نيجيريا... مخطوفات الدعوة والجهاد

أليست بوكو حرام إسلام سياسي؟

قال أحد مستشاري الرئيس النيجيري، مساء الأحد الماضي، إن الرئيس غودلاك جوناثان قد التقى بمسؤولي الأمن والشرطة وبعض كبار موظفي الدولة و«أمرهم ببذل كل جهودهم وعمل كل شيء من أجل تحرير المائتين وست وسبعين فتاة اللائي اختطفهن المتطرفون الإسلاميون من سكنهن المدرسي في مدينة نائية عن العاصمة، تقع قرب حدود نيجيريا مع الكاميرون».

في ذات المساء ظهر على شاشة التلفزيون وتحدث الرئيس النيجيري وبشر شعبه والعالم الخارجي بأنه يعتقد بأن نيجيريا قد انتصرت في حربها على جماعات العنف والإرهاب، وفي إشارة إلى القنابل التي فجرت في العاصمة وراح ضحيتها مئة مواطن ومواطنة. وقال: «إن تفجير قنابل أو متفجرات هنا وهنالك لا يعني أن الوضع أصبح أكثر سوءاً»، مكرراً: «أعتقد أننا قد نجحنا»!

أطلق جوناثان ومستشاره هذه التصريحات في الوقت الذي يعلم الجميع فيه أنّ ضحايا الإرهاب في عام 2013 وحده قد بلغ عددهم ألفاً وخمسمائة إنسان، وأن الأرقام الموثقة لضحايا هجمات جماعة «بوكو حرام» في الفترة ما بين عامي 2010 و2013 قد بلغ ثلاثة آلاف وستمائة ضحية مدنية.

لقد ظهرت جماعة «بوكو حرام» (جماعة الدعوة والجهاد) -التي يعني اسمها أن التعليم الغربي، في نظرهم، حرام على بنات وأبناء المسلمين- على السطح قبل أكثر من ثلاث سنوات، وتوالت هجماتها الإرهابية أولاً على سائقي الشاحنات بالسيوف، وتتابعت جرائمها الشنيعة وشملت المسافرين على الطريق إلى شمال نيجيريا، وكانت قمة حوادثهم الإجرامية المذبحة التي قامت بها في المدرسة الزراعية وراح ضحيتها ستون طالباً من المسلمين والمسيحيين.

ونظرية تحريم التعليم على المناهج الغريبة التي تبناها التنظيم الإرهابي وظلّ يهدد لشهور عديدة بأنه سيستبيح النساء المسلمات والبنات اللائي يتلقين التعليم على الطريقة الغربية، هي ما ترجمه بالضبط قبل ثلاثة أسابيع في مدرسة للبنات والأولاد في مدينة «شيابوكو» النائية، والتي تقول بعض التقارير إنها قد أصبحت له هدفاً يقوم بهجماته ضد أهلها المدنيين وأطفالهم ثم يعود إلى قاعدته في منطقة الغابات الكثيفة.

لقد سبق ظهور الرئيس النيجيري على شاشة التلفزيون ذلك الموكب الحزين الذي سيرته أمهات وأبناء الطالبات المخطوفات يوم الأربعاء الماضي وشاركهم جمع من المواطنين النيجيريين من بينهم وزراء سابقين وسياسيون ومعلمون رفعوا جميعاً شعارات تحمِّل الحكومة النيجيرية المسؤولة في التراخي في ملاحقة المجرمين الذين اختطفوا بناتهم وذبحوا أبناءهم، وكم كان منظراً مؤلماً أن ترى الأمهات وهن يصرخن «أعيدوا لنا بناتنا».

خلاصة الأمر -المؤسف حقاً- أن المسؤولين في الحكومة النيجيرية لم ينتبهوا في اللحظة المناسبة لخطر هذه الجماعات الإرهابية. وعندما يعود المرء إلى ذاكرة التاريخ القريب في نيجيريا ويتذكر أن هذا البلد العريق كان نموذجاً ببعض قياداته المسلمة، والطريقة التيجانية أكبر الطرق الصوفية ليس في أفريقيا وحدها، بل ربما في العالم الإسلامي قاطبة، وكان أملاً لعامة المسلمين.

لم يكفر هؤلاء ولا أولئك التعليم الغربي، ولم يتنازلوا عن إسلامهم، ولكنهم عرفوا أن العلم من حيث جاء هو السبيل لتطور وتقدم وتنمية بلدهم الزاخر بثرواته البشرية والطبيعية، فأرسلوا البعثات التعليمية إلى جامعات العالم الراقية التي تخرج منها آلاف من الشباب النيجيري ممن توصلوا إلى أرقى المناصب في المنظمات الدولية، ودرسوا في الجامعات الأميركية والكندية والبريطانية.

جاء عصر الظلام هذا الذي ابتلي به العالم الإسلامي، وجاء معه مغامرون وجهلة حرموا على المرأة المسلمة والفتاة المسلمة تعلم اللغات الأوروبية، وهم بذلك مخالفون للدين الحنيف الذي يحث على طلب العلم ولو في الصين.

عبد الله عبيد حسن

كاتب سوداني