الحرب الصامتة الأقوى

أستغرب ممن ينادي بعودة التماسك بين دول مجلس التعاون الخليجي دون أن تقوم الشقيقة قطر بخطوات واضحة لفك ارتباطها بجماعة الإخوان المتأسلمين الإرهابية التي لم تتوقف عن استهداف المنطقة بل حاولت إدخال دول التعاون الخليجي في منظومة الدمار العربي، لولا لطف الله وحكمة القادة ووعي الشعوب.

والحقيقة أن التنظيم الإخواني لم يتمكن من ذلك، وقد بان على تصرفاته الهوجاء في الفترة الأخيرة أنه يئس من أن يكون له موطئ قدم في دول التعاون، وأن ما أطلق عليه "الربيع العربي" خاصة بعد النتائج الكارثية المخيبة للآمال في النماذج التي أقامها، حيث فقد كل أسباب جاذبيته، وأصبح مرفوضاً من كل فئات الشعب.

غير أن خطورة التنظيم لا تزال قائمة في ظلّ الحضانة القطرية، مما قد يتسبب في كارثة، خاصة أن تنقّل مواطني دول التعاون بين البلدان الخليجية لا يخضع لقيود معقدة، ما يجعل من حملة الجوازات القطرية من عناصر التنظيم قادرين على التخريب ولو جزئياً في دول المجلس.

هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى ستجد دول التعاون الخليجي نفسها أمام تحدّ صعب، فهي تمثل النموذج النسبي الأعلى لدولة القانون في المنطقة، وقد حكمت قوانين بعضها بتجريم التنظيم الإخواني وصنّفته تنظيماً إرهابياً، فكيف يتم التعامل مع دولة ترعى الإرهابيين الذين تتعارض أيدلوجيتهم تعارضاً تاماً مع توجهات وطبيعة وخصوصية دول الخليج.

لذلك فمحاولة الاحتفاظ بالعلاقتين أشبه بمحاولة الاحتفاظ بالوقود واللهب في وعاء واحد، فالتنظيم الإخواني لا يؤمن بمبدأ الأوطان، وهذا يعني أنه بالأساس لا يؤمن بوجود هذه الدول، فكيف يمكنه التعايش مع دول لا يؤمن بحقها في الوجود؟ هذا غير الفوارق الأخرى التي تجعل القضية أكثر تعقيداً، فعودة قطر إلى الصف الخليجي دون خسارة علاقتها مع التنظيم الإخواني المتأسلم، تبدو مستحيلة، بل يتطلب الأمر تغيير مفاهيمها تجاه التنظيم بزاوية كاملة.

دول مجلس التعاون لم تطلب من دولة قطر أن تحارب معها شرور التنظيم الإخواني المتأسلم، لكنها طلبت منها ألا تدعمه ولا تساعده في حربه عليها، وهذه هي النقطة التي يجب أن تتفهمها السياسة القطرية التي تتعامل مع الأمر وفق رؤية خاطئة اعتقدت بموجبها أن دول التعاون، بهذا الطلب، تتدخل في سياستها الداخلية!

أما ما يسمى "أكاديمية التغيير"، والتي أسسها التنظيم الإخواني في قطر واستوعب فيها طلبة من مختلف دول الخليج والمنطقة لتدريبهم على كيفية إحداث اضطرابات في بلادهم تؤدّي لقلب أنظمة الحكم تمهيداً لتحطيم حدود الأوطان وإنشاء دولة الخلافة الإخوانية التي تقطن في أوهامهم، والتي قادوا نحوها كل المنطقة العربية إلى ما تعانيه الآن من دمار بنيوي ونفسي وعلائقي غير مسبوق..فلها أدوار كبيرة في ذلك التدمير، إذ خرّجت الكثير من القادة الذين يديرون الآن معارك التدمير في مختلف أنحاء المنطقة، كسوريا والعراق واليمن وليبيا وغيرها من دول الاشتعال.

ولا يمكن أن تحتفظ قطر بعلاقات سليمة مع دول التعاون دون أن تقوم بإغلاق هذه الأكاديمية، إضافة إلى قناة "الجزيرة" التي أسقطت كل أقنعتها وبانت على وجهها الحقيقي في تحدّي الدول، وتحولت من وسيلة تثقيف إعلامي إلى وحش مدمّر متعطّش للدماء ومؤمن بأيدلوجية "الإخوان" للدرجة التي شاع فيها مثل في أيام "الربيع العربي" يقول إن "أي بلد حملت إليه الجزيرة محافيرها (كاميراتها)، تقرأ أنظمته الفاتحة على روحها".

فهي قد ظهرت للوجود كنبت شيطاني حمل معه كل بقايا من كانوا يعملون لفترات طويلة في شبكة إعلامية أجنبية معروفة، وبدأت بهم مشوارها البائس الذي أحال المنطقة إلى ماهي عليه اليوم، ولازالت تنفث سمومها وتعمل جاهدة على منع دقّ آخر مسمار في جسد التنظيم الإخواني المتأسلم، وتحاول ما استطاعت إعادته للحياة، وفي سبيل ذلك تحارب دول التعاون وحلفاءها بضراوة، وتختلق الأكاذيب وتروّج الفتن، وبقاؤها بمثل هذا الخطاب العدائي لا يمكن أن يساعد في عودة قطر إلى صفّها الخليجي.

وبعيداً عن هذه الأسباب التي توافقت فيها شعوب المنطقة مع قياداتها، وبعدما فشل التنظيم في إحداث "الربيع العربي" بدول الخليج، فقد لجأ، وكمحاولة أخيرة للهروب من مصيره، إلى استخدام دولة قطر لإحداث حرب بين أبناء الخليج من جانب، وبين المؤيدين للطيش القطري من جانب آخر، هذه الحرب التي يئس التنظيم من إحداثها على أرض الواقع، نجح في استخدام قطر وقوداً لإشعالها على العالم الافتراضي، وعلى مختلف وسائل الإعلام.

فهناك يختلف الوضع؛ المشانق تقام في العوالم الافتراضية دون وازع أو أساس، كما تجري الاغتيالات التي لا تردعها قوانين؛ اغتيال السياسات والأفكار والدول والشخصيات.

وعلى ساحات التويتر، كمثال محسوس، تشتد ضراوة الحرب، وتسقط مختلف القيم المجتمعية والدينية، فالتنابذ بالألقاب قائم بين مختلف الأطراف.ولم تتوقف الحرب عند الألقاب، بل واصل اللاعب الخفي إشعالها من خلال شيخ الفتنة يوسف القرضاوي الذي لم يخف حنقه على ضياع الأحلام الإخوانية وإزالة آخر الأطلال التي خلّفها مرسي في مصر، فاستخدمه عود ثقاب لإشعال الحرب قبل خمودها، فدفع به إلى منابر الدوحة، ليزيد فتيل الحرب اشتعالا.

لو حاولنا التفكير في الصور، فستلوح أمامنا مختلفة وشرسة، ولجعلتنا أكثر استغراباً من مقدرة أعصابنا على الصمود أمام كل هذه الإساءات الصادرة يومياً من هذه الآلة الإعلامية الأخطبوطية الأطراف والزوايا والمصادر والأوعية، غير أن التاريخ لا يرحم، فمن يقفون الآن مع سياسات الاندفاع الإخواني التي تحاول جرّ قطر عن محيطها، لعلمهم أن عودتها لمحيطها تعني فناء تلك الجماعة، لن يغفر لهم التاريخ وقوفهم مع مجموعة حملت الموت شعاراً ضدّ من حملوا صناعة أفضل سبل العيش الكريم شعاراً لهم.

لكن ما الذي ترمي للوصول إليه من خلال مناصرتها فكراً أثبت فشله في التطابق مع العقيدة الإسلامية، وفي النجاح عملياً على أرض الواقع؟ فهذا التنظيم حيثما حضور/وجود، تواجدت معه الشحناء والبغضاء وأصوات الرصاص وسيول الدماء، فما الذي يغري بالتبعية له؟

الحرب الإلكترونية المشتعلة ستمر كما مرت من قبل بمختلف الحالات، من خمود واشتعال، غير أنها في العالم الافتراضي لن تمَّحي، وستظل مؤرشفة بالكتابة والصوت والصورة وبكافة وسائل التعبير.

وكم هو مخجل أن نتخيل صورتنا أمام أجيالنا القادمة حينما يحاورون أرشيفنا عن ماضي وحاضر ومستقبل حياتهم، لو كان الفكر الذي أورثناه أرشيفنا إخوانياً!