول أكسيد الكربون في منجم فحم.

وأطلقت الكارثة احتجاجات على نطاق صغير في عدد من المدن في جميع أنحاء البلاد شارك فيها محتجون غاضبون مما اعتبروه العلاقة الحميمة بين حزب العدالة والتنمية بزعامة أردوغان مع كبار رجال الأعمال وفشله في توفير شروط الأمان للعمال وعدم الاكتراث.

ولم يفعل أردوغان الكثير للتخفيف من التوتر وعبر عن أسفه لوقوع الكارثة خلال زيارته إلى سوما ولكنه دخل إلى مؤتمر صحفي عقده هناك وبحوزته أمثلة عن كوارث مماثلة حصلت خلال العهد الفيكتوري في بريطانيا عندما كان الأطفال يعملون في حفر المناجم على ضوء الشموع ومصابيح الزيت وإتخذها وسيلة للدفاع عن نفسه ضد أي إمكانية لإلقاء اللوم سياسيا عليه.

وقال أردوغان "الانفجارات المماثلة تحدث طوال الوقت" تاليا أمثلة يعود تاريخها إلى ما قبل قرن ونصف. غضب عارم

أوضح كوروشان أنه لم يكن من ضمن المحتجين وأنه كان ذاهبا إلى المتجر للتبضع عندما انتشر حراس أردوغان بالقرب من قسم بيع الفاكهة. وأظهرت مقاطع الفيديو كوروشان واقفا عند المدخل وكأنه يومئ للتهدئة.

وروى كوروشان ما حدث لتلفزيون "قناة دي" بالقول "رأيت الحشود قادمة باتجاهي وانتهى بي الأمر وجها لوجه مع رئيس الوزراء".

وأضاف "في تلك اللحظة بدأ الحراس الشخصيون بدفع الناس في أرجاء المكان وللأسف لم يتمكن رئيس الوزراء من السيطرة على غضبه الشديد وصفعني لا إراديا" مظهرا الجروح التي أصيب بها على ذراعه وعنقه بعد أن انهال عليه حراس أردوغان بالضرب.

وقال الناطق باسم حزب العدالة والتنمية حسين جيليك إنه شاهد المقاطع المصورة ورأى أنه لا يوجد أي دليل مرئي على أن رئيس الوزراء ضرب أي شخص. في حين اتهم كبير مستشاري أردوغان يالشين أكدوغان "أفراد عصابات" بمهاجمة موكبه بينما كان يحاول لقاء عائلات مكلومة.

في اليوم عينه التقطت صور لأحد مساعدي أردوغان الشخصيين يوسف يركيل وهو يركل أحد المتظاهرين بعد أن صرعه وثبته على الأرض عدد من عناصر القوات الخاصة المسلحين.

وقال يركيل الذي أعطي عطلة لمدة أسبوع إنه لم يتمكن من السيطرة على نفسه في وجه الاستفزاز.

واعتبر جيليك أنه من من المستحيل معرفة الحقيقة كاملة من صورة واحدة.

ولكن بغض النظر عمن وجه اللكمة الأولى لم تلقِ هذه الحوادث الضوء فقط على الجانب الغوغائي للسياسة التركية ولكن أيضا على تنامي الاستقطاب في البلاد عموما وهو ما استغله أردوغان لتعزيز الدعم له.

وقال وولفانجو بيكولي المدير الإداري لشركة تينيو انتليجانس المتخصصة في أبحاث المخاطر السياسية "حتى لو تمكن أردوغان من الخروج من هذه الكارثة بأضرار محدودة إلا أن ما حدث زاد من الاحتمال القائل بأنه إذا ما انتخب رئيسا في أغسطس آب المقبل فهو سيقود بلادا منقسمة بشكل عميق ستكون التوترات وانطلاق التظاهرات المتقطعة المناهضة للحكومة العرف السائد الجديد".

ويلعب خطاب أردوغان السياسي على الانقسام الكامن الذي يعود إلى العشرينيات من القرن الماضي عندما بنى مصطفى كمال اتاتورك في العشرينيات من القرن الماضي جمهورية علمانية على أنقاض الإمبراطورية العثمانية وأقصى الإسلام من الحياة العامة واستبدل الأحرف العربية بتلك اللاتينية وروج للباس الغربي وحقوق المرأة.

وبالنسبة إلى الكثير من بين أنصاره العقائديين فإن أردوغان وحزب العدالة والتنمية ذا الجذور الإسلامية يمثلان فرصة لإصلاح موازين القوى وتصفية الحسابات. وهو خطاب ذو تأثير هائل في معاقله المحافظة في الاناضول.

فبعد أسابيع من التظاهرات المناهضة للحكومة في الصيف الماضي إلى فضيحة فساد مست الدائرة المقربة منه أوائل هذا العام ألقى أردوغان جانبا بالتحديات التي تواجه سلطته معتبرا أنها جزء من مؤامرة مدعومة من جهات أجنبية واعتداء على قيم تركيا الأساسية.

وقبل ذلك حصلت عدة مواجهات غاضبة.

فقام نواب في البرلمان بتبادل اللكمات وتراشقوا بزجاجات المياه خلال مناقشة في يناير كانون الثاني الماضي بشأن سيطرة الحكومة على القضاء. وقفز أحد نواب الحزب الحاكم على طاولة ووجه لأحد زملائه ركلة طائرة بينما تعارك آخرون بالأيدي وتبادلوا اللكمات وتطايرت الملفات والوثائق وشوهد حتى جهاز آيباد اللوحي طائرا في الهواء.

ولكن على الرغم من هذه الاضطرابات اكتسح حزب أردوغان الخارطة في الانتخابات البلدية في 30 مارس آذار الماضي واسترجع المدن الرئيسية مثل إسطنبول وأنقرة معززا طموح زعيمه للترشح للرئاسة في غضون ثلاثة أشهر.

وعشية الانتخابات البلدية في مارس آذار توجه رئيس الوزراء بنبرته الحادة وهو الذي ولد لقبطان بحري فقير واكسبته طفولته في منطقة كاسيمباسا الخشنة في اسطنبول صلابة إلى مؤيديه بالقول "توجهوا إلى صناديق الإقتراع غدا ولقنوهم درسا جميعا.. لنوجه لهم صفعة عثمانية".

ولكن مشاهد الشجارات في سوما في ذروة كارثة وطنية اجتذبت اهتماما أكبر على تويتر ويوتيوب والصحافة الدولية اكثر مما ظهر في وسائل الإعلام التركية المكبلة ما يعني أنها عاصفة أخرى سيتمكن أردوغان من الخروج منها بارتياح.

وحتى كوروشان بدا إلى حد ما غير مرتاح للاهتمام الذي تلقاه. وأوضح "كانت فقط صفعة واحدة وأعتقد أن السيد رئيس الوزراء لم يقم بها وهو في كامل وعيه بل بشكل لا إرادي".