عُمان: محاولة تقريب بين المذاهب

الإسلام واحد ومتعدد

مسقط- انطلقت في العاصمة العمانية أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية الثالثة عشرة، والتي اقيمت فعالياتها هذا العام تحت عنوان "الفقه الإسلامي: المشترك الإنساني والمصالح"، والتي طرحت عدة محاور؛ من بينها ما يتصل بالمصطلحات والمفاهيم والمساواة في الجانبين الأصولي والفقهي، وما يختص بفقه العدل وفقه حقوق الإنسان في المواثيق الدولية والفقه الإسلامي وفقه المشترك الإنساني عند فقهاء الإسلام والسياسة الشرعية، وتقديم مُقارنة بين الفقه الإسلامي والتراث الفقهي العالمي، واستمرت مدة أربعة أيام من 6 إلى 9 أبريل 2014.

ورعى افتتاح أعمال الندوة الدكتور يحيى بن محفوظ المنذري رئيس مجلس الدولة، والذي قال إنَّ ندوة تطور العلوم الفقهية تعالج قضايا ملحة على الساحة الإنسانية، وفق تطورات وتفاعلات تفرضها مستجدات الحياة المعاصرة.

وقال يوسف بن علوي بن عبدالله الوزير المسؤول عن الشؤون الخارجية في تصريحات للصحفيين على هامش افتتاح الندوة: إنّ العالم العربي والإسلامي يمر الآن بمرحلة يحتاج فيها إلى مثل هذه الندوات لتبيان العدل والحق وتقديم العلوم والأطروحات التي ينبغي أن توجه ثمارها لخدمة المجتمعات. وأضاف: بإمكان المجتمعات أن تنمو وتتطور إذا كانت في حالة سلم وذلك يتطلب من العلماء في المجتمعات العربية أن تتضافر جهودهم لرسم الطريق إلى المستقبل.

ورحَّب الدكتور عبدالمنعم الحسني وزير الإعلام بضيوف السلطنة من العلما الذين يشاركون في الندوة للتباحث حول المنطلق الإسلامي للتسامح والتعاون والتفاهم. ودعا العلماء إلى إضاءة مفاهيم ومصطلحات الندوة بأطروحاتهم مع مزيد من التعاون والتعاضد والتباحث في الأمور المشتركة.

تتميز القيادة العمانية بالمنهج الرباني الأصيل البعيد عن الغلو والتشدد، والداعي إلى التسامح والتعايش يتضح ذلك من توجيهات السلطان قابوس لعقد عدة فعاليات تعمل على ترسيخ مبادئ الدين الاسلامي الحنيف السمحة النبيلة القائمة على إرساء الحوار البناء بصورة حضارية وتهيئة التعايش بين الشعوب وبما يحقق السلام العالمي المنشود.

ومن تلك الفعاليات المثمرة ندوة “تطور العلوم الفقهية” التي تقام كل عام وتنظمها وزارة الأوقاف والشئون الدينية. وشهدت السلطنة في الوقت الحالي نسختها الثالثة عشرة والتي استطاعت عبر تاريخها المشرق أن تصحح الكثير من المفاهيم المغلوطة وتقرب وجهات النظر وتوضح الصورة الحقيقية للإسلام الحق الذي يدعو إلى كلمة سواء وهو ما منحها صدى يتردد في كافة المحافل العلمية العالمية.

فهذه الندوة منذ انطلاقها وهي تهدف إلى لم شمل المسلمين تحت مظلة واحدة على اختلاف مذاهبهم ، حيث يصرح أحد الباحثين المشاركين في الندوة: "إن ديننا العظيم يحثنا على الحوار مع الآخر والانفتاح على ثقافته والتعامل معه بالحسنى فما بالنا بالتعامل فيما بيننا كمسلمين".

وتتناول الندوة في كل عام موضوعا فكريا جديدا يزيد من التآلف بين أبناء الأمة الواحدة على اختلاف مشاربهم ومذاهبهم وتوجهاتهم.

ونرى من خلال أوراق البحث المقدمة أو المناقشات بين المفكرين والعلماء الذين يحضرون الندوة من جميع أنحاء العالم الإسلامي القواسم المشتركة بين المذاهب المختلفة والتي يجب أن نسلط عليها الضوء بدلا من النبش وراء المختلف بينها .. ويضيف الباحث العماني المشارك في الندوة: "الفرقاء دائما ما يبحثون عن الفروع المختلفة ولا ينظرون للأصول المشتركة والتي تلم شمل الأمة وتقرب فيما بينها وتجعلها على قلب رجل واحد وذات كلمة واحدة".

وقد أجمع معظم المشاركين في الندوة على أن الفقه له أهمية كبيرة في حياة المسلم كونه المنظم لتصرفاته وعباداته ومعاملاته وعلاقاته سواء بربه أو بأخيه المسلم أو بالآخر المختلف عنه في الدين أو حتى بالبيئة المحيطة به.

وتوضيح ما يحتويه هذا الفقه من يسر واعتدال ووسطية يعد أحد أهداف الندوة المستنيرة التي تعمل على نشر الفكر الإسلامي الصحيح الذي يسعى لخدمة الإنسانية بصفة عامة.

إن ندوة هذا العام تبحث في “المشترك الإنساني والمصالح” من خلال البحث في قيم المساواة والشورى والعدل وحقوق الإنسان والتي تعتبر أهم دعائم أية دولة وأساس نجاح أي حكم، لقد ارتأت الحكومة العمانية ممثلة في وزارة الأوقاف والشئون الدينية طرق هذا الموضوع لتوضيح التباين بين المجتمعات الإسلامية والغربية في تطبيق هذه المبادئ والنظرة السطحية التي يتم التعامل معها بها وعدم فهمها بالصورة المثلى وبالتالي عدم تطبيقها على أرض الواقع، كما ينبغي لذلك كان لابد من تحليلها تحليلا علميا والاستعانة بنماذج مشرفة من التاريخ الإسلامي العريق يوضح أسبقية المسلمين الأوائل في تطبيقها ليسير على دربهم شعوبنا المعاصرة.

ولقد أكد المشاركون في الندوة أن مثل هذه الفعاليات المهمة تعزز من مبادئ الإسلام السامية وتساهم في نشر قيم التعايش والسلام والخير والحق وربطهم بالواقع المعاصر لاسيما وأن الحداثة تنشر الارتباك في مجتمعاتنا الإسلامية فهي تعج بالكثير من المتداخلات التي يحتار فيها المسلم وتمحو له الأطر التي يتعامل بها في حياته فلا يعرف الحلال من الحرام ولا الحق من الباطل، وبالتالي فإن مثل هذه الفعاليات تبين للناس صحيح العلاقات الاجتماعية وأن الفقه يتطور مع تطور العصر وليس جامدا كما يروج له أعداء الدين بل هو متجدد مع تجدد الحياة وأساليب العيش وأنه باستطاعته حل كافة المسائل المعقدة التي تقف أمام المسلم.

كما يعتقد خبراء الفقه هؤلاء إن اختلاف المذاهب والمشارب لا يعني الصراع والتناحر.

فالمذاهب على تنوعها يوجد بينها قيم تشترك فيها جميعا لذلك يجب التركيز على هذا المشترك والبحث عن مناطق الأخوة والانسجام بينها حتى تعود لنا وحدتنا وتقوى شوكتنا ويتحقق لنا السلام والأمن والأمان والريادة المفقودة.

إن ما يميز تلك الندوة هذا العام هي انها تناولت عددا من مفاهيم الاشتراك في الحياة بين المسلمين أنفسهم ومع غيرهم، في الوطن الواحد والعالم من خلال الدراسات الفقهية المعمقة والاجتماعية المكتسبة والتربوية النظرية والآراء المذهبية المقارنة، وتم خلال هذه الندوة مناقشة مجموعة من المحاور وأوراق العمل والتي ركزت على المفاهيم المرتبطة بالعيش في مواضيعه المختلفة المتعلقة بالقرآن الكريم والسنة المطهرة والقانون والتاريخ والمواطنة بين أهل الكتاب وغيرهم في الشريعة والقانون الدولي، والخطاب التشريعي لغير المسلمين في القرآن والسنة والمقاصد الشرعية والقواعد الفقهية والتاريخ والأعراف.

متابعة حسين شحادة