ملك المغرب يحثّ دعاة الإسلام الوسطي على التكاتف ضد التطرف

دعوة لتصحيح العقيدة ولمكارم الأخلاق

الرباط ـ دعا العاهل المغربي الملك محمد السادس أتباع الطريقة التجانية إلى التعبئة الجماعية وضم جهودهم إلى كافة دعاة الإسلام الوسطي لقطع الطريق على "دعاة التطرف والإرهاب والتجزئة والانقسام، والمذاهب الضالة".

وجاءت الدعوة في رسالة وجهها الملك محمد السادس إلى المشاركين في الاجتماع الدولي لأتباع الطريقة التجانية الثالث المنعقد منذ الاربعاء بمدينة فاس المغربية، لمناقشة مستقبل هذه الزاوية الصوفية ووسائل تعزيز دورها في تضامن الأمة الاسلامية وإشعاع الإسلام المعتدل والوسطي.

ويأتي هذا الاجتماع في أعقاب الاجتماعين اللذين انعقدا في 2007 و2009 بمناسبة إحياء الذكرى المائوية لرحيل الشيخ سيدي أحمد التجاني.

ويعرف هذا اللقاء مشاركة حوالي ألف ممثل للطريقة التجانية من 47 بلدا في العالم سيجتمعون على مدى ثلاثة أيام في مقر الزاوية التجانية الكبيرة بفاس، الزاوية المرجعية لكل تجانيي العالم، والتي أسسها الولي الصالح سيدي أحمد التجاني في القرن الثاني عشر الهجري.

وقال العاهل المغربي في رسالته إن "الزوايا التجانية بكافة أتباعها مدعوة إلى تفعيل منهجها القويم، على ما هو معهود في أتباعها من التزام بالسنة المحمدية، في نشر المحبة والإخاء بين أتباعها، والترقية السلوكية للمنتسبين إليها، والتضامن الفعلي في جمع الكلمة وتوحيد الصف والسمو عن نزوعات التفرقة والاختلاف".

وشدد الملك محمد السادس على "ضرورة إحياء منهج التصوف بكل طرائقه ومشاربه، لمداواة النفوس، وكبح جماحها، واسترجاع التوازن بين المادة والروح في ضوء الوسطية الإسلامية السمحة"، مؤكدا أن "للطريقة التجانية رصيدا تاريخيا لا يستهان به في هذا المجال التربوي الحكيم لتزكية النفوس ومقاومة نزوعات المادية الجارفة التي وجدت في اهتزاز القيم وشيوع التشكيك في الدين من منطلق الصورة المظلمة التي أشاعها المتطرفون".

وقال العاهل المغربي إن المجتمعات الاسلامية في هذه الظرفية التاريخية "هي أحوج ما تكون إلى مساهمة كل الفاعلين من علماء وفقهاء وصوفية لرفع تحدي التطرف الأعمى ونزوعات الانفصال والانقسام".

وأضاف الملك محمد السادس أن اجتماع الطريقة التجانية "لتدارس شؤونها، والقضايا المتعلقة بزواياها وتفعيل التنسيق بين أجهزتها، من لدن مشايخها، وكذا لتبادل الرأي في رسم خطط العمل للنهوض بالتربية الروحية بما يلائم المستجدات"، يأتي في سياق "السياسة الرشيدة، التي ننهجها بإيمان راسخ، ومنظور وحدوي ملتزم، واستراتيجية تنموية طموحة قائمة على تفعيل دور التصوف في إشاعة الأمن الروحي، ونشر قيم المحبة والوئام، وتطهير النفوس من جذور التعصب والحقد والكراهية".

وذكر العاهل المغربي المجتمعين بأن "اختيار الولي الصالح سيدي أحمد التجاني لمدينة فاس دارا لإقامته، ومقرا رئيسيا لزاويته ومركز إشعاع لطريقته، لم يكن اعتباطا ولا مصادفة. وإنما كان اختيارا منه لما كان يعرفه عن المغرب من تمسك بالإسلام، وحرص على اتباع سنة نبيه الخاتم جدنا المصطفى عليه الصلاة والسلام، وأيضا لما اشتهر به ملوك المغرب الميامين من أسلافنا المنعمين من عناية فائقة بالعلماء، وأقطاب الصوفية، فضلا عما كانت تتميز به المملكة المغربية على امتداد تاريخها من البيعة لإمارة المؤمنين، التي ظلت سندا للإسلام السني الوسطي في مملكتنا السعيدة، وملاذا للشعب المغربي يجد فيها مرفأ للأمن والأمان والوحدة والالتئام".

وقال الملك محمد السادس إن كل ما تقدم ذكره جعل المغرب يظل على مر العصور "الحصن الحصين للإسلام في الشمال الغربي لإفريقيا، والمنارة التي انطلقت منها أنوار الهداية إليه، إلى كافة ربوع البلدان الإفريقية جنوبي الصحراء، بتوجيه ملوكه العظام وعلمائه الهداة الأعلام، و صوفيته العارفين، الجامعين بين الشريعة والطريقة والحقيقة".

وأكد على أن الطريقة التجانية، التي أسسها الولي الصالح والقطب الشامخ سيدي أحمد التجاني في القرن الثاني عشر الهجري "لقيت من ملوك الدولة العلوية، من أسلافنا المنعمين، كامل الرعاية وموصول العناية، وكان في مقدمتهم السلطان المولى سليمان الذي تلقى الشيخ سيدي أحمد التجاني بالترحيب والتوقير، وأحاطه بموصول العناية والتبجيل، حينما وفد على هذه الحاضرة التي وجد في علمائها ومريديها التجاوب الروحي المنشود"،

لأنها "قد قامت على تقوى من الله ورضوان، وبنت صرحها العتيد على الجمع بين علم الظاهر وعلم الباطن، ومجاهدة النفس، والمواظبة على الذكر، وتشبث مريديها بالسنة المحمدية الغراء، في التزام بوحدة الجماعة، ونشر المحبة والوئام بين أفراد الأمة".

وذكّر العاهل المغربي بما كان "للطريقة التجانية بالربوع الإفريقية جنوبي الصحراء والساحل الغربي، وعلى امتداد الآفاق مشرقا ومغربا، من دور كبير في نشر الإسلام وتصحيح عقيدته، والدعوة إلى مكارم أخلاقه، وما كان لأتباعها من حرص صادق على انتشال الآلاف المؤلفة من الأفارقة من أضاليل الوثنية والشرك بالله ومقاومة الاستعمار".

وأضاف أن هذه الطريقة قامت "برسالتها المضيئة وتربيتها القويمة في جعل الإسلام منهجا للاستقامة والصلاح، والمحبة والإخاء بين سائر أبنائها في كل البلدان التي أوسعت صدرها لهذه الطريقة بين أهلها".

وشدد الملك محمد السادس على أن المغرب ظل "بقيادة أسلافنا الميامين وفيا لتقاليده العريقة في رعاية التصوف وأهله وإحاطة مشايخه وزواياه بالتوقير والتعظيم طالما التزموا بمنهاج السنة المحمدية، وبوحدة الأمة والجماعة بقيادة إمارة المؤمنين، الساهرة على صيانة الوحدة المذهبية للأمة، والوحدة الوطنية والترابية لحوزتها، ونشر قيم الوسطية والاعتدال والتسامح والتعايش، وترسيخ أواصر الأخوة بين الأفارقة. تلكم الأخوة التي هي الأساس المكين والركن الركين لبناء صروح التعاون في كل مجالات التنمية البشرية بإفريقيا".

وأكد العاهل المغربي أنه ما فتئ من هذا المنطلق ملتزما "بالسهر على الفضاء الديني، وترسيخ قيم الإسلام السمحة في الوسطية والاعتدال، ونبذ التطرف الأعمى، والتسييس المغرض للدين وهو المنهج الذي نرسخه في مملكتنا، ونتعاون في تفعيله مع أشقائنا الرؤساء الأفارقة، حريصين على التعاون البناء مع كافة الدول الإسلامية الشقيقة على بناء الوحدة والتكامل فيما بيننا، ونبذ الخلاف والتفرقة، ودعم حسن الجوار مع أشقائنا المغاربيين".

وبالنسبة لمنظمي الاجتماع الدولي الثالث لأتباع الطريقة التجانية، فإن هذا اللقاء ينعقد في وقت أبان فيه مريدو الطريقة التجانية في العالم كله عن وعي متجدد بمسؤوليتهم إزاء الأمة، مضيفين أنه ينبغي لمريدي الشيخ سيدي أحمد التجاني "تعزيز عملهم وتعزيز مجهود التأمل التربوي طبقا لأسس هذا الطريق الصوفي والسني، ومبادئه القائمة على الوفاء والإخلاص والمحبة".

ويقول مراقبون إن منتدى فاس سيشكل مناسبة لإبراز الدور الذي قامت به هذه الزاوية من أجل تعزيز علاقات الصداقة والأخوة بين الشعب المغربي وشعوب إفريقيا جنوب الصحراء والسهر على استمرارية خطاب المحبة واليسر والتضامن بين الشعوب الذي دعا له مؤسسها الجليل.