بعد اعتذاره للرئيس البارزاني، متى يعتذر المالكي للشعب العراقي؟

لقد اعتراني شعور مركب بالفرح والحزن معا حين سماعي بخبر اعتذار المالكي للسيد مسعود البارزاني عن تصريحه اللامسئول في مقتل الاعلامي محمد بديوي. احسست بالفرح لان الباب الذي فتحه المالكي لإثارة ازمة جديدة مع الاقليم قد اغلق. وشعرت بالحزن لجملة اسباب من بينها:

1- ان المالكي يتقصد اثارة الازمات الواحدة تلو الاخرى دون مبرر ليزيد من تفاقم الاوضاع المتوترة اصلا في العراق بينما يمكن حل جميع الاشكاليات الموجودة سواء مع الاقليم او مع الاطراف السياسية الاخرى بالحوار.

2- انه من المؤسف ان يصل الامر برئيس وزراء دولة ان يعتذر عن تصرف او تصريح ارتجالي له بهذا الشكل المهين الذي لا يحافظ فيه على ماء وجهه امام الشعب العراقي.

3- ان كان المالكي لا يعرف بحقيقة ما جرى في منطقة لا تبعد عنه إلا امتارا فكيف به ان يعرف حقائق ما يجري في العراق وكيف له ان يدير هذا البلد المترامي الاطراف؟

يظهر ان المالكي يعيش حالة مفصولة عن الواقع قابعا بمكتبه في المنطقة الخضراء دون ان يكون على علم بما يحصل خارجه وهنا تكمن الخطورة، فهو يتصرف حسب المعلومات التي تأتي اليه من هنا وهناك وغالبا ما تكون معلومات مغلوطة حسب اهواء من يوصلها اليه وتوجهاته السياسية داخليا وخارجيا.

قد يتصور المالكي ان غضب الجهات الرسمية في كردستان والشارع الكردي كان من اجل ان الذي قتل بديوي ينتمي للقومية الكردية وبالتالي فان التهديد كان موجها لكردستان، وهذه هي المفارقة الغريبة في الموضوع ويشير الى مدى القوقعة الفكرية التي يعيشها المالكي في دواخله. فالغضب الكردي حكومة وشعبا لم يكن من اجل ان تهديد الدم بالدم كان موجها لكردستان، فمثلما يعرف الجميع وعلى رأسهم المالكي ان الاقليم لا يقيم وزنا لهذه التهديدات الجوفاء فموازين القوى معروفة للطرفين ونعرف ان المالكي غير قادر على تنفيذ تهديداته التي لا تعدو سوى فقاعات (حسب المصطلحات المالكية)، غير ان ما اثار الغضب الكردي هو بقاء التفكير السياسي في بغداد محصور في لغة التهديدات والعنتريات ذاتها التي عانى الجميع منها في زمن صدام حسين. فسواء أكان القاتل كرديا ام عربيا، تابعا لهذا الحزب او ذاك، فليست هذه هي القضية بقدر ما ان التصريح نفسه كان سمجا وذا دلالات لا تشير الى وجود رجل دولة بل عشماوي يعاقب هذا ويقتل ذاك دون مراعاة لوجود قضاء يفترض ان يكون له الكلمة الاولى والأخيرة في هكذا حالات. فلسنا في دولة يتحكم بها شخص واحد (او لا يفترض ان نكون) ويكون لرئيس الوزراء الكلمة الاولى والأخيرة في حادث جنائي لا يرتقي لمستوى الحدث السياسي الذي يجعله يخوض في غمار تفاصيلها، اما ان كان تصريحه هذا لإحراج بعض الاحزاب الشيعية المنافسة له (كما ذكرت بعض التقارير) فهذا يعتبر عذرا اقبح بكثير من حادثة القتل نفسه ويجب ان يحاسب على استغلال هكذا حادث جنائي لمصالحه الانتخابية فأرواح الناس ودمائهم ليست بضاعة في سوق الحملات الانتخابية كي يزاود عليها كل من هب ودب، ودماء العراقيين التي حاول الساسة العراقيين على مر العقود بيعها بسعر التراب ان لها ان تقيم بسعر اغلى، فلا دم بديوي رخيصا حتى يزاود عليه المالكي ولا روح الجاني رخيصة حتى يتحكم بها المالكي.