الموت في موسم الانتخابات

يبدو أن العراقيين كمواطنين لهم قيمة متغيرة من حين إلى حين. فمرة ترتفع قيمة المواطن العراقي ليصبح كائنا ً مقدسا ً ومرة لا يساوي شيئا ً فمن السهولة بمكان أن يموت المواطن العراقي ويضيع دمه إذا كان الجاني له أو لأقربائه نفوذ في السلطة. ومقياس هذا التغير في قيمة الإنسان العراقي هي المواسم السياسية. فموسم إقرار الميزانية يكون المواطن العراقي في أدنى مستويات القيمة حيث تتصارع الكتل فيما بينها ولا فرق هناك إن مات مئة هنا أو مئتان هناك في تفجيرات بسيارات مفخخة أو بعبوات ناسفة ولاصقة وغير ذلك. أما إذا كان الموسم موسم انتخابات فيكون المواطن العراقي في أعلى درجات القيمة حتى ينفض القوم ويتقاسموا حصصهم فيعود الوضع إلى سابق عهده. فموسم الانتخابات تتناثر فيه السلع الإستهلاكية وتتطاير البطانيات وتكثر العزومات ويحرص الجميع على تطبيق القانون بحذافيره من أجل السمعة من جهة وخوفا ً من الخطأ الذي سوف يستغله المنافس أسوأ استغلال من جهة أخرى. نعم، في هذا الموسم تكثر المزايدات بين السياسيين ويبدأ المستور بالخروج للعلن كطريقة لتسقيط الخصوم بأبشع صوره.

لقد كانت الجريمة التي ارتكبها ضابط من لواء الحرس الرئاسي في العراق من البشاعة أن تترك الضحية وهو دكتور في الإعلام وأستاذ في الجامعة ومدير لمحطة إعلامية في وسط الشارع فيما لاذ الجاني بالفرار يحتمي برفاقه ولكنه سلم نفسه بعد خمس ساعات من مفاوضات طويلة وتدخل من قبل سياسيين والذي استدعى حظور رئيس الزوراء المالكي بنفسه للمكان. والحق يقال لولا رئيس الوزراء لربما لاذ الجاني بالفرار ولسوف تطوى صفحة الجريمة بلاعودة. ولكن، ماذا لو كان الجاني ليس كرديا ً؟ ماذا لو كان الضحية ليس إعلامياً ولا أستاذا ً جامعيا ً؟ والسؤال الأهم، ماذا لو لم يكن هذا الموسم موسم انتخابات؟

لقد حدثت حوادث قتل كثيرة ولم تحرك الحكومة ساكنا ً في الكشف عن الجنات ومنها مقتل هادي المهدي الناشط السياسي الذي بقيت خيوط مقتله غامضة ومقتل مدرب نادي كربلاء الذي مات ضربا ً على رأسه من قبل قوات مكافحة الشغب واغتيال كامل شياع المثقف البارز وغيرهم كثر. لم نر تحركاً بالحجم الذي تحركت به السلطات بالقبض على الجاني الذي قتل الأستاذ الجامعي. بل الموضوع تعدى أن يكون حادث استهتار من قبل الضابط ورفاقه والطريقة الخاطئة والفجة التي تتعامل بها الحراسات وقوات الأمن ومرافقو الشخصيات السياسية التي نسمع كل يوم أن حادثا ً هنا وحادثا ً هناك من إهانة وضرب وتهديد بالقتل والقتل نفسه كما حدث. وحواث من هذا القبيل كثيرة وما لايكشفه الإعلام أكثر. فشرطي المرور الذي سجن وبعد ذلك نقل من النجف إلى الموصل لأنه تحدث مع والد أحدى عضوات مجلس محافظة النجف وطبق القانون تلقى تهديدا ً بالقتل بعد أن تسلم ظرف فيه رصاصة لم تشفع له لجنة تحقيق شكلها رئيس الوزراء بنفسه، والأعمى الذي تلقى ضربا ً مبرحاً وبعدها رموه بالسجن من قبل ثلاثة من حمايات إحدى النائبات بعد أن طلب منهم الرحيل من أمام باب محله حيث كانوا يغسلون سياراتهم الشخصية هناك في نفس محافظة النجف أيضا ً ولم نعرف ماذا حل به. أن حظوظ كل الذين ذكرتهم قليلة لأنهم تعرضوا للقتل والضرب ليس في موسم الإنتخابات!

ليس هذا فحسب، لقد أراد من يسعى إلى أن يستغل حادثة الضابط والأستاذ ليس إنتخابيا ً فحسب بل أراد أن يعمق الهوة بين العرب والكرد على إعتبار أن الجاني كردي والمجني عليه عربي وليلعب مرة أخرى على وتر القومية وكأننا بحاجة لجرح جديد يتجاوز الجرح الطائفي الذي لا نعرف كيف نوقف نزيفه إلى الآن. والتركيز على قومية الجاني لايخدم أحدا ً إلا السياسيين في تصفية حساباتهم فيما بينهم لكنهم يلعبون على هذا الوتر ويستغلونه بالرغم من تسلم قيادة عمليات بغداد الجاني ولو بعد مفاوضات طويلة. أتعرفون لماذا؟ نعم لأن الموسم موسم انتخابات وقيمة العراقي عالية في هذا الموسم فأياكم والخطأ بحق أي عراقي محسوب على كتلة أو جهة أو قومية أو طائفية لأن دمه سيصبح دما ً أزرقا.

كل الأمنيات بأن يكون العراقي ذا قيمة واحدة في كل المواسم ولا تتغير تلك القيمة بتغير المزاج السياسي. فالعراقيون بشر بعاملهم وأستاذهم، بعربيهم وكرديهم، بشيعيهم وسنيهم. نتمنى أن تتحرك السلطان للمطالبة بدم كل عراقي سفك دمه بلا ذنب أي كان ولايخضع ذلك للمساومات وللمزايدات السياسية. ولانتمنى أن يتمنى العراقي موته في موسم الانتخابات لأن هناك من سيطالب بدمه.