السعودية... المرأة في الفكر الإرهابي!

النساء ليسنَّ بمعزل

ليس جديداً الحديث عن الإرهاب، ولا حتى عن المرأة في خندق الإرهابيين، لكن الجديد تبدُّل المواقع، وانتقال بنت حواء من دائرة «الخدمات اللوجستية» التي تُسند لجنس النساء غالباً إلى المنازلة الميدانية والانخراط في الصفوف الأولى من التنظيمات التطرفية، التي وإن تبدلت أسماؤها وتنوعت شعاراتها وأشكالها إلا أنها في النهاية تصب في التوجه ذاته، وتنزع للغاية ذاتها، وتسلك الطريق نفسه، وتتخذ العنف منهجاً وسبيلاً.

لقد أثار وجود امرأتَيْن سعوديتَيْن ضمن العناصر الإرهابية الذين تم القبض عليهم من قِبل وزارة الداخلية الأيام القليلة الماضية وهم يحاولون الهروب من المملكة العربية السعودية عن طريق اليمن في منطقة وعرة جداً. أثار هذا الحدث تساؤلات عدة لدى المحللين المتخصصين في قراءة الملف الإرهابي، فضلاً عن غيرهم. ولعل من أهم الأسئلة التي تستحق الطرح والوقوف عندها طويلاً: تُرى، ما دواعي انتظام المرأة السعودية وانخراطها في منظومة الإرهاب وانتمائها للجماعات الإرهابية التي تتخذ من العنف مطية للوصول إلى غايتها، وتعمل حسب أجندة معقدة وبهرمية سرية معنعنة، من الصعب على جنس النساء إدراك مراميها وتفهم ومعرفة أبعادها ورموزها وشبكاتها وخلاياها غالباً والتدرج في سلم هرميتها وصولاً للمنازلة والتنقل من بلد لآخر؟

شخصياً، مع إيماني لدور القرابة والصلة في هذا السلوك الخطير، الذي لا يتوافق وطبيعة المرأة، إلا أنني لا أستبعد أن مجتمع النساء لدينا قد اختُرق بصورة أو بأخرى من قِبل الجماعات المتطرفة، ووُظفت العاطفة التي هي الأصل لدى بنت حواء بشكل كبير من أجل تحريك الدافعية لديها للنصرة والجهاد حسب فهمهم القاصر، وبناء على مرجعياتهم الفكرية المعروفة، وكانت - وما زالت - مواقع الإنترنت ووسائط التواصل الاجتماعي في عالمنا الافتراضي الناقل الرئيس لمضامين هذا الفكر المدمر.

إن حدوث ولو حالة واحدة في مجتمعنا السعودي يعني أن هناك خللاً يجب أن يُلتفت إليه، ولا يفهم من هذا القول التعميم - لا سمح الله - ولا المطالبة بتوقف جهود المرأة الدعوية في المملكة العربية السعودية، التي عُرف عنها الأثر الخيّر والدور الإيجابي دينياً وتربوياً وفكراً سياسياً واجتماعياً، لكن لا بد من إشراك الداعيات ذات التوجه السلفي الصحيح في مواجهة هذا الفكر، والتصدي لفلوله، وإبطال أدلته، ودحض حججه الواهية بالأدلة الدامغة النقلية والعقلية التي تتوافق والفهم الديني الصحيح في هذه المرحلة والظرف التاريخي الذي نعيشه. ولقد أحسنت الدكتورة أسماء بنت سليمان السويلم، الأستاذ المساعد في جامعة الملك عبد العزيز بجدة، فيما ذكرته من أهمية «الخطاب الدعوي النسائي في مكافحة التطرف والإرهاب».

ويمكن إجمال ما أشارت إليه في النقاط الآتية:

- اختلاف الخلق بين الجنسين «الأدمغة» يوجب اتخاذ الطرائق التعليمية والتوعوية والتثقيفية التي تتوافق وتتناسب وتلائم طبيعة المرأة، وهي معلومة لدى الداعية أكثر من الداعي الذي يسود خطابه «اللغة الذكورية» غالباً.

- قرب الداعية ومباشرتها للمجتمع النسائي، وقدرتها على تلمس احتياجاتهن ومشاكلهن، الذي يساهم كثيراً في عقد التواصل المباشر مع مجتمعها.

- رقة المرأة وعاطفتها التي تجعل الداعية قادرة بكل محبة وعطف على أن تؤثر وتلمس حاجة أخواتها من النساء.

- المرأة الداعية عندها صبر على سماع مشكلات مثيلاتها من النساء أكثر من الرجل.

- الحرية في السؤال والمناقشة من النساء للمرأة الداعية.

- المرأة في قضية الإرهاب والتطرف غالباً ما تكون مستغلَّة من قِبل الرجل، وتتورط معه لتغليبها لعاطفتها من جهة، ومن جهة أخرى لجهلها وعدم معرفتها بالحكم الشرعي، وأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق؛ لذا كان من المهم أن تخاطب المرأة امرأة مثلها، تتفهم عاطفتها، وتشعر بما تشعر به، وتفكر بطريقة تفكيرها نفسها.

- إيجاد القدوة في المجتمع النسائي من جنس المرأة لا الرجل.

إن من الواجب الالتفات إلى هذا الباب الواسع والخطير، وتكثيف الجهود الدعوية النسائية؛ حتى لا تنزلق فتاة الوطن إلى مستنقع الفكر الإرهابي، وتدخل في دهاليزه التنظيمية في غفلة من حماته «عقدياً وتربوياً وأمنياً». كما أن على الداعيات التحذير من كل فكر ضال، وبيان المنهج الإسلامي الوسطي الصحيح المبني على الفهم السلفي الدقيق.

عثمان بن صالح العامر

نشر في الجزيرة السعودية