اصبحنا نحن والاخوان..سواء بسواء!

اصبح كثيرون منا يمتلكون هذه القدرة الهائلة على الابداع واختراع اي حكاية او صورة او مشكلة او فضيحة واصبح الكثيرون ايضا على استعداد لتصديق اي شيء دون تفكير وتدقيق ومراجعة..ففي الوقت نفسه الذي تم فيه اختراع انفجارات القنابل وتطاير الرصاص على طريق القاهرة السويس..كان هناك آخرون لا اول لهم ولا آخر عبر شبكات التواصل الاجتماعي يمارسون نفس هذا الابداع في التأليف واختراع القصص او نفس تلك السذاجة في التصديق والاقتناع بأي شيء.

فقد قام الاخوان باختراع حكاية تخص طفلا في الصف السادس الابتدائي اسمه مازن اعتقلته الشرطة مع اخرين اثناء مسيرة للاخوان في مدينة 6 اكتوبر..وتشير نفس الحكاية الى ان مازن الصغير مات نتيجة التعذيب وتكرار الصعق بالكهرباء داخل المعتقل.

ومع الحكاية كان هناك صورة لمازن..وعناوين حزينة وموجعة مثل: مازن مات! من الذي قتل مازن؟ مازن ضحية جديدة للداخلية.

وبسرعة بدأ الجميع يتناقلون الحكاية والصورة ويتبارون في التعليق او ابداء الحزن على مازن..ولم يكن الاخوان وحدهم هذه المرة هم الذين ينثرون الحكاية والصورة في كل مكان وطوال الوقت..انما كان هناك آخرون لا علاقة لهم بالاخوان بل ويكرهون الاخوان اصلا لكنهم تعاطفوا مع الصورة الحزينة لطفل صغير وبريء مات في المعتقل.

بل تطور الامر وانتقل من صفحات التواصل الاجتماعي الى اوراق الصحافة، وبدات أقلام تكتب وتبكي موت مازن ومع الكلمات صورته الحزينة التي تثير الدموع والآسى..وتبين لاحقاً انها اصلاً صورة لطفل فلسطيني من ابناء الضفة الغربية لا علاقة له اساسا بمصر ووزارة داخليتها ومعتقلاتها واخوانها واهلها.

لم يتوقف احد للتساؤل عن حقيقة اعتقال الاطفال او اين تحتفظ وزارة الداخلية بمن تعتقلهم من الاطفال وتلاميذ المرحلة الابتدائية..ولماذا تقوم الداخلية بتعذيب هؤلاء الصغار وتصعقهم بالكهرباء..فكل ذلك لم يعد مهما في زماننا الحالي..المهم ان تكون هناك حكاية جديدة كل يوم..وان تكون حكاية مثيرة تسمح لكل واحد منا بممارسة ابداعه والكشف عن قدراته وامكاناته واضافة لمساته الخاصة.

وربما كان هذا الامر تحديدا هو التشابه الحقيقي والتماثل الواضح والمؤكد بين اهل مصر وبين كل من ينتمون لجماعة الاخوان..فامام هذا الابداع والقدرة على اختلاق القصص والحكايات..يتشابه الجميع ويتأكد انتماؤهم لمجتمع واحد ومنهج واحد للفكر والتعامل مع كل الايام والوجوه والقصص والحقائق والاكاذيب.

لا فرق

فما هو الفارق بيننا وبين الاخوان؟ هم يقولون الان انهم ضد المشير السيسي لان والدته يهودية..هكذا بكل جرأة وبساطة ودون اي سند او حتى احترام للعقل والمنطق..لكننا اصبحنا الان نؤكد ان حسن البنا مؤسس الجماعة كان ايضا يهودي الاصل.

واذا كان البعض منا قد اخترعوا جهاد النكاح اثناء اعتصام رابعة العدوية وبلغت بهم الوقاحة والصفاقة قيامهم بتأليف قصص تبدو واقعية لمجرد السخرية من الاخوان وتجريحهم..فان الاخوان اثبتوا حين جاءتهم الفرصة انهم ليسوا اقل من الاخرين وقاحة وصفاقة وقاموا بتأليف القصص عن زوجات ضباط شرطة وجيش ورجال قضاء مع مدرب الكاراتيه في نادي بلديه المحلة.

نقول انهم عبيد المرشد فنصبح نحن في رأيهم عبيد البيادة..نسخر من اعلامين لهم يقدمون قصصا واخبارا بمنتهى السذاجة التي لا يمكن قبولها وتصديقها وننسى ان لدينا ايضا نفس الفصيل من الاعلاميين بنفس السذاجة والحماقة ايضا..لدينا من اخترع دون اي احساس بالخجل قصة عقد بيع جزء من سيناء قام بالتوقيع عليه اوباما ومرسي وخيرت الشاطر واطال هؤلاء في وقاحة الحديث الكاذب عن خلاف مالي بين الشركاء الثلاثة ثم لم يفكر هؤلاء ابدا في الاعتذار بعد كل هذا الكذب.

ولديهم من اخترع ايضا دون خجل حكاية ان السيسي مات ومن يقدمونه لنا هو مجرد شبيه له وكانوا يقسمون على ذلك ويقدمون التحليلات والتفاصيل المختلفة والوهمية وايضا لم يفكروا ابدا في اي اعتذار.

ويكفي ان تتابع صفحات التواصل الاجتماعي وتقارن بين حكايتنا وحكايتهم..اكاذيبنا واكاذيبهم..تعليقاتنا وتعليقاتهم..وسرعان ما ندرك اننا في هذا الشأن لسنا امام فريقين يتناقصان ويكره احدهما الاخر..انما نحن امام عقلية مصرية واحدة تم تسطيحها وتشويهها وتجريفها طيلة السنوات الثلاث الماضية تماما.

ووسط انشغالنا بمحاربة الاخوان وانشغالهم بكراهيتنا وتفجيرنا..لا ينتبه احد منا او منهم الى هذه الحقيقة..لا احد يملك القدرة على ان ينظر لنفسه في اقرب مرآة ويفتش عن عقله الذي لم يعد موجودا وضميره الذي لم يعد مستيقظا واخلاقه التي باتت تسمح بانتهاك اي قانون وقواعد ومبادئ طالما ستسفر عن ايذاء احد من الفريق الاخر الذي ترفضه وتكره..لا ينتبه احد الى حقيقة شديدة البساطة والوضوح ايضا هي انك طالما سمحت لي الان بالكذب والافتراء بل وصفقت لي ايضا لمجرد انني امارسهما ضد من تختلف معه وترفضه وتكرهه..فمن الطبيعي ان امارس قريبا نفس هذا الكذب والافتراء ضدك انت شخصيا حين ستتطلب مصلحتى الخاصة ذلك.

ولن يغدو بامكانك وقتها ان تحاسبني او تمنعني لانك انت نفسك الذي منحتني هذا الحق..وحين تسمعني باعجاب وابهار وامتنان وانا اكذب بشأن عدوك واشتمه وانت تعرف اني اكذب وانا اعرف انك تعرف..فلن يمنعني شيء مستقبلا ان اواصل هذا الكذب الفاضح والفاجر حتى لو اصبحت انت الذي يدفع الثمن.

فوضى وفضائح

وفى حقيقة الامر..نحن نسكن بيتاً بات شديد الفوضى والقذارة ويحتاج الى كثير من التنظيف والترتيب..وقبل الشروع في اي تنظيف وترتيب يلزمنا الاتفاق اولا على عدة امور اساسية وضرورية..اول ما يلزمنا الاتفاق عليه الان هو الاعتراف بالواقع..دون تزييفه او محاولة الهرب منه.

فلا احد بامكانه ان يتغير طالما لم يعترف اولا بحجم العيوب والاخطاء التي عليه اصلاحها..والامر الثاني الذي يحتاج الى اتفاقنا المبدئي هو ان جماعة الاخوان..رغم اجرام بعضهم الواضح والظاهر والمؤكد ودماء الابرياء التي باتت تصبغ وجوه الجماعة الظالمة واسمها وابناءها..ليست هي المشكلة الوحيدة لمصر وليس الاخوان فقط هم الفوضى والقذارة الوحيدة التي شوهت بيتنا كله.

ومن السخف والعبث ان نتجاهل حقائق الواقع وننساق فقط وراء كراهيتنا للاخوان باعتبارهم العدو الوحيد والخطر الوحيد والمشكلة الوحيدة ايضا..فكل واحد منا اسهم بشكل ما في فوضى وقذارة هذا البيت..كل واحد منا مارس الكذب والتضليل او ترويج الاكاذيب والشائعات بطريقته..كل واحد منا سمح من وقت لاخر باستغفاله واستخدامه دون ان يدري لترويج فضيحة ليست حقيقة او لنشر حكاية ليست صادقة.

وقد تكون جرائم الاخوان وقنابلهم هي الخطر الظاهر امام الجميع..لكن هناك خطرا اخر خفيا يتمثل في ان كل واحد منا اصبح قنبلة في حد ذاته..فالانسان حين لايستخدم وعيه وعقله ويستفيد من تجارب حياته يصبح قنبلة منزوعة الفتيل..والانسان حين يتحول بمحض ارادته الى وعاء فارغ يستطيع اي احد سواء كان اعلاميا او صديقا او قريبا ان يسكب فيه ما يشاء من فكر واتهامات ونميمة وفضائح وحواديت يبقى قنبلة منزوعة الفتيل.

وان لم ننزع فتيل كل هذه القنابل..سواء كانت قنابلهم التي في ايديهم المجرمة او قنابلنا التي عقولنا الفارغة..فلا امل في ترتيب هذا البيت وتنظيفه وسنبقى كلنا لا نستحق اي بيت..او وطن..غير هذا.