الاخضر الابراهيمي يتوارى عن الساحة بعد فشله في سوريا

تعقيد الملف السوري سيطيح بأي ابراهيمي من دون ادوات حقيقية

الأمم المتحدة (الولايات المتحدة) - قال الأمين العام للأمم المتحدة بان جي مون، الثلاثاء، إن المبعوث الدولي الى سوريا الأخضر الابراهيمي سيستقيل من المنصب يوم 31 مايو/آيار بعد نحو عامين من السعي لإنهاء الحرب الأهلية "الوحشية التي ما زالت تتفاقم".

لم يخف الإبراهيمي على مدى أكثر من عام أنه ينظر في الاستقالة من المنصب كمبعوث مشترك للأمم المتحدة والجامعة العربية بشأن سوريا. ومن المقرر أن يتحدث الابراهيمي أمام مجلس الأمن الدولي عن التطورات بشأن سوريا في وقت لاحق.

وقال الابراهيمي للصحفيين بعدما اصدر بان الاعلان "ليس الأمر لطيفا جدا بالنسبة لي. من المحزن جدا أن أترك المنصب وأن اترك سوريا ورائي في تلك الحالة السيئة."

وقال بان إنه سيعمل على العثور على شخص يحل محل الإبراهيمي لمحاولة انهاء الحرب الأهلية التي دخلت عامها الرابع في سوريا.

وأضاف للصحفيين "في هذا الوقت ينبغي أن أفكر فيمن يجب ان يكون الشخص المناسب وفي أي وقت يكون."

وتقول مصادر دبلوماسية إنه يوجد العديد من المرشحين المحتملين ليحلوا محل الدبلوماسي الجزائري المخضرم ومنهم وزير الخارجية التونسي السابق كمال مرجان.

ورتب الابراهيمي جولتين من المفاوضات في جنيف بين حكومة الرئيس السوري بشار الأسد وأعضاء في المعارضة التي تسعى للاطاحة به.

ورغم عدم تحقق انفراجات في تلك المحادثات، قال دبلوماسيون ومسؤولون من الأمم المتحدة إن الابراهيمي كان يريد مواصلة عملية جنيف للتوصل إلى حل من خلال التفاوض ينهي القتال ويطلق عملية انتقال سياسي ويبدأ عملية المصالحة بين مؤيدي الأسد ومعارضيه.

ولكن دبلوماسيين يقولون إن اعلان سوريا يوم 21 إبريل/نيسان انها ستجري انتخابات رئاسية يوم الثالث من يونيو/حزيران وجه لطمة قاسية لجهود الابراهيمي في جنيف إذ يعتبر التصويت على نطاق واسع محاولة من الاسد لتحدي المعارضة الواسعة ومد فترة بقائه في السلطة.

وقال الابراهيمي للصحفيين قبل عام في نيويورك إنه يفكر في الاستقالة كل يوم.

وبذل الاخضر الابراهيمي، رجل المهام الصعبة، اقصى جهوده لوضع حد للنزاع الدامي في سوريا، لكن استقالته من منصبه كوسيط دولي، اعلنت الثلاثاء من الامم المتحدة، والحرب مستمرة من دون اي افق للحل.

ينسحب الرجل الثمانيني من مسرح الحرب المدمرة، التي اودت بحياة اكثر من 150 الف شخص. وكان عين في ايلول/سبتمبر 2012 موفدا خاصا مكلفا من الامم المتحدة وجامعة الدول العربية بالتوسط لإيجاد حل للنزاع. وعلى الرغم من اعتقاده الراسخ بعدم وجود "وضع ميؤوس منه"، فان تعقيدات الازمة السورية والمواقف المتناقضة تماما للإطراف المعنية والمصالح الدولية المتشعبة حالت دون ان يجد طاقة يمكن ان ينفذ منها الى تسوية للنزاع السوري خلال سنتين من السعي.

في الزيارات التي قام بها الى سوريا، في لقاءاته مع الاطراف، وفي المفاوضات التي اشرف عليها في جنيف بين الحكومة والمعارضة السوريتين، تسلح الابراهيمي بالحزم والبراغماتية والصبر.. والمزاح، لكنه لم يحرز تقدما.

وان كان اعلن في ختام الجولة الثانية من مفاوضات جنيف في شباط/فبراير ان جمع الطرفين الى طاولة واحدة هو بحد ذاته انجاز، وانه لا يشعر "بخيبة امل"، إلا ان صديقا له يروي ان الابراهيمي أدرك اخيرا ان المخارج الممكنة أغلقت الواحدة تلو الاخرى، لاسيما بعد اعلان النظام السوري تنظيم انتخابات رئاسية في الثالث من حزيران/يونيو، متجاهلا تماما مطالبة المعارضة السورية بتنحيه، وبتشكيل هيئة حكم انتقالية تضم ممثلين عن الطرفين.

بدا ذلك بمثابة اعلان نهاية المفاوضات التي ادرج تشكيل الهيئة في اطار اهدافها الاساسية.

فحذر الابراهيمي من "تفاقم" الازمة في حال اجراء الانتخابات، ما استدعى ردا عليه من وزير الاعلام السوري عمران الزعبي الذي اتهمه بـ"تجاوز مهمته وعدم احترامها"، قائلا "لا يحق له أو لأي أحد التدخل في شؤون الشعب السوري الداخلية".

على الرغم من ذلك، قام بمحاولة جديدة في آذار/مارس عبر زيارته ايران، حليف دمشق الرئيسي. ولم يرشح شيء عن الزيارة.

ولم يعد في امكان هذا الدبلوماسي المخضرم الاعتماد على توافق روسي اميركي يسانده في مهمته بعد الازمة الاوكرانية التي ذهبت بأي محاولة تقارب على هذا الصعيد ادراج الرياح.

عرف الابراهيمي بليونته الدبلوماسية، وبحنكته وخطابه الهادىء، وابتعاده عن الاستفزاز، لكن مع صلابة في الموقف وصراحة كبيرة.

ويقول عنه فريد ايكهارت، المتحدث السابق باسم الامين العام السابق للأمم المتحدة كوفي انان، انه "يتمتع بنزاهة وصراحة متميزيتن بالنسبة الى دبلوماسي"، مضيفا "اعتقد ان هذا يجعله موضع ثقة على الفور".

ويقول عميد كلية العلاقات الدولية في جامعة باريس للعلوم السياسية غسان سلامة الذي يعرفه عن قرب ان الابراهيمي يتمتع ايضا "بصبر لا محدود بالنسبة الى رجل بلغ الثمانين"، مضيفا "يبحث باستمرار عن نقاط الضعف عند المتنازعين ويسعى من دون هوادة وراء هدفه النهائي على الرغم من كل التعقيدات".

وقال الابراهيمي نفسه للصحافيين خلال مفاوضات جنيف "انا متهم غالبا بأنني بطيء، لكن اعتقد ان ذلك يبقى اكثر سرعة من التسرع".

وقال ايضا بثقة "انا كل كلامي شفاف".

وكان الابراهيمي خلف انان في مهمة الوساطة في سوريا. وقد استقال انان بعد خمسة اشهر من تعيينه.

وسبق للموفد الجزائري ان شغل منصب موفد الامم المتحدة الى افغانستان بعد اعتداءات 11 ايلول/سبتمبر 2001، والى العراق في 2003.

الابراهيمي والد لثلاثة. يتكلم الانكليزية والفرنسية بطلاقة. كان وزيرا للخارجية الجزائرية، وعرف للمرة الاولى كوسيط خلال المفاوضات بين الاطراف اللبنانيين في مدينة الطائف السعودية عام 1989 التي انتهت باتفاق وضع حدا لحرب اهلية استمرت 15 عاما.

ثم اصبح موفدا خاصا للأمم المتحدة في نقاط ساخنة عدة من العالم، اذ تولى رئاسة بعثة الامم المتحدة في جنوب افريقيا خلال انتخابات 1994 التي اتت بنلسون منديلا رئيسا. وأوفد الى اليمن في خضم الحرب الاهلية.

والابراهيمي عضو في مجموعة "الدرز" (القدامى) التي تجمع شخصيات تعمل على حل النزاعات المسلحة بينها الرئيس الاميركي السابق جيمي كارتر وانان والأسقف الجنوب افريقي ديسموند توتو.

في 2011، بعد بضعة اشهر على اندلاع الانتفاضة الشعبية ضد النظام في سوريا، قال الابراهيمي في محاضرة القاها في الاردن، ولم يكن قد عين بعد وسيطا في النزاع السوري، ان "التغيير مطلوب في كل مكان في المنطقة العربية، لكن كيف وماذا بعد؟".

وأضاف "لا شك ان الربيع العربي خلق وضعا جديدا، علينا الآن ان نجعل منه نافذة للخروج من حالة التردي التي تعيشها منطقتنا".