مصر: أخطاء الإخوان وسقوطهم ومستقلبهم

بداية النهاية لتسعة عقود من الحضور السياسي والتنظيمي

منذ اللحظات الأولى لنشأة الجماعة، وهي مثار للجدل الواسع ليس فقط بين أروقة وجنبات الدولة المصرية، ولكن أيضاً على مستوى العالم أجمع . فقد اتسمت الجماعة بالمراوغة والغموض في أهدافها وهيكلها المؤسسي، الذي لا يعلمه إلا عدد قليل من داخلها، وقد ترجمت هذه المراوغة في طبيعة التحالفات التي أقامتها منذ نشأتها حتى وصولها إلى سدة الحكم في مصر عبر ما يزيد على ثمانين عاماً من الزمان، فقد تحالفت مع الإنجليز تارة، ومع الملك تارة أخرى ومع السادات تارة ثالثة، وعقدت صفقة مع نظام الرئيس مبارك أحيانا ودخلت معه في صدام أحيانا أخرى . حتى إذا ما وصلت إلى الحكم تعاملت بمنطق (الصفقة أو التصادم) فكان الإخفاق أشد وطأة ليس على الجماعة فقط ولكن على الدولة الوطنية المصرية، والتي هددت في أركانها الثابتة لأول مرة في تاريخها الحديث، وهو ما لم يحدث في عهد الاحتلال البريطاني والفرنسي لمصر، حيث انقسم المجتمع، للمرة الأولى في تاريخه، على الأساس الديني والمذهبي، وتم استغلال الدين للتنكيل بالمعارضة أو من يختلف معهم في الرأي، وقامت الجماعة بالتحالف مع الجماعات الأكثر تشدداً وعنفاً قبل وبعد تركها للسلطة للتنكيل بالمعارضة، فانتشر الإرهاب في عموم الدولة المصرية، ولم تجد الدولة بديلاً سوى وضع الجماعة على قوائم الحركات الإرهابية تحت ضغط شعبي كبير .

كسب عداء الشعب المصري

إن رحلة تنظيم الإخوان المسلمين هي رحلة مع النظم السياسية المصرية، فالإخوان نشأوا كتنظيم في ظل الملكية والحقبة شبه الليبرالية، واصطدموا بالسلطة الناصرية وتعايشوا مع نظام السادات، وتأرجحوا في علاقاتهم بالرئيس مبارك . وبقيت الجماعة محظورة معظم تاريخها، وتحديداً منذ عام 1954 وحتى 25 يناير ،2011 أي منذ ما يزيد على نصف القرن . كما امتلكت الجماعة مرجعية فكرية وسياسية مرنة سمحت لها بأن تمتلك تصوراً شاملاً وعاماً للإسلام، يسمح لهم بأن يكونوا سياسيين إذا أرادوا، وأن يكونوا دعاة فقط للأخلاق الحميدة إذا أحبوا، وأن يكونوا شيوخاً على منابر المساجد أو نوابا تحت قبة البرلمان، وأن يكونوا صوفيين، وأن يكونوا ثواراً، وأن يكون بين قادتهم القاضي المحافظ حسن الهضيبي وسيد قطب.

وبعد تولي الجماعة سدة الحكم عقب ثورة 25 يناير، استطاعت، وباقتدار، أن تكتسب عداء الشعب المصري كله في أقل من عام، ما جعله ينتفض ضدها ليعدل مسار ثورته، ويقوم باستردادها في مفاجأة أذهلت العالم أجمع، بعدما استخدمت الدول الأوروبية تيارات الإسلام السياسي المعتدل والراديكالي في تحقيق مصالحها في المنطقة، لضرب المشروعات الوطنية القومية في المنطقة العربية بأسرها في فترة الستينات والسبعينات من القرن الماضي.

وبسقوط حكم مرسي أو "المرشد" كما هتف كثير من المصريين، فُتح الباب لمناقشة مستقبل الجماعة، وطرحت سيناريوهات عدة بعضها تحدث عن نهاية الجماعة، والبعض الآخر تحدث عن عودتها القريبة، والبعض الثالث طرح إمكانية عودتها في صيغة قانونية جديدة، وفي كل الأحوال فإن ما أصاب مرسي أصاب الجماعة، وإن سقوطه كان سقوطاً لها، وفشله كان فشلاً لمشروعها.

أولاً: عوامل ومحددات مستقبل الجماعة

أدركت الجماعة متأخراً حجم الخطأ الاستراتيجي الذي وقعت فيه عندما تولت سدة الحكم والسلطة في مصر بعد ثورة يناير . وإن كان هذا من حسن حظ المجتمع المصري الذي استطاع التخلص من نظام مبارك والإخوان في أقل من ثلاث سنوات، بالرغم من حجم الخسائر المعنوية والمادية التي تكبدها في سبيل ذلك . وخلال هذه الأعوام القليلة استنفدت الجماعة قدراتها ومقدراتها المالية والبشرية، ورصيدها لدى عموم الشعب الذي استيقظ على حقيقة عدم امتلاكها الكفاءة والخبرات، كما كانت تدعي طوال الفترات السابقة، التي أجادت فيها الجماعة ادعاء المظلومية، واحترفت استغلال الدين وعوز الفقراء والبسطاء من عموم المصريين في التصويت لصالحها في الاستحقاقات الانتخابية التي تلت الثورة مباشرة.

وفي الحقيقة، فإن سقوط حكم الجماعة فتح الباب أمام مناقشة الفرضية الكبرى في قراءة التيارات الإسلامية التي تقول إنها تيارات بحكم بنيتها الفكرية والتنظيمية غير قابلة لتبني الديمقراطية، وإنها لأسباب هيكلية ستظل معادية للديمقراطية وللحريات العامة ولقيم المواطنة، حتى لو ادعت في بعض المراحل غير ذلك، لأن موقفها الدفين هو رفض الديمقراطية، وإنها حين تصل إلى السلطة لن تسمح مطلقاً بتداولها.

وكان اعتصام الإخوان وأنصارها في ميداني (رابعة والنهضة) كاشفاً عن حالة مستعصية من العناد مهيمنة على قيادات الجماعة التي أبت الاعتراف باقترافها أخطاء جسيمة أججت غضب المواطنين، ودفعتهم للانتفاض ضد سياساتها، حيث حرصت قيادات الجماعة على ترويج خطاب المؤامرة من دون الاعتراف بمسؤولياتهم، وأصروا على عودة محمد مرسي إلى مكتبه بقصر الاتحادية ليمارس مهامه كرئيس شرعي للبلاد مرة ثانية . وقد بذلت القيادات جهداً كبيراً لتهيئة الشباب لمرحلة جديدة من المحنة والمظلومية، للحفاظ على تماسكها ومنع حدوث انشقاقات تهددها بالانهيار، كما أن هذا وفّر فرصة لتجنب محاسبة هذه القيادات على مسؤولياتهم عن الوضع المزري الذي أصاب الجماعة، أو تأجيلها لأجل غير مسمى. وفي هذا السياق نحاول رصد مجموعة من العوامل التي سيتوقف عليها مستقبل جماعة الإخوان خلال المرحلة المقبلة، من بين هذه العوامل ما يلي:

1 - نبذ العنف والاعتراف بشرعية النظام السياسي الجديد الذي أفرزته ثورة 30 يونيو . حيث تمثلت إحدى مشكلات الجماعة طوال الفترة الماضية في نزوع خطابها نحو اليمين، وتوفير البيئة الملائمة لنمو الأفكار المتطرفة وأعمال العنف في أرجاء مصر المحروسة، وتحالفها مع الجماعات الجهادية والقاعدة للبحث عن الشرعية المفقودة . وإذا لم يتعقل قادة الجماعة، ويرضخوا لمطالبات نبذ العنف فإن مثوى الجماعة هو مثوى الحزب الوطني، الحل والاستبعاد بل الملاحقات الأمنية بسبب تورطها في أعمال قتل أو التحريض عليها .

2 - الفصل بين السياسي والدعوي من جانب، وقوة التماسك داخل التنظيمي للجماعة من جانب آخر . خاصة أن البنية التنظيمية المركبة والمغلقة للجماعة والتي تقوم على أساس الولاء والثقة المطلقة في القيادة، وهو ما اعتبره الراحل سيد قطب "مظهر العبقرية الضخمة في بناء الجماعات"، ويجعل نظام الجماعة عقيدة تعمل في داخل النفس قبل أن تكون تعليمات وأوامر ونظماً . وعلى الرغم من ذلك باتت هذه المقولة موضع شك، فقد ظهر العديد من المؤشرات التي توحي بظهور بوادر التفكك والانقسام داخل الجماعة، فأعضاء الجماعة يمكن تصنيفهم إلى فصائل متنوعة من تيار محافظ، وتيار براجماتي محافظ، وتيار إصلاحي، الذي ضعف داخل الجماعة، بينما ترفض الجماعة هذه التصنيفات والتي تبدو نتيجة طبيعية لتآلف الجماعة من أفراد لديهم أفكار ورؤى متنوعة، فهي ليست كتلة صماء - كما يعتقد البعض - على الرغم من تربية كوادرها على مبدأ السمع والطاعة . وبعد ثورة 30 يونيو يكمن التحدي الرئيسي للجماعة في احتواء الخلافات الداخلية.

على الجماعة أيضا الفصل بين الدعوي والسياسي، لأن الشعب المصري لن يسمح لها بأن تخدعه مرة ثانية باسم الدين، أو تستغل حاجة الفقراء للسلع الغذائية لكي تصل إلى البرلمان . فلا شك في أن عودة الجماعة للساحة السياسية تستلزم قيامها بتأسيس ثانٍ يقوم على الفصل بين الجماعة الدينية عن الحزب السياسي وأن صيغ الخلط والجمع بين الاثنين أثبت الواقع فشلها التام .

- 3 شباب الجماعة والدمج المشروط في المجتمع . أزمة الجماعة مركبة ومزدوجة فالتفكك ليس مقتصراً على قمة الهرم التنظيمي للجماعة ولكن بدأت بوادر الانشقاق تتسرب إلى القاع، خاصة مع اتساع الهوة بين شباب الجماعة وقياداتها . فلا شك في أنه بداخل شباب الإخوان تيار شبابي جديد يرفض التقيد بمواقف الجماعة ويريد مساحة من الحرية ويرغب في دور قوي في اتخاذ القرار، خاصة بعد فشل القيادات الكبرى في إدارة الجماعة خلال فترة ما قبل وبعد الثورة، وقيام مجموعة من شباب الجماعة بالانشقاق عليها وتأسيس حزب سياسي جديد، ينبذ العنف ويعبر عن أفكارها السلمية .

4 - خيارات الرئيس القادم وموقف مؤسسات الدولة من التعايش مع الجماعة: إن دخول تنظيم الإخوان معركة في مواجهة الشعب، والدولة المصرية بمؤسساتها المختلفة (إعلام وقضاء وجيش وشرطة)، كان يعني خسارة المعركة قبل أن تبدأ . كما أن سقوط حكم مرسي بعد عام قضاه في السلطة، ليس فقط نتيجة سلسلة من الأخطاء السياسية الجسيمة إنما أيضا نتيجة رفض الدولة لهذا الكيان المسمى بجماعة الإخوان، الذي ظل لما يقرب من 85 عاماً خارج دوائر الحكم ترتاب فيه مؤسسات الدولة، وواجهته مرات عديدة .

وثمة اتجاهان داخل الدولة المصرية فيما يخص كيفية التعاطي مع الإخوان في مرحلة ما بعد مرسي، أولهما يرى ضرورة إقصاء وربما استئصال الجماعة، وهو تيار يستأنس بحالة الكراهية والخطاب المتشدد المنشر في الأوساط العلمانية والليبرالية والتي ترى أنه من الأفضل لمصر في هذا الوقت استئصال الجماعة من الحياة السياسية، وأن هذه الفرصة ربما لن تتكرر مرة أخرى . أما الاتجاه الثاني فهو اتجاه الدمج المشروط بشروط، أولهما: تفكيك جماعة الإخوان وتحويلها إلى جمعية أهلية ليس لها علاقة بالسياسة . وثانيهما: أن يتخلى حزب الحرية والعدالة عن مرجعيته الدينية، وأن يقبل بقواعد اللعبة السياسية الجديدة . وثالثها: أن توقف الجماعة الحرب الإعلامية التي تخوضها ضد مصر في الخارج عبر تنظيمها الدولي.

5 - مدى النجاح أو الفشل الذي سيحققه النظام الجديد، فإذا استطاع الرئيس الجديد وحكومته الاستجابة السريعة والفورية لمطالب الجماهير التي خرجت في 30 يونيو و25 يناير، من تحقيق العدالة الاجتماعية وعودة الأمن والاستقرار وأجرى انتخابات برلمانية حرة ونزيهة وإشراك الشباب في العملية السياسية وعملية صنع القرار، فإنه سيتم عزل الجماعة شعبياً بعدما أكدت عبر تصريحات عدد كبير من قياداتها بأن الجماعة قادرة على وقف العنف الذي يحدث في مصر في أقل من دقائق في حال عودة مرسي للحكم، وبذلك ثبت للجميع بالأدلة الدامغة اتهام الأجهزة الأمنية للجماعة بالتجسس على مصر لمصلحة التنظيم الدولي وبعض الدول الإقليمية، واستقدامها للجماعات الجهادية والقاعدة إلى مصر.

6- القدرة على تجديد الخطاب الديني من قبل مؤسسات الدولة الرسمية، لمواجهة الأفكار المتشددة التي زرعتها الجماعة والتيارات المتحالفة معها، خاصة أن الجميع يعلم أن البعد الفكري والثقافي بات ضرورياً وملحاً لمواجهة ليس الإخوان فقط ولكن كل التيارات الإسلامية الراديكالية والمتشددة، التي ظهرت على السطح في أعقاب ثورات الربيع العربي في كل من مصر وليبيا وسوريا وتونس واليمن.

7- الموقف الخارجي من الجماعة . وفي هذا المضمار هناك احتمالان، الأول: هو أن تحذو بعض الدول العربية والغربية حذو المملكة العربية السعودية وروسيا ومصر بوضع الجماعة على قوائم الإرهاب، وهو ما بدأ يتبلور في أوروبا من مطالبة رئيس الوزراء البريطاني بحقيقة وجود الجماعة على أراضيها . والاحتمال الثاني: هو استمر بعض الدول، وبالتنسيق مع التنظيم الدولي للجماعة، في تقديم الدعم المادي والسياسي للجماعة، وتوظيفها من أجل الضغط على الأنظمة الجديدة في مصر والمنطقة العربية، وإثارة الاضطرابات بين الحين والآخر.

ثانياً: سيناريوهات المستقبل بين التفكيك وخيارات الدمج

إن معضلة الإخوان، وبالتالي مستقبلها سيختلف عن بقية التيارات الإسلامية، فأزمة الجماعة لم تكن فقط في فشل حكم تنظيم سياسي، إنما في فشل مشروع فكرى وتنظيمي، وهو أمر لا ينطبق على بقية التيارات الإسلامية. فلأول مرة في تاريخ أي تجربة ديمقراطية تقوم جماعة دينية بتقديم مرشحين لانتخابات الرئاسة من دون أن تكون مرخصة قانوناً، ويصل مرشحها للحكم ويحافظ على عدم قانونية جماعته، بل ويتعامل مع قوانين الدولة التي يرأسها باعتبارها في وضع أدنى من قوانين الجماعة.

إن فشل الجماعة في الحكم، الذي ترفض الاعتراف به حتى الآن، وتصر على استدعاء خطاب المحنة والبلاء والمؤامرات الداخلية والخارجية وارتداء ثوب الضحية يعني عدم وجود قدرة على مراجعة ممارسات الجماعة، وصدامها مع كل النظم السابقة، وهو أيضا إهدار فرصة تاريخية للاستفادة من وصول الإسلاميين إلى الحكم منفردين.

كما أن القول إن الجماعة في طريقها للاختفاء أو الاندثار أبعد ما يكون عن الواقع . فالجماعة ليست مجرد حزب سياسي، وإنما هي حركة اجتماعية دينية ذات جذور وشبكة تنظيمية واسعة يصعب تفكيكها من خلال الأمن . بل على العكس فإنه خلال فترات القمع والإقصاء الشديد فإن الجماعة، شأنها في ذلك شأن أي حركة إيديولوجية، تميل للداخل من أجل تحقيق التماسك والبقاء . وهو ما يعني أنه كلما ازداد القمع الخارجي، ازداد تماسك الجماعة وتضامن أعضائها خلف القيادة.

ولا يمكن الجدال في أن الجماعة تمر الآن بأصعب اختبار لها منذ خمسينات القرن الماضي، وذلك حين تم حظر الجماعة، واعتقال الآلاف الشباب من قادتها وأعضائها عام 1954 ما أدى إلى إقصائهم تماماً من المشهد السياسي لمدة عقدين وهي الفترة التي تعرف في أدبيات الجماعة بفترة "المحنة" التي دامت حتى أوائل السبعينات، والتي قال عنها مرسي في إحدى خطبه "الستينات وما إدراك ما الستينات"، في إشارة واضحة لحالة العداء الشديد بين الجماعة والرئيس عبد الناصر. بيد أن المحنة تبدو هذه المرة أشد وطأة وصعوبة ليس فقط لخروج الإخوان من السلطة بعد عام واحد فقط من الحكم، وهي التي انتظرتها عقوداً، وإنما أيضاً لحالة العداء المتزايد التي تواجهها الجماعة من مؤسسات الدولة والمجتمع . وبناء على المحددات، سالفة الذكر، هناك ثلاثة سيناريوهات محتملة لمستقبل الجماعة، تقع جميعها على خط مستقيم واحد، لكنها على طرفي نقيض. وقد يستغرق تحقيق أي من هذه السيناريوهات وقتاً لا يعلمه أحد سوى الله عز وجل.

السيناريو الأول: الصدام والمواجهة، وهو من شأنه استمرار هيمنة التيار المحافظ على التنظيم على حساب أي أصوات إصلاحية، وربما تتعرض الجماعة لبعض الانقسامات الداخلية . وهنا سوف تظل الجماعة ضمن الحالة "الأربكانية" التي تعتمد على الإيديولوجيا والتعبئة والحشد الجماهيري . وهنا سوف تتحقق ما بشرت به وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كوندوليزا رايس من تحقيق الفوضى غير الخلاقة، يقوم هذا السيناريو على أن تتجه الأوضاع في مصر نحو مزيد من التدهور بصورة تؤدي إلى انتشار حالة من الفوضى والعنف، وخلق احتجاجات عشوائية تعبر عن أزمة اجتماعية وسياسية عميقة داخل المجتمع، وفي هذا الإطار ستحاول الجماعة استغلال هذه الأحداث والانقضاض مرة ثانية على السلطة بحجة استرداد السلطة المسلوبة منها، وإنها أتت عبر صناديق الانتخابات، ولم تتح لها الفرصة كاملة في الحكم . وهنا سوف تحاول الجماعة الاستفادة من حالة "اللا دولة" في ليبيا لتصدير المزيد من السلاح والعنف والإرهاب إلى مصر عبر مرسى مطروح والبحر المتوسط، خاصة بعد انتقال بعض أفراد من القاعدة إلى سيناء، والتحريض المستمر الذي يمارسه القرضاوي وشيوخ الجماعة من قطر، وأيمن الظواهري زعيم تنظيم القاعدة على الجيش والشرطة المصرية .

ويمكن القول إن تحقيق هذا السيناريو صعب للغاية لأن الشعب المصري سيقف بكل قوة بجانب قواته المسلحة والأجهزة الشرطية لإحباط هذا السيناريو، ولن يتركوا إلى هذه الجماعة فرصة مرة ثانية للعبث بأمن الوطن والمواطن، خاصة أنهم تعلموا الدرس جيداً من ثورة 25 يناير ودفعوا فاتورة كبيرة.

السيناريو الثاني: الدمج المشروط للجماعة، بحيث يتم حل الجماعة والإبقاء على حزب "الحرية والعدالة" كممثل سياسي للإخوان، وهو ما قد يدفع بظهور وجوه وشخصيات أقل محافظية وأكثر براجماتية وإصلاحية من الجيل الحالي . وهنا يمكن أن تسير الجماعة باتجاه الحالة الأردوغانية . وهو أمر يبدو بعيداً في الأفق المنظور . وفي إطار هذا السيناريو، وبعد فترة من الشد والجذب بين الجماعة والدولة فإن الدولة ستعيد الجماعة إلى اللعبة السياسية بعد وضع شروط جديدة للمعادلة القديمة والتي سادت العلاقة بين الجماعة وكل من الرئيس السادات ومبارك، حيث تسيطر الدولة على وضع قواعد اللعبة السياسية، وتسمح بهامش محدود من الحركة المجتمعية والسياسية للجماعة وبشكل لا يهدد كيان الدولة، وبذلك تبقى الجماعة في صفوف المعارضة والعمل العام بحسب ما تقتضي أصول اللعبة السياسية الجديدة. ويقوم هذا السيناريو أيضا على الدخول في نفق طويل من الجدل المجتمعي والقانوني والسياسي حول مدى قانونية جماعة الإخوان وحزبها السياسي.

كما يتطلب من الجماعة القدرة على التعاطي بواقعية مع مرحلة ما بعد خسارة السلطة وقبولها الدمج المشروط، وأن ذلك يعني أولاً: اعتراف الجماعة بأخطائها الاستراتيجية التي ارتكبتها خلال الفترة الماضية . ثانياً: أن تعيد الجماعة النظر في خطابها الإيديولوجي والسياسي . حيث تمثلت إحدى مشكلات الجماعة طوال العام الماضي في نزوع خطابها نحو المحافظة الدينية والثقافية، وذلك من أجل إرضاء قاعدتها الاجتماعية والدينية، وكذلك الحصول على التأييد والدعم المطلق من التيارات السلفية المختلفة.

السيناريو الثالث: الهزيمة الكاملة وحل الجماعة وتفكيك هياكلها التنظيمية بما فيها حزب الحرية والعدالة، ويعني هذا السيناريو أن تتلقى الجماعة هزيمة كاملة تجعلها والعدم سواء، فيختفي تنظيم الجماعة وينقطع عنه امتداده الإقليمي والدولي، ويدخل معظم قيادات الجماعة السجون، وتنتهي الجماعة فكرياً وتنظيمياً إلى الأبد . وهذا السيناريو له تكلفة كبيرة على الجميع، لأنه يعني تطبيق ما عرف في نظريات العلوم السياسية "سياسات الأرض المحروقة"، وهي التي تقوم على قاعدة أساسية مفادها بأن أطراف الصراع لا تخضع للمفاوضات والمساومات ولكن كل طرف يريد أن يكسب كل شيء أو يخسر كل شيء.

وفي الواقع، هذا ما تقوم به جماعة الإخوان المسلمين حتى هذه اللحظات، ولا يريد أحد من قيادتها أن يسأل نفسه أو يتحمل المسؤولية بشجاعة ويجيب عن سؤال محوري وهو: ماذا بعد كل أعمال العنف التي تمارسها الجماعة في الشارع المصري الآن؟ أو متى استطاعت جماعة أو حزب سياسي أن يفرض رأيه على الدولة بمؤسساتها الأمنية في أي دولة من العالم؟ وهل سيقبل الشعب المصري في القريب أو البعيد أن تحكمه جماعة الإخوان المسلمين مرة ثانية؟ أعتقد أن الإجابة واضحة تماماً لدى قيادات الجماعة لكنهم لا يريدون أن يتحملوا المسؤولية بشجاعة وأن يعترفوا بحجم الأخطاء التي اقترفوها في حق مصر أولاً والجماعة ثانياً.

وأخيراً، إن مستقبل جماعة الإخوان يبدو مفتوحاً على كل الاحتمالات، وجميعها يشي بأن وضع ومصير الجماعة بعد 30 يونيو لن يصبح بأي حال من الأحوال مثلما كان قبل 30 يونيو. وعلى جماعة الإخوان المسلمين أن تعلم، ومن ساندها خلال الفترة الماضية، بأنه مازال لديهم الفرصة كاملة للعيش المشترك مع أبناء الوطن، والمشاركة في العملية السياسية طبقاً لقواعدها الجديدة، ولكن عليهم أولاً نبذ العنف وتأكيد ذلك. أما إذا لم يلتحقوا بركاب ثورة 30 يونيو فعليهم أن يعلموا أنه لم تنجح جماعة قط في محاربة وطن بكامله أو فرض رأي أو وصاية عليه .

يسري العزباوي

نشر في الخليج الإماراتية