البطريرك الدَّلي: إدارة سنوات المسيحية العصيبة

عمامة كوديا الأكدي تجمع ما بين الأديان

منذ القرن السادس عشر الميلادي صار انقسام الكنيسة الشرقية واضحاً، ومعالمه في وجود جاثليق خاص بالكاثوليك العراقيين، وهم قبل هذا التاريخ كانوا ضمن الكنيسة الشرقية، أي على المذهب النسطوري، وبعودة أول راهب عُمد في روما من قِبل، وهو سولاقا، وكان قد عاد إلى العراق وقُتل السنة 1555 ميلادية، مِن قِبل البابا، أخذ الكيان الكاثوليكي ينمو في العراق، وحسب الكاثوليك يعتبرون ذلك عودة إلى الأصل، على أساس أن نسطوريس قد انشق عن الكنيسة الأولى، وهي كنيسة المسيح. قلنا كان المار يوحنا سولاقا أول زائر لعتبة الفاتيكان، من رؤساء كاثوليكك العراق، فبعد انتخابه جاثليقاً، لفريق مسيحي، إثر ظهور انقسام في الكنيسة الشرقية، ذهب إلى روما (1552 ميلادية) لينال فيها رتبة الأسقفية (شباط 1553).

عمانؤيل الثالث:

جاء لقب البطريرك عمانوئيل الثالث دلي (2003)، الباحث في فلسفة الفارابي، بعد الجاثليق عمانوئيل الأول (938 - 960 ميلادية)، المعاصر لأربعة خلفاء عباسيون: الراضي، والمتقي، والمستكفي، والمطيع. كما شهد السلطنة البويهية ببغداد. ونلاحظ اختفاء لقب الجاثليق (رئيس الكنيسة العام)، الذي كان سائداً منذ العهد الساساني (تاريخ الكنيسة الشرقية)، وأول مَنْ أُتخذه، في تاريخ المسيحية جمعاء، أسقف المدائن، ليحل محله لقب البطريرك. ومعلوم جاثليق وكاثليك نِجارهما واحد!

ثم البطريرك عمانوئيل الثاني (1900 ـ 1947)، وتُذكر لهذا البطريرك قصة، يُعشى بها لبعث لغة التعايش بين الناس، وكبح الكراهية: كتب مير بصري (ت 2006): عندم نفى العثمانيين، في الحرب الأولى، جماعة «من وجهاء بغداد، من مختلف الطوائف والمذاهب، وأشخصتهم إلى الموصل في طريقهم إلى الأناضول، فذهب الفقيد إلى القائد الألماني.. يشفع فيهم. فأبدى المشير استعداده للعفو عن المسيحيين منهم فقط. فقال الحبر: إنني رجل دين، أب للجميع، ولا أخص ملتمسي بفريق دون فريق، فأعدهم جميعاً أو فأجلهم جميعاً» (أعلام السياسة في العراق).

البطريرك دلي كاردينالاً (تشرين الثاني 2007)، كاتدرائية القديس بطرس. ولكم تأمل تشابك الأزمنة وتماثلها! عندها حدث التقارب مع الكرسي البابوي، حيث ظل القسم الآخر قائماً حتى يومنا، وله اختلاف في المفاهيم، وليس للفاتيكان أمر ونهي عليه، يمثله الآن البطريرك مار أدي الثاني ببغداد.

على أية حال، أُسدل الستار، منذ زمن بعيد، على عصر المواجهات الطائفية الحادة، التي لا تخلف عادة سوى الموجعات، وأتفق أن لا إلغاء ولا محاربة. ووهبت الكنيسة بمجملها، عبر تاريخها، بلاد النهرين علماء وأطباء من أتباعها، ازدانت بهم بغداد، حتى أن الخليفة هارون الرشيد (ت 196هـ) قال لمِنْ حوله في طبيبه: «كل مَنْ كانت له إليَّ حاجة فليخاطب بها جبرائيل، لأني أفعل ما يسألني فيه ويطلب مني»(عيون الأنباء في طبقات الأطباء).

أجد من فائدة شرقنا الحفاظ على الوجود المسيحي، ذلك إضافة إلى ما يضفيه التنوع الديني، وبالتالي الثقافي، من تطور وحضارة، فإن وجود هذه الجماعة بمثابة بوابة من بوابات الانفتاح إلى العالم، وسبباً من أسباب التواصل الإنساني، والعراق قبل غيره من البلاد، لعمق الأثر المسيحي فيه. هذا، وكانت رسامة البطريرك الكلداني دلي لمرجعية الفاتيكان، ومن قبل رسامة السرياني اغناطوس تبوني، العام 1935، كاردينالاً، واحدة من حضور أرض السواد الدولي عبر مسيحييها.

دلي الكاردينال:

في ديسمبر 2007 رقي البطريرك عمانؤيل دلي الثالث إلى رتبة كاردينال، وهي أعلى مرجعية بعد البابا في الفاتيكان، أية زعامة كاثوليك العالم، وبلاشك يُعد حدثاً مميزاً، شأنه شأن قطف أديب أو عالم لجائزة عالمية، أو فوز فريق رياضي بمباراة دولية! وعلى وجه الخصوص في زمن بات جواز السفر العراقي، ومنذ عقود، وثيقة إتهام، وتراجعت فيه المنزلة، وعلينا الاعتراف بأن احتفاء العراقيين، سوى كان في المركز أوالإقليم، علانية بهذا التنصيب يعد تكريساً لروح التآخي، وتطميناً لمَنْ أقلقتهم الفواجع من أتباع البطريرك.

كانت قلنسوة الكاردينال العراقي، بين بقية الكرادلة، تلفت النظر، وقد بدت من طراز العَمائم، لا القبعات الحُمر، اللاتي باركها البابا بنديكتوس السادس عشر. كانت عمامة دلي من متعلقات التاريخ العراقي، وكم بدت شبيه ببعمامة كوديا الأكدي، وبعمائم فقهاء المسلمين.

نظرنا في صور لمارات (سادة) الكنيسة الكاثوليكية العراقية، بداية من سولاقا الذي قُتل 1555 وحتى دلي الذي توفي قبل أيام 2014، وقلانسهم لا تختلف طرازاً عما يعتمره علماء النجف، أو مدرسة الإمام الأعظم ببغداد. ألبسة واحدة، ومنشود واحد هو الله، مع اختلاف الطرائق! ولا غرابة، فقد قيل في تكريم الأب الكرملي، العام 1928: «عاشت قدماً في الزمان بلادنا/ جوامعنا في جنبهن الكنائس/ وسوف يعيش الشعب في وحدة له/ عمائمنا في جنبهنَّ القلانس»(مجلة لغة العرب).

مَن هو عمانؤيل دلي:

ولد مار عمانؤيل الثالث دلّي في 6 أكتوبر(تشرين الأول) 1927، هو كاردينالاً للبابا في الفاتيكان وبطريرك بابل للكلدان سابقا. تمت رسامته ككاهن في 21 ديسمبر(كانون الأول) 1952. تدرج في الخدمة الدينية حتى نال رتبة أسقف بعد عشرة سنوات أي في كانون الأول سنة 1962 وحينها كان كان عمره 35 سنة. ثم أصبح بطريركاً للكنيسة الكلدانية الكاثوليكية في 3 ديسمبر(كانون الأول) 2003 بدلاً من البطريرك مار روفائيل الأول بيداوييد.

تولى الكاردينال عمانؤيل دلي مهام رئاسة الكنيسة الكاثوليكية في زمن عصيبة جداً، يمر على العراق وعلى المسيحية. حتى وصل الأمر دلي نفسه، لما أصيب بجراح من زجاج متطاير بسبب هجوم إرهابي في العراق. كان قلقاً على الوضع الأمني في العراق. فقد كانت أعمال العنف على المسيحيين تمارس بشدة، ولم يمر أحد في تلك السنوات بلا استهداف كنيسة أو اختطاف راهب أو قتل طلبة مسيحيين وهو في طريقهم إلى الجامعات، وعلى وجه الخصوص في الموصل. لهذا تُعد السنوات التي تولى فيها دلي مهام الكنيسة من أصعبها، وقد بذل جهداً لتحسين معنويات المسيحيين والحفاظ على العلاقات الصديقة مع علماء المسلمين والمناشدة على فك اسر المٌختطفين من الرهبان. ولظروف صحية قدم استقالته عن البطريركية في كانون الأول (ديسمبر) 2012 ليخلفه الأب لويس روفائيل الأول ساكو.

سنوات الشدة:

بعد شهور من احتلال العراق، مِن قِبل الأمريكان اعتلى الكاردينال عمانؤيل دلي رئاسة الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية، وهو بذلك الموقف كرئيس للأكثرية من المسيحيين العراقيين، بدى مسؤولاً عن سلامة المسيحيين ككل، فأمر المذاهب والتفرقة بينها، بالنسبة للمسيحيين العراقيين على وجه الخصوص، صار في ذمة الماضي، فهم أمام محنة تجمعهم مع بقية الشعب العراقي، لكن الهجرة بين المسيحيين أو الصابئة المندائيين أو الأيزيديين وغيرهم، تكون آثارها بائنة، صحيح أن المسيحيين بدأوا في الهجرة مبكراً، واحتلوا مراكز في البلاد الغربية، لكن ذلك كان على عدد الأصابع، وصحيح أيضاً أن الهجرة في زمن الحصار على العراق كانت ملوحظة بين المسيحيين، غير أن ذلك لشأن اقتصادي أو حباً في الحياة بأوروبا التي لا تُعر الإنسان بفرقة دينية مثلما هو الحال في البلدان الشرقية، وهذا أيضاً ظل محدوداً، فهناك الآلاف من المسحيين لا يريدون مغادرة البلاد التي قطنها أجداهم منذ آلاف السنين، ونقول آلاف السنين، لأن معظم الآشوريين والبابليين، أو السريان على العموم قد تحولوا من دياناتهم القديمة إلى المسيحية بتبشير يسير، فشكلوا مجتمعاً دينياً في بلاد بين النهريين.

إلا أن الهجرة الكبرى بالنسبة للمسيحيين العراقيين حدثت بعد نيسان (أبريل) 2003، تلك السنوات التي كان الكاردينال عمانؤيل دلي على راس الكنيسة الكاثوليكة، حتى فرغت الكثير من العقارات وصارت عرضت للخراب بعد هجرانها، وهناك مَن يتحين الفرصة من ضعاف النفوس في الاستيلاء عليها، وهذا ما يضاف غلأى مضايقة المسيحيين مع مضايقتهم من قبل الإرهابيين بسبب الدين. لهذا علينا تفهم المعاناة التي كان يعيشها هذا الرجل، وهو نفسه عرضة إلى الخطر. كان تفجير الكنائس، منذ 3003 وما بعدها مشهداً معتاداً، فكل يوم أحد يتعرض المسحييون إلى موت جماعي.

ليس هذا فقط، بل أن كثرة الشعائر الدينية في العراق، حتمت على المسيحيين الاستغناء عن أهم مناسباتهم الدينية، وذلك عندما يون احتفالهم في الأعياد مقترناً بوجود وفاة إمام أو مناسبة دينية، وهي في غالبها مناسبات حزن، يخشى المسيحيون من الاحتفال في أجوائها.

حاول الأب عمانؤيل دلي طرق الأبواب كافة ليضمن حماية المسيحيين، من مسؤولين حكوميين إلى مرجعيات دينية وأحزاب، حتى أنه في لقاء مع رئيس الوزراء شطى محنة المسيحي في التعيين والمعاملة، ذلك أن هناك مَن عرض الانتماء إلى حزب الدعوة، وبطبيعة الحال لا يتم هذا إلا بعد أن يتنصل المسيحي عن دينه.

في بناء العراق:

بينما لو قلبنا صفحات التاريخ نجد أن للمسيحيين دوراً مهماً في بناء العراق، ففي أيام العباسيين كانوا الأطباء والكُتاب والمدرسين والمترجمين، وقد أجادوا في هذه المجالات لأنهم لا يرجون مناصب رسمية كالقضاء أو الوزراء، ومع لك هناك من رجال الدين مَن حاول في العهد العباسي أن تُغير السياسة معهم، وأن تطبيق فيهم الشروط العُمرية، أو ما كان يسمى بالعهدة العمرية، ومها أن تؤخذ الجزية منهم "وهم صاغرون"، وأن لا يشغلوا وظيفة في الدولة، ويجري التضييق عليهم حتى يلجأون إلى التخلي عن ديانتهم.

أما في عهد الدولة العراقية الحديثة فقد ساهم جماعة الكاردينال عمانؤيل دلي في بناء الدولة، ومنهم وزراء بارزون، كوزير المالية في الثلاثينات يوسف غنيمة، ووزير الإعلام رؤفائيل بطي، ناهيك عن دور الأب أنستاس الكرملي، ودور الأب البريارك عمانؤيل يوسف، الذي كان قبل تأسيس الدولة العراقية يعترض على المحاولات التركية في اقتطاع الموصل عن العراق، فكان يأمر بالكتابة أمام تلاميذ المدارس المسيحية في الموصل عبارة : "الموصل رأس العراق لا تُقطع".وعندما نشبت الحرب العالمية الأولى، أسر الألمان مجموعة كبيرة من العراقيين، فذهب البطريارك المذكور إلى القائد الألماني طالباً منه فك أسر العراقيين، فقال له: سجل أسماء المسيحيين منهم كي نطلق سراحهم. فأجابه قائلاً: أطلب إطلاق سراح العراقيين كافة، فأنا أب للجميع، ليس للمسيحيين فقط، فتحقق طلبة بفك أسر الجميع.

هذا ما ما دوام عليه عمانؤيل دلي في خطابه خلال سنوات الإرهاب، وحتى قُبيل اعتزاله عن رئاسة الكنيسة الكاثوليكية، أن محنة المسيحيين من محنة تجمع العراقيين كافة، مع أن الإيذاء الذي يصيبهم كان جرحاً عميقاً. نتذكر جيداً، في واحدة من مقاتل المسيحيين الشديدة، اتصلت قناة الجزيرة بالكاردينا دلي، وعندما سألته المذيعة عما حصل للمسيحيين، قال وعلى الهواء: لا تتصيدوا بدمائنا، فالبلد يعيش الحالة جمعاء، اتركوا هذا الأسلوب وكفوا عن الفتنة.

أباً للجميع

كان عمانؤيل دلي أباً للجميع، هذا ما يحرص عليه في خطابه، لأنه يعلم علم اليقين، أن الإرهاب لا دين له ولا مذهب، وأن العيش في هذه البلاد منذ آلاف السنين لا يمكن أن تؤثر به هذه اللحظات، والمسلمون العقلاء يتذكرون الموقف الإيجابي لأجداد عمانؤيل دلي عندنا اجتاح المغول بغداد، ففتحوا المسيحيون الأبواب لمواطنيهم المسلمين، هذا ما تكرر أيضاً عند اجتياح الأمريكان لبغداد، فقد ازدحمت كنائس الكرادة بالنساء والأطفال، والفقيد عمانؤيل كان العين الساهرة على الجميع قُبيل أن يصيح بطريرك الكنيسة الكاثوليكية الكلدانية بشهور.

زيد بن رفاعة

نشر في العرب اللندنية