في ذكرى حرب لم تنته بعد

لا تزال الحرب الاهلية اللبنانية مقيمة في موقدها.

لا لأن هناك مَن لا يزال ينتظر مفقوديها، حسب بل وأيضا لأن بعضا من حكاياتها كان قد فقد مع الزمن مصداقيته، صار محض فرية تاريخية أو ضحك مجاني في موكب عزاء.

فهل يُعقل أن يسقط بلد بأكمله في اتون حرب طاحنة استمرت خمسة عشر سنة بسبب مرور حافلة تقل مسلحين فلسطينيين (فدائيين حسب قاموس تلك الايام) بالقرب من مقر حزبي كان الكتائبيون (الانعزاليون حسب القاموس نفسه) يحتفلون فيه بذكرى ميلاد حزبهم؟

هذا حدث ذلك في عين الرمانة في 13 نيسان من عام 1975.

لم تكن جمهورية عرفات في الفاكهاني بعيدة عن ذلك الموقع. كان الغرباء، حسب التصنيف الكتائبي كانوا قد اقاموا دولتهم داخل الدولة، برعاية من اتفاق القاهرة عام 1969 الذي "نظم" الوجود الفلسطيني في لبنان، لتقيم لاحقا دولتها الوهمية الجديدة في لبنان، تعويضا لها عما فقدته من سلطان في الاردن بعد ما شهده ذلك البلد من وقائع دامية في ايلول الاسود عام 1970.

كان من الصعب أن يتكرر السيناريو الاردني في لبنان.

لنقل أنه قد تم تأجيل تنفيذ ذلك السناريو إلى العام 1982 حين اجتاحت اسرائيل الاراضي اللبنانية لتصل إلى بيروت وتفرض من هناك حصارا انتهى بمغادرة منظمة التحرير بيروت إلى ما وراء البحر، إلى تونس هذه المرة.

وإذا ما كان "الغرباء" قد غادروا الاراضي اللبنانية فان الحرب الذي اتخذت من وجودهم سببا لاندلاع شرارتها لم تتوقف إلا حين قرر الآخرون ذلك. وهو ما يؤكد مصداقية مقولة غسان تويني عن حرب الآخرين على أرض لبنان.

كان اتفاق الطائف عام 1989 عبارة عن توزيع الغنائم بين المحاربين.

ما جرى فعلا أن امراء الحرب نزعوا بعد الطائف ثيابهم العسكرية واستبدلوها بثياب مدنية ليفصلوا دولة على مقاساتهم التي لم تفارق أبعادها الطائفية.

وكما يبدو فان التطبيع الطائفي كان واحدا من أهم نتائج حرب، قررت أطرافها فجأة الخروج منها على قاعدة لا غالب ولا مغلوب. وهي قاعدة تبين في ما بعد أنها لم تكن تمثل حقيقة ما انتهى إليه الفرقاء اللبنانيون في الطائف.

بعد الطائف نشأت معادلات طائفية جديدة، صارت تتطور في استمرار على شكل تحالفات سياسية، غير أن الكيان اللبناني ظل أسيرا للتجاذبات الطائفية بكل ما تفرضه من هيمنة الزعامات التقليدية، سواء من الجيل الاول الذي اشعل بيديه نار الفتنة أو من الجيل الثاني الذي حضر إلى الخنادق مزودا بفكر وسلوك طائفيين.

وهكذا فان النهاية الرسمية للحرب الاهلية في لبنان قد اسفرت عن هزيمة لبنان واللبنانيين وانتصار امراء الحرب، الذين لا يزال الكثير منهم ينعمون بالوجاهة والمناصب والامتيازات والثروات.

لقد تم اعتماد عناصر الوصفة التقليدية اللبنانية لتكون أساسا لسلم اهلي هش، لا يمكنه أن يرقى إلى أن يصبح قاعدة حياة. ففي تلك الوصفة الكثير من السموم التي لن يستغني عنها سياسيو لبنان وهم يعدون طبخاتهم.

لذلك فان خشية اللبنانيين المستمرة من تجدد الحرب الاهلية لها ما يبررها.

فلا يزال الاستقطاب الطائفي هو سيد الاقوال والافعال في كل مرحلة من مراحل الانتقال السياسي من عهد إلى آخر. وهو ما يعني أن الفخ الذي وقع فيه اللبنانيون يوم صدقوا أن حربا يشنونها على الغرباء ستعيد بلادهم خالصة إليهم لا يزال يغري الكثيرين منهم في الوقوع فيه ثانية وهم يظنون هذه المرة أن الغرباء سيحملون لهم أسباب الخلاص.

لقد توهم اللبنانيون أن الانسحاب السوري سيؤدي إلى حقبة، تكون فيها الارادة اللبنانية مستقلة في خياراتها السياسية، غير أن سنوات ما بعد الانسحاب السوري قد أثبتت أن لبنان لا يزال بسبب ولاءات سياسييه مشدودا إلى ارادة الآخرين الذين سبق لهم أن أشعلوا نار حروبهم على أرضه.