السيد الأسود: الرؤية العلمانية لا بد أن تنتظم داخل الرؤية الدينية

سبعة فصول ومقدمة

يعالج هذا الكتاب "الدين والتصور الشعبي للكون.. سيناريو الظاهر والباطن في المجتمع القروي المصري" تأليف وترجمة السيد الأسود، مشكلة هامة وهي كيف استطاع الإنسان المصري غير المتخصص أو الفلاح أن ينظم داخليا المعتقدات الدينية مضيفا إليها معتقدات أخرى جديدة نجمت عن احتكاكه بالنخبة المحلية وبالثقافات الأخرى عن طريق الهجرة الخارجية المؤقتة، والتعليم والمثاقفة والإعلام ووسائل الاتصال السريعة وغيرها من عناصر متنوعة، فلا يعالج الدين من المنظور اللاهوتي التخصصي بقدر ما يعالج تصورات الناس لموضوعات تتقاطع مع المعتقدات الدينية والتراث المحلي أو الشعبي المميز لهم خاصة فيما يتعلق بالكون أو العالم ومكانهم فيه، كاشفا المشاكل التي تطفو على سطح المجتمع المصري بخاصة والمجتمعات العربية التقليدية بعامة، وبالتحديد تلك التي تتمحور حول العلاقة بين الحداثة والتراث، والعلم والتقاليد والتقنية والمعارف الشعبية، والمعلوم والمجهول والعقل والخرافة.

ومن هنا تأتي أهمية الكتاب حيث المرحلة التاريخية الحرجة التي تمر بها المجتمعات العربية متمثلة في الاضطرابات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والعسكرية التي تمخضت عنها توجهات غربية جديدة غير مسبوقة مختلقة أكوانا جديدة أحدثها ما عرف بمشروع الشرق الأوسط الكبير.

ويرى الباحث أن بعض المفكرين بالغرب يحاولون التركيز على الديناميات الثقافية والسياسية الداخلية في منطقة الشرق الأوسط مهمشين دور القوى العالمية العظمى ورؤاها التي ظهرت في تحليلاتهم كما لو كانت تقف موقف المتفرج، وهذا التهميش المتعمد للقوى العظمى يأتي بغرض إلقاء اللائمة على الثقافات المحلية والعلاقات الداخلية المتصارعة بين مجتمعات أو أقطار الشرق الأوسط، حسب إدعائهم، إلى الوضع الراهن المتردي.

ويضيف "أن القوى السياسية ـ الاقتصادية ـ مشتملة الاستعمار ونهب ثروات الشعوب، والعولمة والتغريب والهجمة الغربية على التراث المحلي للشعوب بغرض تهميشه والقضاء عليه ـ كلها لعبت ولا تزال تلعب دورا مصيريا في حياة المجتمع العربي والفلاحين المصريين، التاريخ يعيد نفسه في العراق وفلسطين إذ لا يزال الاستعمار قائما رغما عن الحداثة بل مستخدما إياها لتبرير ولكسر الشعوب وخلق كون جديد تحت مسميات الحرية والديمقراطية والتنمية. الطامة الكبرى تكمن في انتشار صرعة الدم بالدم والثأر ـ وهي سمات تتهم بها بعض المجتمعات التقليدية ـ بين حكومات المجتمعات المتقدمة من عدو وهمي تم صنعه من الأكاذيب الملفقة".

ويشير الباحث إلى أن الدين لا يزال في المجتمع القروي المصري يلعب دورا هاما في كل المجالات العامة والخاصة، "إن محور الارتكاز في نظرية الخصوصية ـ التي هي جزء من جدل العلمانية في الغرب ـ هو أن الأشكال الدينية التقليدية لم تعد حتمية بالنسبة للمجتمع ككل، لكنها توجه حياة الأفراد والجماعات الفرعية".

ويؤكد أنه في المضمون المحلي للمجتمع القروي المصري يشمل الدين الحياة الاجتماعية الاجتماعية ويحتويها ويكون نمط التفكير الديني موجها ومرتبطا بصورة جوهرية بالواقع المتسامي والمقدس الذي يكون موضع الايمان والتسليم، والذي يمارس تأثيرا عظيما على الواقع الاجتماعي والكوني من خلال الطاقات الكامنة والقوى المنظورة والقوى غير المنظورة والقوى الخارجية والقوى الداخلية، وإن العلاقة بين الأنماط الدينية وغير الدينية من التفكير هي علاقة تقابل واحتواء معا، وهذا يعني أن التفكير الديني يقابل التفكير غير الديني سواء كان سحريا أو تجريبيا أو علمانيا، ويحتوي عليه في نفس الوقت طالما أن قيم الأخير بواسطة الأفراد على خير أو شر ومناسبة وغير مناسبة في علاقته بالأول أو الديني، ولعل هذا يفسر لماذا يكون التمييز الاخلاقي قويا اجتماعيا وسياسيا".

وحول لقاء الرؤيتين العلمانية والدينية يلفت الباحث إلى أنه من أجل أن تؤدي الرؤية العلمانية وظيفتها على النحو الملائم في المجتمعات الإسلامية لا بد أن تنتظم داخل الرؤية الدينية، لكن هذه الرؤية ليست متناسقة مع تصور العلمانية في الغرب، وعلى المستويين القومي والمحلي ظل التعليم الديني حتى بعد تبنى التعليم العلماني والتحضر في القرن التاسع عشر، في المقررات الدراسية بصفة جوهرية بل وحتى عندما نفذ النظام الاستعماري إلى السياق المحلي عبر التعليم العلماني والاعلام فإن هذه العملية لم تنجح بشكل كامل، لأنه كان هناك دائما مناطق مقاومة وأصوات رافضة.

ويخلص الباحث إلى أن الاعتقاد في الجوانب الغيبية وغير المنظورة والمجهولة من الكون أو العالم أو الحياة هو اعتقاد في الدين والتصور الشعبي للكون، وفي الواقع فإن تصور الغيب والأفكار المرتبطة بالروحية تقدم إمكانية تحقيق تجربة ثقافية ودينية كاملة داخل رؤية كونية شمولية، وهذه الرؤية الكونية الشمولية قد رعاها كل من رجال الدين والعامة من الناس وعملوا على الحفاظ عليها في مواجهة التغلغل المستمر للعلمانية والعولمة التي وصفت تأثيراتهما السلبية على أنها علامات الفساد الكوني التي سوف تؤدي إلى نهاية العالم، إن مستقبل التصورات الشعبية للكون ليس مرتبطا بواقع الاهتمام المحلي بصفة خالصة بل بمستقبل التراث والدين في مصر ككل.

الكتاب صادر عن المركز القومي للترجمة ويقع 270 صفحة من الحجم الكبير، ويحتوي على سبعة فصول ومقدمة. ومؤلفه عمل أستاذا بجامعة وين ستات الأميركية ونشر هذا الكتاب باللغة الإنجليزية بمؤسسة برايجر من مجموعة جرينوود للنشر بأميركا.