العمالة أيضا... وراثة

في كل مرة يدور فيها الحديث عن سر القدرة العجيبة التي يتمتع بها القادة الفاسدون الطائفيون والعنصريون على الصمود بوجه الإرادة الشعبية الراغبة والمصرة على التغيير وإعادة الوطن إلى أهله سالما ومعافى يروح العراقيون يشكون من تدخلات الدول الأجنبية في شؤون العراق الداخلية، ومن دورها في تعقيد حياته السياسية، وحماية الظلم والخراب والفساد من غضب الجماهير.

وقد اعتاد بعضٌ منا، نحن الكتابَ والمحللين، على إلقاء جريرة خراب الوطن على الاحتلال الأميركي وقرارات بريمر، وبعضٌ آخر على الاحتلال الإيراني وتدخلات قاسم سليماني، وبعضٌ ثالث على المال السعودي أوعلى النفوذ التركي الأردوغاني، ويعتبرون تدخل هؤلاء في حياتنا تعدياً علينا، وخرقا للأصول والأعراف والمواثيق، وسوءَ خلق، وقلة وفاء، ثم يستنهضون فيهم النخوة والشهامة ليكفوا عن هذا الفعل المشين.

ولكن قليلين منا فقط يحكمون بأن الذنب كله ذنبُ الزعماء والقادة السياسيين والدينيين والاقتصاديين والثقافيين العراقيين الذين قبلوا بالعمالة للأجنبي والعمل لديه مخبرين أو وكلاء، ونقلوا ولاءهم من أمهاتهم إلى أمهاتٍ غيرِهن وراء الحدود. ولولا البذرة الخبيثة المزروعة في نفوسهم الفاسدة والتي جعلت الواحد منهم جاهزا لبيع أمه وأبيه لمن يدفع، ما كان لأي منهم نصيبٌ في زعامة ولا قيادة ولا وزارة ولا سفارة.

وما دام لدينا حكام وقادة وزعماء يؤمنون بأن حال احتماء الأجنبي لازم وضروري، وبدونه لا يساوي الواحد منهم قشر بصلة، فليس من السهل ولا اليسير أن نأمل في منع الأجانب من اقتحام غرف نومنا وتقرير ما نفعل وما لا نفعل على أسرّتنا. كما أن من غير السهل أيضا ولا اليسير أن نتخلص من وساخة هؤلاء في وقت قريب.

تفحصوا أقوى المتربعين، اليوم، على أطلال خرابة الوطن. إنهم نوعان، نوع ورث الزعامة والثروة من أسرة عريقة في الولاء للأجنبي، ونوعٌ آخر ورثها، حديثا، من منظمة أو مليشيا وُلدت وترعرعت في أحضان الأجنبي. وفي الحالين لا يَعتقد أيٌ من هؤلاء بأن العمالة للأجنبي عيب وخيانة، بل يباهي بها ويفاخر أقرانه بعمقها وقوتها، ويهدد خصومه بخناجر وليّه ومولاه، ومفخخاته التي لا ترحم.

يتفننون في تبريرها وتفنيدها وتلميعها. فهي لدى البعض وطنية فائضة تستغل الدول الأقوى لحماية الوطن، ولدى البعض الآخر صداقة وتعاون، ولدى بعض ثالث تسديدٌ لديون مستحقة لدولة صديقة أو شقيقة وقفت معه في وقت الشدة. يعني، بمنطق هؤلاء لا يوجد زعيم سياسي عراقي خائن ولا عميل، والواقع يقول والحقيقة تؤكد أنهم غارقون في وحول الخيانة والعمالة إلى أبعد من الآذان.

وقليل منا يتساءل، على من يقع العتب في الخيانة والعمالة، على أجنبي يبحث عن زبون، أم على زبون يستميت في البحث عن "صاحب" وعن ولي أمرٍ سخي يدفع بلا حساب؟

ومن يقوم بجردة سريعة لتاريخ الأسر التي أنتجت القادة الحاليين، ويدقق في أصول ألقابها، وأعمالها، وممتلكاتها وإقطاعياتها، شيعية كانت أو سنية، عربية أو كردية أو تركمانية، مسلمة أو مسيحية، سيجد أن المؤسس الأول لأية واحدة من تلك الأسَر لم يصبح مهما وواحدا من أصحاب الحول والطول وشيخا آمرا ناهيا لو لم يعطف عليه أجنبيٌ، ذات يوم، فيفتح له بابا، ولو صغيرا من أبواب الجنة وخمرها وغلمانها وحورها العين. وأنا معذور حين لا أدخل في التفاصيل ولا أصرح بأسماء وألقاب وتواريخ تلك الأسر العريقة، وذلك لأن الشعب العراقي يعرف حتى دبيب النملة.

فكم من واحدٍ يقول التاريخ الأكيد إنه كان حافيا وجائعا وعابر سبيل فجعله الباب العالي في الإستانة أو أنقرة، في تبريز أو أصفهان، في لندن أو البيت الأبيض، رئيسا أو وزيرا أو قائد جيش أو شيخا إقطاعيا مَهيبا، ثم عضوا في برلمان؟

أما من كان عصيَّا على الخيانة والعمالة والسمسرة، وهم قلة قليلة، فلم ينل وزارة ولا سفارة إلا في فترات قصيرة متباعدة ونادرة، ولظروف طارئة لم تدم، وظل في آخر الصفوف، إن لم تلفق له تهمة معيبة فيقتل أو يطرد من الوطن ويموت في الغربة دون فراش.

مناسبة هذا الكلام ما نسمعه هذه الأيام عما يدور خلف الأبواب المغلقة من تفاهمات ومزايدات ومساومات بين الفصائل الممسكة بالمال والسلطة قد تُفاجؤنا بعودة الوئام والتراضي إلى المستظلين بخيمة الولي الفقيه، المالكي والحكيم والصدر ومن لف لفهم، فلا يعود الحرامي حراميا، ولا الفاسد فاسدا، ولا الظالم ظالما، ولا ديكتاتورا، ونعود، نحن أولاد الخايبة، نبكي ونلطم، ونلعن الساعة، من جديد.