مَن يقرع أجراس الحرب في لبنان؟

عام 1990 انتهت الحرب الاهلية في لبنان.

قيل يومها أنها انتهت على قاعدة لا غالب ولا مغلوب. غير أن تلك المعادلة لم تكن مرآة حقيقية للواقع الذي انتهى إليه اللبنانيون، بعد أن نقل الزمن المر الخنادق من الأرض إلى النفوس.

هذا من جهة ومن جهة أخرى فان تلك النهاية الرسمية لم تطوِ صفحات كثيرة، كانت الحرب قد فتحتها. بل أن تلك الصفحات كانت قد أندست إلى اتفاق الطائف من خلال الايدي التي ذيلته بتوقيعاتها.

هل امتزج الحبر يومها بالدم؟

شيء من هذا القبيل صار واقع لبنان في حقبة ما بعد تلك الحرب يقوله ويؤكده.

فالمحاربون الذين نزعوا بدلات القتال ذاهبين بزهو إلى كراسي الحكم، لم يكن في إمكانهم أن يتخلوا عن نزعاتهم الطائفية، وهي الحاضنة السرية لفكرة الحرب. وهو ما يعني أن امراء الحرب الذين ربحوا السلام، كانوا قد خرجوا جميعا منتصرين.

صحيح أن هناك الكثير من التبدلات قد طرأت على ميزان القوى، غير أن كل الذين دخلوا الحرب، باستثناء الموتى منهم كانوا قد خرجوا منها بالغنائم التي كانوا يتطلعون إليها. والأهم أنهم كانوا مطمئنين إلى أن ما زرعوه بأيديهم صار على الشعب اللبناني أن يحصده في مستقبل أيامه الآتية.

لقد تحول لبنان إلى ثكنة عسكرية، السلاح فيها هو البضاعة الأكثر رواجا.

وإذا ما كان سلاح حزب الله قد شكل عقدة معلنة للكثير من اللبنانيين الراغبين في أن يخرج بلدهم سالما من عنق زجاجة العنف، فان ما لم يعره أحد في الدولة اللبنانية اهتماما هو ذلك السلاح غير المعلن الذي تمتلكه جهات لبنانية لا حصر لها، وهي جهات تنتظر فرصتها لاستعماله.

لذلك تبدو مسالة سلاح حزب الله بالرغم من تعقيداتها، حيث يمتزج الاستقواء على الدولة اللبنانية بمشروعية فعل بالمقاومة هينة أمام السلاح الذي يمكن أن يظهر في لحظة غير معلومة ليوجه نيرانه إلى صدور اللبنانيين.

لقد فشلت الدولة اللبنانية في اقناع مواطنيها في اللجوء إليها لحل نزاعاتهم بدلا من اللجوء إلى السلاح. فشلت في استدراجهم إلى مقاعد المواطنة السوية، فكانت فوهات بنادقهم مثل عيونهم تنتظر بحذر ظهور عدو، صار عليهم أن يخترعوا أسبابا لقتله إن لم تكن تلك الأسباب موجودة.

فالحرب باعتبارها مشهدا لاستعراض السلاح التي شهدتها بيروت ومن قبلها ومعها طرابلس في الشمال لا يمكن النظر إليها على خلفية صراع في الولاءات بين مؤيد للنظام الحاكم في دمشق وبين موالٍ لمعارضي ذلك النظام.

فلولا وفرة السلاح في لبنان لبقيت عيون اللبنانيين مصوبة باللوم إلى حزب الله، الذي قد يكون يومها محرجا بسبب سلوكه المغامر الذي أدخل لبنان في متاهة حرب، صارت الدول الكبرى عاجزة عن الوصول إلى اتفاق لإنهائها.

لبنان لا يدفع الآن ثمن جيرته لشقيقته الكبرى، بل يدفع الثمن الواقعي لحقيقة ما أنتهت إليه معادلة الطائف، التي كرست وجود امراء الحرب زعماء سياسيين في بلد، لم يكن حين خروجه من الحرب الأهلية مدمرا في حاجة إلى سياسيين بل إلى بناة حقيقيين يعيدون إليه وجهه الحضاري الذي لم يكن السلاح تاريخيا واحدا من ملامحه. فلبنان الحرف كما يصفه شاعره سعيد عقل لم يكن مقاتلا.

صاراللبنانيون ينتظرون الحرب، كما لو أنها قدر كُتب عليهم أن يواجهوه.

لكن ألم يحن الوقت الذي يستجمع اللبنانيون قواهم من أجل أن يحثوا دولتهم على الكف عن تمثيل الدور الكاذب لحمامة سلام، هي في حقيقتها غطاء للدور الذي يؤديه أمراء الحرب وهم يقبضون أموالا لينفقوها على السلاح المضاد لسلاح صار يشكل عبئا على حياة حامليه؟

ما لم تقم الدولة اللبنانية بواجبها بحزم وصرامة، فإنها تكون بطريقة أو بأخرى داعمة لمن يرغب في أن يقرع أجراس الحرب في اللحظة التي يشاء.