في ذكرى يوم الأرض، لماذا لا يكون يوما للأرض بدلا من مفاوضات تُضيِّع الأرض؟

عندما تَكثُر المناسبات والأعياد لأحياء ذكرى انتصارات وأعمال مجيدة في زمان غير هذا الزمان، وذكرى استشهاد قادة كانوا عظماء بمقاييس زمانهم، وعندما يصبح صوت الأموات أعلى من صوت الأحياء، فإن شعبا هذا حاله شعب يفتقر للقيادة والزعامة، ويعيش حالة هزيمة وفقدان الثقة بالذات.

نعم، غريب ما آل إليه حال شعبنا الفلسطيني، يحيي كل سنة ذكرى يوم انتفض فيه الشعب قبل ثمان وثلاثين عاما داخل الخط الأخضر دفاعا عن أرضه، فيما الأرض الفلسطينية تسرق منا يوميا وعلنا بالاستيطان والقدس تُهود تحت غطاء المفاوضات، ولا يحرك الشعب والنخب السياسية ساكنا إلا ما ندر من أعمال مقاومة شعبية ذاتية محدودة!

عندما قامت الحكومة الإسرائيلية يوم الثلاثين من آذار/مارس 1976 بمصادرة أراضي لفلسطينيي قرى الجليل وخصوصا عرابة وسخنين وكفر حنا، هب الأهالي للدفاع عن أرضهم وجرت اشتباكات بين الأهالي وجيش الاحتلال وأجهزته الأمنية استشهد فيها ستة من الفلسطينيين، وخلال ساعات امتدت الانتفاضة إلى كامل فلسطين المحتلة وتجاوب معهم فلسطينيو الشتات وخصوصا في الضفة وقطاع غزة، وخرجت الجماهير العربية في العالم العربي وخارجه متضامنة مع فلسطينيي 48، وأصبح يوم 30 مارس يوما تاريخيا يتم إحيائه كرمز لتمسك الفلسطينيين بأرضهم واستعدادهم للدفاع عنها.

وعندما صادق الكنيست الإسرائيلي يوم 24 يونيو 2013 على مخطط برافر الذي يقضي بتدمير حوالي 40 قرية بدوية في النقب وتشريد أكثر من مائة ألف خارج نطاق المجال الحيوي الذي عاشوا فيه طوال حياتهم، هب فلسطينيو النقب دفاعا عن أرضهم في مظاهرات واحتجاجات امتدت لبقية فلسطين 48 وتطور الأمر لاشتباكات ومواجهات عنيفة وتهديد باللجوء لعصيان مدني، وقد تجاوبت الجماهير الفلسطينية والعربية والدولية مع عرب النقب وتحرك المنتظم الدولي منتقدا ومحذرا من مخاطر هذا المخطط، الأمر الذي أدى لتراجع نتنياهو عن المخطط في ديسمبر من نفس العام خوفا من تعاظم ردود الفعل.

في الحالتين الموضوع والمستَهدَف واحد وهم الفلسطينيون والأرض الفلسطينية، والمجرم واحد وهو الاحتلال الإسرائيلي، وفي الحالتين أيضا وبالرغم من أن إسرائيل متفوقة عسكريا بل وعدديا على الفلسطينيين داخل الخط الأخضر، وكانت حياة وأرزاق الفلسطينيين مرتبطة كليا بإسرائيل، إلا أن كل ذلك لم يمنع الفلسطينيين من الخروج في انتفاضة شعبية ومواجهة دموية ضد إسرائيل دفاعا عن الأرض. كان دفاع الفلسطينيين عن أراضيهم دفاعا عن الكرامة والهوية والوجود الوطني حيث لا قيمة ولا كرامة للفلسطيني بدون الأرض، وكان تصرفهم منسجما مع كل القوانين والشرائع الدولية والدينية لذا فقد ساندهم ووقف إلى جانبهم كثير من شعوب العالم والمنظمات الدولية.

معركتنا مع الإسرائيليين منذ بداية الصراع العربي الإسرائيلي بداية القرن الماضي تدور حول الأرض وجوهرها السؤال: لمن أرض فلسطين؟ للفلسطينيين أم لليهود؟ كل أشكال الصراع الأخرى لإسرائيل مع العرب والمسلمين والعالم الخارجي وسواء كانت مجالاتها دبلوماسية أو اقتصادية أو دينية، وسواء كانت مواجهات عسكرية أو على طاولة المفاوضات الخ مرتبطة بالأرض ولا شيء غير الأرض. عندما قامت حرب 1948 أطلقت عليها إسرائيل أسم "حرب التحرير" أي من وجهة نظرها أنها حررت أرض إسرائيل من الاحتلال العربي والإسلامي، فيما أطلق عليها الفلسطينيون "النكبة" لأنهم نُكِبوا بضياع الوطن، وعندما انطلقت الثورة الفلسطينية المعاصرة كان عنوانها التحرير والعودة، أي تحرير الأرض الفلسطينية وعودة اللاجئين لأرضهم التي هُجروا منها، وعندما انطلقت عملية التسوية في مدريد 1991 ثم أوسلو 1993 كان عنوانها "الأرض مقابل السلام".

إذ نستحضر هذا التاريخ لصراعنا وكفاحنا من أجل الأرض حيث قدم الشعب الفلسطيني آلاف الشهداء والجرحى والأسرى وخاض حروبا متعددة داخل فلسطين وخارجها، ونستحضر يوم الأرض في ذكرى يوم الأرض، لنا أن نتساءل لماذا نحيي ذكرى يوم قام فيه الفلسطينيون بانتفاضة ضد مصادرة إسرائيل لأراضيهم بينما تقوم إسرائيل يوميا بمصادرة الأراضي واستيطانها وتهويدها دون تحرك شعبي واسع كما جرى لأهالينا داخل الخط الأخضر؟ هل من المعقول أن يحيي الفلسطينيون شعبا وأحزابا وسلطة ذكرى يوم الأرض فيما إسرائيل كل يوم تصادر الأرض؟. هل أراضي المثلث في الجليل وأراضي النقب هي فقط الأراضي الفلسطينية المحتلة بينما الضفة والقدس وقطاع غزة ليست أراضي فلسطينية محتلة؟ أين ذهب الشعب الفلسطيني الذي عهدناه منافحا ومقاتلا عن الأرض؟

للأسف نقول إن الفرق بين ما قام به فلسطينيو الداخل وفلسطينيو الضفة وغزة أن الأولين يخضعون مباشرة لإسرائيل بينما في الحالة الثانية توجد سلطتان وحكومتان فلسطينيتان تقفان حاجزا أمام الشعب ومقاومته للاستيطان والاحتلال. مع تفهمنا لصعوبة وتعقد الحالة داخل مناطق السلطة وبالنسبة للقضية الوطنية بشكل عام، إلا أننا نتمنى من قيادة منظمة التحرير عدم الخضوع للابتزاز الإسرائيلي والأميركي بشأن تمديد المفاوضات مقابل إطلاق الدفعة الرابعة من الأسرى أو أي مغريات مادية، ويكفي "الجريمة" التي تستمر منذ عشرين سنة من المفاوضات حيث تفسر تل أبيب وواشنطن ومعهما جزء من العالم أن استمرار الفلسطينيين في المفاوضات بالرغم من استمرار الاستيطان يعني اعترافهم أن الضفة والقدس أراضي متنازع عليها، بل يبدو الأمر وكأن الفلسطينيين يمنحون رخصة لإسرائيل لتستوطن مزيدا من الأرض.