اغتيال الطالب المغربي الإسلامي بين السياسي والإنساني وقيم المواطنة

لم يستطع وزير التعليم العالي المغربي، الحسن الداودي، كما يظهر ذلك المقطع الأول في الفيديو المتداول حاليا على نطاق واسع، حبس دموعه وهو يعلق على حادثة مقتل الطالب عبدالرحيم الحسناوي، الذي لقي مصرعه أثناء الأحداث الأخيرة التي اندلعت بين فصيلين طلابيين بجامعة ظهر مهراز بفاس. قد تبدو ردة فعل الوزير عادية وطبيعية، كأي شخص في لحظة إنسانية مماثلة. إلا أن الصادم في الفيديو، ذلك التناقض الذي يظهر صارخا عند مشاهدة المقطع الثاني من نفس الفيديو والذي صور قبل سنة في أحد اللقاءات الحزبية، ويظهر فيه الوزير وهو يرد على سؤال حول مقتل طالب يدعى محمد الفزازي خلال تدخل أمني عنيف شهده السكن الجامعي بفاس في يناير 2013، بعبارات غير واضحة ملفوفة بقهقهات وضحكات وحركات استهجانية، لا تتحملها وضعيته الاعتبارية كمسؤول دولة، خاصة بعد مقارنته بالمقطع الأول الذي يظهر فيه الوزير في قمة الإنسانية والمسؤولية وهو يتحدث عن جريمة قتل الطالب الحسناوي الذي كان ينتمي لمنظمة التجديد الطلابي المحسوبة على حزب العدالة والتنمية الحاكم الذي ينتمي إليه الوزير.

أكيد أن عشرات الآلاف ممن شاهدوا هذا الفيديو المركب سيصيبهم غضب شديد، بسبب التناقضات الصارخة التي أبانت عنها مواقف الوزير خلال مناسبتين أليمتين متشابهتين، لضحيتين ينتميان إلى نفس الوطن، حيث كان المفروض في الوزير التصرف بكل ما تمليه المسؤولية الجسيمة كرجل دولة، بعيدا عن أي اعتبارات ضيقة وهو يتحدث حول حادثة وفاة الطالب الفيزازي التي مست كيان كل المغاربة، مثلما مست قضية مقتل الطالب الحسناوي كيانهم، لأن المسألة، أولا وأخيرا، تتعلق بقضية إنسانية هي أكبر من أي اعتبارات ضيقة. فالمفترض أن كل المغاربة سواسية أمام الحكومة، وأمام وزراءها، ولا يمكن للانتماء الضيق أن يحل محل الحس الوطني واحترام قيم المواطنة التي لا يمكن بناءها وفق أواصر القرابة العشائرية أو الحزبية أو الدينية، بل تظل المواطنة فوق ذلك كله. إلا أن المسؤول الحكومي بردة فعله الأولى، قد اثبت للمغاربة جميعا، على اختلاف انتماءاتهم السياسية والاثنية والدينية، أنه وزير لانتماء سياسي وفكري محدد، وليس وزيرا لانتماء إنساني يسمى "وطن" يظم مواطنين تختلف ثقافاتهم وأفكارهم وقناعاتهم، لكن نفوسهم تتوحد ضمن مجال إنساني محسوس لا ملموس هو المواطنة التي ظلت لمئات السنين تشكل لحمة المغاربة داخل حوزة الوطن وخارجها في هذا العالم الفسيح.

قد يعتبر تصرف الوزير خطأ معزولا، يمكن لأي سياسي أن يقع فيه في لحظة معينة. إلا أن مبادرة رئيس الحكومة بتخصيص طائرة لنقل الوفد الحكومي، على حساب دافعي الضرائب، لحضور محفل تأبين الطالب المتوفى المنتمي للذراع الدعوية لحزب رئيس الحكومة، تأتي لتؤكد الاعتقاد الذي يشيع بأن فريق العدالة والتنمية داخل الحكومة وبمباركة رئيسها، ينحو في تسييره للشأن العام، نحو تغليب منطق الانتماء الحزبي والحركي، على حساب ما هو قيمي وطني، خاصة أن رئيس الحكومة، لم يقم بنفس المبادرة عندما تعلق الحادثة بمقتل الطالب الفزازي مثلا، الذي أثبتت التحقيقات الصحفية أنه لم يكن قيد حياته ينتمي إلى أي تيار طلابي داخل الجامعة. هذه الطائرة بدورها أثارت ردود فعل قوية لدى الرأي العام، فمن ناحية أخرى يمكن تفسير ذلك ضمن خانة تبذير المال العام، ليبقى رئيس الحكومة ملزما بإرجاع ما بذمته إلى الخزينة العامة، والحال أن الحكومة لم تعود المغاربة على التعاطي وفق هذا النهج مع حوادث أو قضايا إنسانية لا تقل ألما، ولنا في حادثة ممر تيشكا التي أودت بحياة 43 مسافرا بعد انقلاب الحافلة التي كانت تقلهم بين مدينتي مراكش وورزازات مثالا، حيث لم يكلف رئيس الحكومة نفسه إرسال وفد حكومي إلى المشفى الذي كان يرقد فيه الضحايا الناجون، أو لتقديم التعازي لأهالي الأموات، أو حتى إقامة محفل تأبيني رمزي لهم.

هذه الوقائع تجد مكانا لها وسط الادعاءات التي تطلقها المعارضة متهمة الحزب الحاكم بتبني مشروع لـ"أخونة" الدولة ومؤسساتها، وهو أيضا، ما يزكيه ما تنشره الصحافة الوطنية باستمرار حول التدخل المباشر في عمليات التوظيف الخاصة بالمناصب العليا، مثلما حدث مع مسابقات توظيف عمداء بعض الجامعات، التي ألغى فيها وزير التعليم العالي نتائج بعض الاختبارات آمرا بإعادة المباريات الاختيارية أكثر من مرة، لتمكين أشخاص مقربين من الحزب من المناصب، وغيرها من الخروقات، كالذي شهده محيط مكتب وزير الاتصال، فكما جاء على صحيفة "الأخبار"، بأن الخازن المالي العام للمملكة رفض التأشير على منصب كاتب عام جديد للوزارة عينه الوزير مصطفى الخلفي مؤخرا، بسبب استفادته سابقا من المغادرة الطوعية للوظيفة العمومية مع تعويض مالي، وهو ما يتنافى قطعا مع قانون الوظيفة العمومية. مثلما تم تعيين أشخاص آخرين في الدواوين الوزارية، بطرق غير شفافة، حسب ما كشفت عنه الصحافة، كديوان وزير العدل وديوان الوزير المكلف بالعلاقات مع البرلمان وديوان مؤسسة رئاسة الحكومة وديوان وزير النقل والتجهيز. وقد ظلت الأسئلة تراوح مكانها دون أجوبة رسمية، حول تلك الخروقات التي تضرب مبدأ المواطنة والمساواة، حيث ذكرت جريدة "الأخبار" سابقا، أن وزيرة المرأة والتضامن، عينت مرشحا لتولي منصب مدير ديوان الوزارة، رغم أنه كان قد حل في الرتبة الثالثة من بين المتبارين، ما يعني أن التعيين تم خارج إطار قانون تكافئ الفرص.

وفي وزارة الصناعة والتجارة تمت إعادة مباراة لاختيار كاتب عام للوزارة، مرات متعددة في سبيل إعطاء حظوظ أكبر لنجاح اسم معين، كما نشرت الصحافة.

و قد سبق للنائب عبدالعزيز أفتاتي المنتمي لحزب العدالة والتنمية، أن هدد بكشف لائحة تتعلق بتوظيفات وصفت بالمشبوهة في دواوين وزراء حزبه، استفاد منها نواب بالبرلمان وقياديين في أحزاب سياسية ومقربين منهم.

إن المضي دون اكتراث في ضرب قيم المساواة والعدالة الاجتماعية ومفهوم المواطنة ومبدأ دولة المؤسسات والقانون، وتغليب طابع الانتماءات الحزبية، وتحقير الكفاءة لصاح القرابة التنظيمية أو الاديولوجية، سيكون له انعكاسات خطيرة، خاصة في ظروف سياسية واجتماعية كالتي يعرفها المغرب، وما لها من ارتباط بالأوضاع الإقليمية. ولنا في التجربة المصرية "أفظع" مثال، لما يمكن للأوضاع أن تؤول إليه في ظل سياسة الإقصاء والتهميش تمهيدا للتمكن والاستفراد بالمؤسسات والإدارة، والتخلي عن المهمة الحقيقة للحكومة في خلق الثروة والتنمية وإيجاد الحلول للمشاكل الاجتماعية وتوسيع مجال العمل والتوظيف والحرص على تنفيذ القوانين. فتجربة الإخوان في مصر مثلا، وبعيدا عن الدعايات الفئوية، فان الانقلاب الحقيقي على نظام الحكم الإسلامي، قد قام به المواطن المصري البسيط في اليوم الذي توجه فيه محمد مرسي، وهو رئيس لمصر، نحو أنصاره في جماعة الإخوان المسلمين بميدان التحرير مخاطبا إياهم دون غيرهم من أفراد الشعب، وما خلفته تلك الواقعة من شرخ بدا من المستحيل وقتها، وقف اتساعه بين باقي مكونات الشعب المصري وتنظيم الإخوان الذي لا يمكن له في أفضل الأحوال أن يزيد عن كونه مجرد مكون من المكونات الاجتماعية داخل البلاد.