بوتين وأوكرانيا... ما ضدّه وما معه؟

في ضوء ضمّ روسيا لشبه جزيرة القرم التي كانت جزءا لا يتجزّأ من أوكرانيا، عن طريق استخدام القوّة، وانّ بشكل غير مباشر، بات في الامكان طرح سؤال بديهي. هل في استطاعة فلاديمير بوتين اقامة نظام دولي جديد فيه يذكّر بتوازن القوى الذي كان قائما ابان الحرب الباردة؟

هناك منذ انتهاء الحرب الباردة بحث عن نظام دولي جديد. بعد العراق الذي احتلّه الأميركيون في العام 2003، تبين أن العالم في حاجة الى ضوابط في وجه نظام القطب الواحد الذي تبيّن انّه يتصرّف بشكل عشوائي، خصوصا عندما يكون في البيت الأبيض رجل لا يعرف الكثير عن العالم وعن التوازنات القائمة في هذه المنطقة أو تلك.

من يتمعّن في المشهد الأوكراني، يجد أن الرئيس الروسي مقتنع بأنّ روسيا قوّة عظمى، وأن في حدود معيّنة. روسيا ليست، الى اشعار آخر، الاتحاد السوفياتي الذي كان ينشر صواريخ في كوبا، ثم يسحبها، ولديه قواعد في اليمن الجنوبي وفي اثيوبيا وقبل ذلك في الصومال. لكنّ روسيا قادرة على تقسيم أوكرانيا واستعادة شبه جزيرة القرم منها واقامة نظام موال لها بشكل كلّي فيها.

صارت القرم جزءا من روسيا. قالها بوتين من قاعة في الكرملين كانت تعلن منها انتصارات روسيا القيصرية. انها مسألة وقت يصبح فيها الروبل العملة المستخدمة في القرم وربّما في مناطق أوكرانية أخرى تعمل روسيا على ضمّها الى اراضيها. حجتها في ذلك أنها توفّر الحماية لمواطنين روس بغض النظر عن الدولة المستقلّة التي يقيمون فيها.

روسيا قادرة أيضا، بمشاركة ايران على المحافظة على النظام السوري، الذي تعتبره في غاية الأهمّية بالنسبة اليها في الشرق الاوسط، على الرغم من أن الثمن هو العداء العربي الكامل لكلّ ما هو روسي بعدما لعبت الاسلحة التي ترسلها دمشق الى النظام العائلي- البعثي، المعروف جيّدا بأنه نظام طائفي قبل أي شيء آخر، دورا فاعلا في ذبح شعب كامل وتشريده.

لا بدّ من الاعتراف بأنّ ثمّة عوامل يمكن أن تعمل لمصلحة بوتين وأخرى يمكن أن تلعب ضدّه. تكمن مشكلة الرئيس الروسي بكلّ بساطة في أنه يعتقد أن العالم لم يتغيّر وأن ضعف الادارة الاميركية هو من النوع الدائم وأنّ الولايات المتحدة مجرّد قوّة عظمى بين القوى العظمى الاخرى في العالم كالصين مثلا.

المضحك – المبكي أنّ هناك بين العرب المؤيدين للاتجاه الروسي والايراني، من يظنّ أن قوة عظمى نشأت أخيرا وأن هذه القوة التي التي تعرف بـ"بريكس"، حسب اللفظ المستند الى الحروف اللاتينية، والتي تضمّ كلا من البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب افريقيا، قادرة على الوقوف في وجه الولايات المتحدة وتشكيل توازن معها. أكثر من ذلك، هناك من يستطيع توهّم أن العالم صار مفتوحا أمام مغامرات عسكرية من نوع جديد بعد اللامبالاة التي أظهرها باراك أوباما حيال المأساة السورية.

ولكن، يبقى في نهاية المطاف أن الأرقام هي التي تتكلّم. انها الأرقام التي تستند الى واقع على الأرض. هذا الواقع اسمه الاقتصاد قبل أي شيء آخر. كلّ ما في الأمر، بلغة الأرقام، أن روسيا ليست قوّة عظمى. السلاح المتطور وحده لا يصنع قوّة عظمى. أكثر من ذلك، انّ الدول الخمس التي تتشكل منها "بريكس" غير قادرة على الاتفاق على كلّ شيء. هذه الدول أضعف بكثير مما يعتقد. حتى الصين التي باتت ثاني أكبر قوّة اقتصادية في العالم تواجه مشاكل خاصة بها عائدة الى أن معظم سكانها ما زالوا فقراء من جهة وأنها في حاجة دائمة الى السوق والاستثمارات الاميركية من جهة أخرى.

هناك بكلّ بساطة حدود لما تستطيع موسكو عمله على الرغم من أن التهديدات الاوروبية والاميركية التي تلت احتلالها القرم بقيت جوفاء الى حدّ كبير. كلّ ما تستطيعه موسكو هو ابتلاع القرم التي كانت في الماضي أرضا روسية تخلى عنها نيكيتا خروشوف في 1954 لاوكرانيا، بصفة كونها جمهورية من جمهوريات الاتحاد السوفياتي.

باختصار، تستطيع روسيا ابتلاع القرم والمناورة عن طريق التهديد بابتلاع ما يسمّى اوكرانيا الشرقية القريبة منها، ثمّ العودة عن هذا التهديد. هذا شيء وأن تتمكن روسيا من فرض نظام دولي جديد شيء آخر. لو كان ذلك ممكنا لما انهار جدار برلين في العام 1989 ولما تحرّرت دول اوروبا الشرقية، الواحدة تلو الأخرى، من نير النفوذ السوفياتي.

السؤال الى أي مدى يمكن لروسيا الاستفادة من هامش المناورة الذي يسمح لها به التراخي الاميركي والاوروبي؟ الجواب أن أمورا كثيرة مرتبطة أوّلا بادارة أوباما التي تبدو غير مستعدة للتصدي بشكل فعّال لأي مغامرة بوتينية جديدة بدءا بالقرم وانتهاء بسوريا. هذه الادارة منشغلة حاليا بالتوصل الى تفاهم مع ايران في شأن الملفّ النووي. كلّ ما تسعى اليه الادارة الاميركية حاليا هو التوصل الى صفقة مع ايران في شأن هذا الملفّ. قد تتمكن من ذلك، كما قد تفشل فيه. المهمّ أن هناك في الكرملين قيصرا جديدا يعتقد أن الوقت يعمل لمصلحته وأنه سيكرّس نظاما دوليا جديدا بعدما تخلى باراك أوباما عن التعاطي مع العالم من موقع القوّة العظمى الوحيدة في العالم.

سينتهي عهد أوباما بعد سنتين ونصف سنة. ستكتفي ادارته بتوفير مساعدات مالية لكييف، عبر صندوق النقد الدولي، حتى لا ينهار الاقتصاد الاوكراني. هذا كلّه لمصلحة فلاديمير بوتين الذي تبقى نقطة ضعفه الاساسية الاقتصاد الروسي. لم ينته الاتحاد السوفياتي لانه كان يمتلك اسلحة متطورة. انهار لأنه كان قوة عسكرية كبيرة تقف على رجلين هزيلتين هما الاقتصاد. لم يستطع الاتحاد السوفياتي الدخول في سباق تسلّح جرّه اليه رونالد ريغان الذي طرح مشروعا قد يتبين يوما أنه كان وهميا سمّي "حرب النجوم". باستثناء الاقتصاد، كلّ ما تبقى تفاصيل. مبروك القرم على بوتين، لكنه لن يستطيع اعادة العالم ربع قرن الى خلف. قد ينجح في تنفيذ جزء من مشاريعه، لكنّ نجاحه لا يمكن أن يدوم طويلا في هذا العالم الذي تغيّر جذريا منذ انتهاء الحرب الباردة والذي لا يزال يبحث عن نظام دولي جديد.