خمسون عاما من الماضي الجميل والدموي في 'هوليداي إن' بيروت

شاهد حزين

في وسط بيروت، يرتفع مبنى فندق "هوليداي إن" الشهير بجدرانه المثقوبة وهيكله الخاوي، شاهدا حزينا على الحرب الاهلية (1975-1990)، بعد ان كان رمزا لعصر ذهبي مر به لبنان، لكنه خلال الاشهر المقبلة، قد يشق طريقه مجددا الى الحياة.

وسيطرح المبنى الواقع في المنطقة العقارية الاغلى في بيروت للبيع في مزاد علني بعد ان عجز مالكوه عن الاتفاق على مصيره.

ويقول رولان عابديني، رئيس مجلس ادارة مجموعة "سيل" (الشركة العقارية اللبنانية) المساهمة في الشركة المالكة للمبنى "انه مبنى فريد في موقع فريد... يمتد على مساحة 150 الف متر مربع بينها 110 الاف قابلة للاستثمار في قلب المدينة... من المحزن اننا لا نزال بعد 24 سنة على انتهاء الحرب، لا نرى منه الا هيكلا مهجورا".

ويتناقض وجود المبنى المدمر مع محيطه حيث مجمع "زيتونة باي" المحاذي للبحر والمزدان بناد لليخوت ومطاعم ومسبح، وفندق فينيسيا الفخم، ومبان سكنية باهظة الثمن.

وشيد برج الفندق بين 1963 و1964. وكان مؤلفا من 24 طابقا يعلوها مطعم دوار يمكن منه التفرج على كل بيروت ومن ثلاث طبقات تحت الارض، وكان جزءا من مشروع "سانت تشارلز سيتي سنتر" الذي كان يضم ايضا مبنى تجاريا مثلثا ومركز تسوق وصالة سينما.

وهجّرت الحرب الاهلية "هوليداي ان" بعد عامين فقط على افتتاحه. ولم يبق في المكان ما يدل على ذاك الماضي الجميل.

المبنى المثلث اعيد تاهيله لتحتله مجددا مكاتب وشركات ومصارف. اما البرج الطويل فينتصب اعمدة ضخمة واسقفا نخرها الرصاص والقذائف، مع جدران مفرغة واسلاك متدلية، فيما تحولت الطبقة الارضية الى ما يشبه ثكنة للجيش اللبناني مع جنود وآليات.

بقايا زجاج معلقة في اعلى زوايا اعمدة المدخل تشي بالواجهات الضخمة التي كانت تفتح على بهو واسع مع ثريات رائعة تتدلى من اسقف مزخرفة بالجص. ولا تزال احدى الزخرفات ظاهرة للعيان ولو مغطاة باللون الاسود نتيجة حريق ومرور الزمن.

ما عدا ذلك، فناء خال الا من صوت الريح. فالى جانب الاضرار الناتجة عن المعارك والقصف، تعرض المبنى للنهب على ايدي مقاتلين احتلوه في السنوات الاولى للحرب، وعصابات. كل شيء فيه تبخر: الاثاث، الابواب الخشبية والالمنيوم، تجهيزات الحمامات وابواب المصعد، البلاط ومصابيح الانارة.

لم تشمله اعادة الاعمار التي اقامت بيروت من بين الانقاض منذ التسعينات، والسبب، بحسب ما يشرح عابديني، ان "المساهمين الرئيسيين لم يتمكنوا من الاتفاق على كيفية اعادة التأهيل. وتمثلت احدى نقاط الخلاف في ما اذا كان يجب هدمه من اساسه ام ترميمه".

خلال الايام القادمة، تنتهي مدة الشركة مالكة المشروع التي تساهم فيها "سيل" بنسبة 34 في المئة تقريبا، بينما تملك مجموعة كويتية اكثر من خمسين في المئة من الاسهم. ويفرض القانون طرح ممتلكات الشركة في مزاد علني، في حال عدم الاتفاق على تمديد مدتها.

وفي انتظار مصيره الجديد، ينوء مبنى الهوليداي ان تحت ثقل ذكريات الحرب.

ويروي المحامي سامي خويري القيادي العسكري السابق في حزب الكتائب اللبنانية، احد ابرز اطراف الحرب الاهلية، لوكالة الانباء الفرنسية ان نقطة الهوليداي كانت تشكل بالنسبة اليه ورفاقه "خط الدفاع الاول عما كان يسمى في حينه المنطقة الشرقية" (المسيحية).

ويشير الى ان الانتشار المسلح في المنطقة حصل غداة اندلاع الحرب في 13 نيسان/ابريل 1975. "كان هناك تسابق، وسبقناهم الى الهوليداي ان وفندق فينيسيا المجاور".

ويرى ساسين، وهو مقاتل آخر من الكتائب اللبنانية رفض الادلاء بكامل اسمه، ان ما عرف آنذاك بـ"معركة الفنادق سلط الضوء على الاحداث اللبنانية، لان العالم كله كان يعرف لبنان من خلال منطقة الفنادق الفخمة" في عز الازدهار الاقتصادي والسياحي في بداية السبعينات.

في آذار/مارس 1976، سقط فندق هوليداي ان في ايدي القوات الفلسطينية المسلحة وحلفائها اللبنانيين.

ويروي ميلاد، وهو مقاتل كتائبي ثالث، ان الهجوم ترافق مع قصف عنيف، "بعض رفاقنا قتلوا او رموا بانفسهم من الاعلى بعدما نفذت منهم الذخيرة. طارودنا من طابق الى طابق ومن غرفة الى غرفة... تمكنت مع رفيقين لي من الخروج بعدما وضعنا كوفيات بعض الضحايا للتضليل".

ويضيف وقد ادمعت عيناه على الرغم من مرور حوالى اربعين سنة على الحادثة. "عندما وصلنا الى حاجز لقواتنا، لم يصدق رفاقنا اننا لا نزال على قيد الحياة".

ويؤكد ابو رياض، المقاتل في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين- القيادة العامة، ان "معركة الفنادق كانت من اشرس المعارك، وكلفتنا عشرات القتلى والجرحى". وقد اصيب فيها رئيس الجبهة احمد جبريل بجروح في ساقه.

ويحلم عابديني بمحو ذكريات الحرب. ويقول "نعمل على تاسيس مجموعة سنشارك بها في المزاد كغيرنا. اذا نجحنا، لدينا مشروع لترميم المبنى"، مشيرا الى امكان استبدال الفندق بمساكن صغيرة نسبيا تحتاجها بيروت التي تكتظ بالشقق العملاقة.

ويرفض عابديني هدم المبنى الذي يساوي في وضعه الحالي "مئات ملايين الدولارات"، وذلك "لاسباب جمالية وتاريخية ومالية".

ويبدي ثقته بالمستقبل: "لم نر اسعار العقارات في لبنان تتراجع، قد يحصل تباطؤ كما هو الوضع حاليا... لكنني على ثقة بان السنوات القادمة ستكون افضل".

كذلك يرغب المقاتلون القدامى بطي صفحة الحرب.

ويقول خويري "أحزن لان صورة هذا الفندق لم تتغير منذ ان تركته. ساكون سعيدا لرؤيته يستعيد دوره السياحي والحضاري. هذه أمنية اتمنى ان تتحقق وأنا على قيد الحياة".