أسئلة عاجلة حول اغتيال الشهيد بديوي

مقدما، ولكي لا يفهم أحدٌ كلامي خطأ، أعلن حزني الشديد وغضبي الأشد إزاء هذه الجريمة التي راح ضحيتها الشهيد محمد بديوي الشمري مؤخرا.

فبكل تأكيد إن تلك الـ "ملاسنة" القاتلة كان يمكن أن تمر كما تمر مئات المشاحنات والملاسنات التي تحدث، عادةً، بين مواطنين كل يوم، في كل بقاع الدنيا العاقلة وغير العاقلة، المتحضرة وغير المتحضرة، المهذبة وغير المهذبة. فلو لجأ كل مواطن إلى سلاحه ورمى برصاصه أخاه المواطن الآخر بسبب ملاسنة لصار الكون بحيرة من دم.

ثم لو كان قادة السلطة في العراق الديمقراطي الجديد قد اشترطوا لتعيين تابعيهم وجنودهم وضباطهم ومدراء أمنهم ومخابراتهم أن يكونوا على خلق وأدب وذوق وتواضع، وأن يحترموا الناس ويحسنوا معهم المعاملة، ولو كانوا ضربوا بيد من حديد، من أول أيام حكمهم غير الرشيد، على كل من يتعدي على مواطن، كائنا من كان، لما سقط الشهيد بديوي مضرجا بدمه اليوم، ولا اغتيل غيره بالأمس ولا في قادم الأيام.

ولكن لأن ثقافة التواضع والتسامح والابتسام مفقودة لدى القادة فلابد أن تكون مفقودة أيضا لدى أعوانهم وحراس منازلهم وأفراد حمايتهم وحماية أبنائهم وبناتهم أيضا.

إن الجاني ضابط يرتدي ملابس الحكومة، ويتنكب سلاحها، ويحمل اسمها، ويحرس مواقع رئاسة جمهوريتها غير الفاضلة. يعني أن من وضعه في هذا المكان المهم والحيوي والحساس كان لابد أخضعه لاختبارات دقيقة وعديدة للتأكد من استقامته ورجاحة عقله وقوة ضميره وأمانته واحترامه لحياة الناس. ولكنه حين يسحب سلاحه ويرمي برصاصه مواطنا عراقيا عابرا، بسبب ملاسنة مرورية تافهة، حتى لو كان ذلك المواطن عاديا وليس صحفيا ولا مثقفا ولا أكاديميا، فمعنى ذلك أن الوطن أصبح غابة، وأن من صنع الغابة وأرسى مفاهيمها وربى عليها جنودها وضباطها، هم القادة الكبار.

ترى بماذا يختلف ضابط البشمركة الذي قتل الشهيد بديوي عن أي ضابط آخر من حزب الدعوة أو منظمة بدر، أو عن أي عنصر آخر من "مجاهدي" مليشيات أحزاب السلطة التي ضمها الحزب القائد إلى جيشه وقوى أمنه ومخابراته؟

وأظن، وبعضُ الظن ليس إثما، أن القائد العام للقوات المسلحة نوري المالكي ما كان ليهرع إلى مكان الحادث، ويحمل جثة الشهيد بيديه ويسلمها لذويه، لولا أن هناك أسبابا أخرى عديدة لا علاقة لها بالوطن والوطنية، ولا بالإنسانية، ولا بحرمة دماء المواطنين، ولا برفض ثقافة القتل والاغتيال.

وأسال، لولا الانتخابات القريبة وحاجة القائد العام للقوات المسلحة إلى شعبية تحفظ له الفوز بدورة ثالثة، على أساس "ماننطيها"، أكان تجشم عناء السفر من مكتبه في المنطقة الخضراء إلى موقع الجريمة في المنطقة الخضراء أيضا، برفقة جيش عرمرم من الجنود والضباط، لإلقاء القبض على الجاني، وبهذه السرعة الصاروخية العجيبة؟

لو كان القائد العام عودنا على هذا الحرص على حرمة الدم العراقي، من أول جريمة قتل راح ضحيتها مثقف أو صحفي أو أكاديمي عراقي، كامل شياع، مثلا، وهادي المهدي ووضاح حسن عبدالأمير ومئات الأطباء والمهندسين والخبراء وأصحاب الكفاءات العلمية الأخرى الذين تم اغتيالهم في حملة منظمة ومستمرة، ولو خصص لرعاية الثقافة والمثقفين جزءًا زهيدا من وقته الذي ينفقه بلا كلل ولا ملل على المناكفات والمشاكسات والمؤامرات وتلفيق الملفات وتسقيط الخصوم، ولو خصص بعضا قليلا من أموال الدولة، وهي سائبة على إنصاف المثقفين، وبالأخص المعوزين والمرضى والعجزة منهم، في الداخل، وعلى استرضاء المثقفين والعلماء والخبراء والمبدعين المهاجرين أو المهجرين، وإعادتهم إلى أحضان الوطن وتعويضهم واحترام حقوقهم وكراماتهم، لاعتبرنا نخوته في مقتل الشهيد بديوي أمرا عاديا غير مستغرب، لأنها ستكون، عندئذٍ، صادرة عن زعيم وطني حقيقي نزيه وغيور على شعبه، يهتز ضميره غضبا لقطرة دم واحدة تراق في دولته العادلة، خصوصا إذا كانت تلك قطرةً من دم واحدٍ من قادة الثقافة والأدب والفن والصحافة، ُبناة حاضر الوطن ومستقبل أجيال القادمة.

أو على الأقل لو أظهر لنا القائد العام شيئا من سعة صدره للثقافة والمثقفين ولم يقمع تظاهراتهم السلمية بقوة النار والحديد، ولم يوعز باعتقال ناشطيهم، واغتيال البعض منهم بالكواتم، واختطاف آخرين ليلا ورمي جثثهم في المزابل صباحا، لكنا اعتبرنا حماسه في محاصرة قاتل الشهيد بديوي وإصراره على اعتقاله، بسرعة وحزم، حبا بهم، وخوفا على دولته من غضبهم واحتقارهم ولعناتهم التي سوف تلاحقه كما لاحقت سلفه وسلف أسلافه الآخرين.

هل تابعتم فصول هذه المهزلة؟ فور سماع القائد العام بالجريمة لاح لي كأن عازفا ماهرا ضرب على بيانو ضربة واحدة لينطق بعدها ضجيج الفرقة كلها دفعة واحدة. فالحكومة وحزبها ووزراؤها وصحفها ومحطات إذاعتها وتلفزيونها تهب من غفوتها وتمطر اللعنات على القاتل الأثيم. ثم يتنادى قادة جيشها وشرطتها لاستنكار الجريمة والمطالبة بالقصاص. ليس ذلك وحسب، بل يأمر القائد العام بطرد البيشمركة من المواقع الرئاسية، ويكلف قوات بغداد، وهي قواته الخاصة، بحمايتها. وربما كان هذا هو المطلوب.

لدي سؤال آخر. وأيضا أرجو ألا يفهمني أحدٌ خطأ. لو لم يكن الجاني كرديا، ولو لم يكن من البشمركة، ولو لم يكن يعمل في المواقع الرئاسية في الجادرية، هل كانت هبت كل تلك العواصف والزلازل والرعود لمقتل مواطن عراقي واحد من عشرات ومئات يسقطون كل يوم في بغداد وفي مدن العراق الأخرى بسلاح جيش الحكومة وأمنها وجواسيسها، أو تحصدهم مفخخات القاعدة وداعش ومليشيات السيد الرئيس؟

سؤال آخر. ترى لو لم يكن الشهيد مديرا لإذاعة أميركية تبث من بغداد وللمالكي حاجة لدى سفارتها العامرة هل كان القائد العام يفعل ما فعل؟

سؤال أخير. لو كان الجاني من حزب الدعوة أو من دولة القانون أو من حرس السفارة الإيرانية في العراق أكان القائد العام قد ثار واستشاط غضبا وهرع إلى مكان ارتكاب الجريمة بنفسه ولم يغادر إلا ويده على رقبة الجاني؟ لا أظنه يفعل.