العرب ينتخبون: هل فشلت الديمقراطية نهائياً؟

تجتمعُ في دائرة زمنية واحدة مجموعة عمليات اقتراعية عربية المفترض أن تستفتي حال الرأي العام هنا وهناك، على نحو يعكسُ الممارسة النقية للديمقراطية. الانتخابات في العراق ولبنان وسوريا ومصر، باقةٌ من النماذج التي تلتقي في الشكل على الاصغاء لصوت الصناديق، وتختلف في المضمون وتفاصيل الحكايات وفق كل حالة. على أن عمليات الاقتراع، تلك، تثبت بالدليل بأن الديمقراطية لا تنحصرُ بعملية الاقتراع، بل بمنظومة متشابكة الابعاد متعددة المستويات.

الانتخابات في العراق كرّست منذ سقوط النظام السابق عام 2003، تمرين انشاء السلطة والتجديد لمقوّماتها. فرض ما أُسمي بالعملية السياسية شكل الحكم ووجوهه، واستخدمت الانتخابات لاخراج المشهد كاملاً وفق شروط الانتخاب وأعرافه. جرت الانتخابات، وتجري دائماً، على قاعدة أن هناك غالباً يسود ومغلوباً يُساد. لم تأتِ الانتخابات في العراق لتكريس عقدٍ اجتماعي يرثُ الاستبداد السابق، بل لتشريح الجسد العراقي المريض وفق تقسيمات دينية ومذهبية وعرقية. بمعنى آخر منحت الانتخابات المذهبية والعرقية صكاً شرعية جعلتها أساً مفصلياً في تكوين البلد لا وباء مؤقتاً عرضيا راحلا. على ضوء تلك الانتخابات تتقدم طموحات انفصالية تارة وتفكيكية ثانياً، كما يفقد الداخل قراره ويستسلم لقرار وافد من وراء الحدود.

الانتخابات في العراق تسير وتنشط وتنمو وفق شروط الانقسام السني الشيعي (طالما أن الجميع مسلّم بالخصوصية الكردية في الجغرافيا والديمغرافيا). واذا ما تيسّر للعراقيين أن يتجاوزوا مذهبيتهم وراحوا ينشدون الارتقاء إلى ما فوق المذاهب، فإن مناسبة الانتخابات موسم لاعادة استدعاء كربلاء وصفين، كما اطلاق خطاب تكفيري يجبر المتفائلين بلا طائفية متوخاة للعودة إلى ملاذ الطائفة البليد. الانتخابات في العراق اداة من ادوات اقتسام الغنيمة العراقية على مائدة ملوك الطوائف. وهي بهذا المعنى هي فعلُ تحريض وقسمة ودمار بالنسبة للعراق والعراقيين، وقد يكون الاستغناء عنها لصالح ادوات خلاقة اخرى اكثر فائدة للعراق كما لشعبه.

وحال الانتخابات في سوريا لا يحتاح إلى عناء التقييم والتحليل. فتلك منذ فُرض نظام الحزب الواحد، سواء بطبعته الاولى أو بتلك التصحيحية بعد ذلك، تقوم بصورة شكلية بتجديد النظام لنفسه في المتن والمركز، على أن تتبدل وجوه الهوامش. لا تروم الانتخابات تناوبا على السلطة وتداولا للقيادة بل تثبيت الديمومة الابدية لنظام وراثي أين منه النظم الملكية واشباهها.

واذا ما كان التقييم السابق يتعلق بالانتخابات في سوريا ما قبل ازمتها، فان الانتخابات الرئاسية المقبلة التي ستأتي ببشار الاسد رئيساً، تعتبر مهزلة ليس بنظر المعارضة السورية واصدقائها في العالم، بل هي كذلك في نظر النظام نفسه، الذي يجاهر بتنظيم انتخابات في بلد يعاني نكبة تاريخية كبرى، في كوارث القتل والمجازر، وفي مأساة النزوح التي دفعت بالملايين خارج بيوتهم واحيائهم، ناهيك عن تقطع اوصال البلد بحيث سيكون مستحيلا اجراء انتخابات ولو صورية في مناطق كثيرة من سوريا.

يعرف النظام السوري ذلك ولا يقلقه الامر، فالانتخابات الحالية لا تختلف في اية حال عن أي انتخابات سابقة لجهة تثبيت الثابت بغض النظر عن وسائل ذلك داخل تمرين الانتخابات. واذا ما كانت الانتخابات في شروطها الحالية في العراق وبالا على البلد يجوز الذهاب لتعليقها صونا لوحدة البلد وديمومته، فحري بدمشق التخلي عن الانتخابات طالما انها ليست الفيصل، امام السوريين والعالم، لتحديد هوية النظام السياسي ورجالاته ورئيسه.

في مصر تجري الانتخابات وفق شروط التغيير وخارطة الطريق التي أنهت حكم محمد مرسي للبلاد. والانتخابات ليست منبر الديمقراطية الكبير، ذلك أن مصر تحتاج لعقود حتى تتمكن من أن تصبح ديمقراطيتها شبيهة بديمقراطية الغرب، وفق تصريحات المرشح المشير عبدالفتاح السيسي. الانتخابات بهذا المعنى استفتاء على انهاء حكم الاخوان وتثبيت للقطيعة مع التنظيم وتجربته الحاكمة. والانتخابات في مصر تجري وفق خلفية احباط تستسلم لأي خلاص يعيد مصر إلى الاستقرار في الامن والسياسة والاقتصاد. وما الخلاص الوحيد المقترح الا ذلك الذي تأسس على قاعدة مظاهرات 30 يونيو وقرارات 3 يوليو. على ذلك يتنافس لرئاسة مصر وجهين لا يتواجهان ولا يتناقضان ولا يتصادمان، وفي مصر من يقول انهما يتكاملان.

تخوض مصر انتخابات محسومة النتائج. ومصدر الحسم يأتي من التصاق العمل الجمعي المعارض للاخوان في الحكم بمسعى المؤسسة العسكرية للتحرك ووقف الانهيار، أو انه يأتي من حالة استدعاء لتدخل الجيش من قبل المصريين بعد أن عجز الحراك منذ 25 يناير ونتائجه عن ضبط مصر على سكة ما تصل إلى وجهة ما. هي انتخابات لارساء شرعية كاملة على خارطة الطريق. هي اداة من ادوات تثبيت السلطة لمن يملك تلك السلطة. واللافت أن الحملة الانتخابية التي يشارك فيها بحيوية اعلام واعلاميو مصر لا تدور رحاها لنصرة مرشح السلطة ضد المرشح المنافس، بل تنشط لتأييد مرشح السلطة ضد أي بديل آخر، على نحو يوحي باستمرار خطورة البديل الآخر.

في لبنان من صدق هذه المرة أن رئيس الجمهورية ستنتخبه آلة تشريعية لبنانية متخلصة من وصاية الخارج. واذ باللبنانيين يكتشفون عجزهم عن انتاج رئيس من الداخل دون أن يتوافق ذلك الخارج. ليس للبنان الصغير في الحجم والديمغرافيا والموقع والمعنى أن ينتخب رئيساً لا ينسجم مع المشهد الانتخابي العام من العراق إلى مصر مرورا بسوريا. والمفارقة أن الانتخابات في العراق وسوريا ومصر، وهي دول عربية كبرى، محسومة النتائج ولا تؤثر على التوازن الاقليمي التقليدي المعروف. الانتخابات العراقية ايا تكن النتائج لن تؤثر على النفوذ الايراني، كما أن تلك السورية لن تؤثر على مواقع ومواقف المعنيين والدوليين، كما أن تلك في مصر لن تنال من علاقة العالم مع مصر ما بعد الاخوان.

المفارقة أن بلداً صغيرا كلبنان عليه انتاج رئيس يشبه تناقض المنطقة ولا يشذ عن منْطقها. لكن الانتخابات في لبنان بقيت على مدى عمر هذا البلد اداة التداول والتناوب وشرط من شروط ديمقراطيته حتى في ظل الوصاية السورية. يفتخر اللبنانيون انهم البلد العربي الوحيد الذي يغادر رئيسه موقعه عند انتهاء ولايته، وان تجارب التجديد والتمديد (التي قد تكرر هذه المرة لاستحالة التوافق على رئيس) اعتبرت استثنائيةً تؤكد القاعدة. لكن ديمقراطية اللبنانيين ليست صناعة لبنانية مطلقة، بل هي وجهة نظر يتورط الخارج القريب والبعيد في الاجتهاد بها.

منذ اندلاع الربيع العربي نشط سجال بين وجهتين من الصعب الوصول إلى خواتيمه. الوجهة الأولى تدور حول حقّ المنطقة العربية العيش برخاء سياسي يعترف بالعدالة والديمقراطية والمساواة، ووجهة أخرى تدور حول قدرة المنطقة العربية على تحقيق ذلك. واذا ما كانت الوجهة الأولى تنضح بطوباوية واقعية (مع تناقض المفردتين) يتأسس على أن لا شيء يمنع الشعوب العربية من الالتحاق الكلي بركب الحداثة وما حققته الانسانية في هذا المضمار، فإن الوجهة الثانية نشطت عقب تجربة الربيع العربي وما انتجته من عنف وانقسامات ورواج التشققات القبلية والمذهبية والدينية، كما في ذلك النزوع نحو كره الدولة ورفض الامتثال لهيبتها.

واذا ما كانت تجربتيّ تونس واليمن عكستا وجها ايجابيا لجهة القدرة على انتاج التسويات وتحري عقد اجتماعي بصناعة محلية، فإن التجارب الأخرى تحث على اعادة انتاج الاستبداد وفق وجوه وشروط أخرى لاعادة الاستقرار إلى كيانات منفلتة لم تهضم زوال المستبد فغرقت في فوضى عبثية تعيد استدعاء الديكتاتور.

لن ينتهي هذا السجال، وسيتم الاستعانة بعلوم الاجتماع لتشريح الهيكل المؤسساتي لمجتمعاتنا في اعرافها وتقاليدها العشائرية الابوية للتدليل على صعوبة تطبيق الديمقراطية الغربية على مجتمعاتنا. قول اكدته تصريحات المشير السيسي قبل أيام، كما كانت اكدته تصريحات حسني مبارك قبل سنوات.