عم الهادي فنينة .. يغوص في كنه الأشياء والتفاصيل

دلفين الحمامات.. الثائر.. الوديع

الفن والحياة والأسئلة.. عرفت الرجل من سنوات يمضي مع الألوان منذ طفولته الأولى لا يبحث عن شيء سوى أن يغوص في كنه الأشياء والتفاصيل والعناصر وكل ما من شأنه أن يمنحه شيئا من زاد الرحلة والطريق.. الطريق الصعبة والمربكة التي سلكها الى عدة بلدان ومنها بالخصوص ألمانيا التي تلقى فيها ومنها الكثير.. الخبرة والفن والنظرة للأفكار والبرامج والمشاريع.

تهنا في الحكاية التي تقول الكثير.. وتكشف شيئا من البورتريه الناعم للفنان.

في البحر الساحر للمدينة.. يخرج الدلفين منتفضا من الأعماق الى ما فوق سطح الزرقة .. تتلاشى كتل المياه.. لتنبثق من الجسم الكبير أصوات وألوان .. هي الصورة التي تحمل البرج لتضعه هناك في المكان ملطخا بجملة ألوان ..هي ألوان الحمامات المتعددة والتي تختلط لتشكل علامات بإمضاء عم الهادي.

الهادي ينثر الألوان في اللوحات منذ أكثر من نصف قرن، يعود للمياه البحرية الصافية، يستلقي على سطح مركب عملاق يطرح الأسئلة.. حاجة الانسان للفن التشكيلي.. وما الفن قبل ذلك.. وفي ما يفكر الفنان المبدع وكيف يسوق فنه وكيف يعيش.. والمتلقي للفن والجمهور و ... بحر آخر من الحيرة التي تبرز على شاشة عملاقة هي تونس.

عندها يتأبط صاحبنا حزمة كتب يسافر معها.. روايات ياسمينة خضرا الذي يجنن بفرنسيته الباذخة.. ألباركمي بفتنة سرده.. غونتر غراس .. نيتشة.. وغيرهم.

تقول الحكاية في النهاية إن الفنان التشكيلي عم الهادي فنينة الذي يمسك بطرف من قماشة الحمامات .. تقتله الأسئلة المحيرة وترهقه "حماماته" الجميلة.. وأي قتل هذا وأي ارهاق يتوفران في الظلال على اللوحات وذلك منذ أكثر من نصف قرن.

هي لعبة الفن المحيرة التي نخرج من خلالها من الحكاية الى الأرض.. حيث بساتين البرتقال والزيتون التي يعشق عم الهادي أشجارها وجذوعها وأغصانها في حنان هائل لتغدو مثل بناته .. فنان يلاطف الأشجار والناس والألوان ... ولكن بجنون الفن والابداع.

الحكاية حقيقة بلون القلب.. والقلب مجال للحب... وما الفن بالنهاية الا ذاك العناد الجميل والدأب الكبير.. والصبر الأنيق.

الدلفين هو هذا الرجل الذي أحب الفن والحمامات والناس.. وأعطى الكثير.. الآن نبعد عن فكرة الحكاية لأجل معرض كبير واحتفائي بالرجل الفنان الذي ابتعد عن العواصم وصخبها .. لنأخذه من مرسمه بالحمامات الى تكريم يليق به.. التجربة والابداع والعطاء... معرض اعتباري واحتفالي تقتني منه الوزارة والمؤسسات أعمالا على سبيل العرفان والجميل.. تجاه تجربة لها من الخصوصية الكثير ومن الفرادة الكثير أيضا.

الدلفين الهائج في داخله وداعة لا توصف وحب كبير للانسان، للحمامات، لتونس ولعمله بالمرسم والمعرض بقلب المركز التجاري بعاصمة الياسمين. فنان كبير الأثر والأمنيات والحلم.. وبالنهاية يكشف الدلفين عن حبه الدفين. وهو يجللس قبالة لوحاته.. ويفتح كتبه للعابرين تواصلا مع الأسئلة .. يطرحها ويفلسفها.