الاردن يشرب مياه البحرين

بلد يهدده العطش

عمّان ـ يواجه الأردن، الذي يُعد واحداً من أكثر بلدان العالم ندرة في المياه، "عاصفة من الضغوط الهائلة"، من بينها الندرة المزمنة، والإفراط في الاستخدام، والهدر، والزيادة الهائلة في الطلب الناجمة عن تدفق اللاجئين إلى أراضيه، وفقاً لتقرير نشرته المنظمة غير الحكومية "فيلق الرحمة"هذا الشهر.

وبالإضافة إلى الإجهاد المائي، تمر البلاد حالياً بأكثر مواسم الأمطار جفافاً منذ عدة عقود.

ومن المقرر تنفيذ أحد الحلول المقترحة بحلول منتصف 2018 بعد توقيع الأردن على اتفاقية تقاسم المياه المثيرة للجدل مع إسرائيل والسلطة الفلسطينية في ديسمبر/ كانون الاول 2013، بعد عقود من المباحثات.

وتجدر الإشارة إلى أن هذا الاتفاق يمهد الطريق لتنفيذ مشروع ناقل مياه البحرين الأحمر والميت الذي يُناقش منذ فترة طويلة، وإن كان نقل المياه سيتم على نطاق أصغر بكثير.

ويشمل المشروع بناء محطة لتحلية المياه في ميناء العقبة الأردني، والتي ستقوم بتحلية ما بين 800 والف مليون متر مكعب سنوياً تتقاسمها البلدان المشاركة، وضخ الماء المالح لإحياء البحر الميت عبر خط أنابيب/قناة بطول 180 كيلومتراً.

وقد أفادت وزارة المياه والري أن الأردن سيختار المقاول بحلول أبريل/ نيسان 2015، وستبدأ أعمال البناء في نهاية عام 2015، وسيستغرق التنفيذ ما يقرب من عامين ونصف.

وقال نبيل الزعبي، مدير برنامج البحر الأحمر - البحر الميت في الوزارة "بهذا، سنكون قد تمكنا من حل مشاكل الأردن لثلاثين سنة مقبلة على الأقل".

ومن المتوقع أن تنتج المحطة 80 مليون متر مكعب على الأقل كل عام، وفقاً للزعبي، الذي أضاف أن "إسرائيل سوف تشتري ما يقرب من 50 مليون متر مكعب من الأردن بتكلفة 0.42 دولار أميركي لكل متر مكعب، وسيذهب الباقي - حوالي 30 إلى 40 مليون متر مكعب - إلى محافظة العقبة الأردنية".

وينص الاتفاق على حق الأردن في شراء حوالي 50 مليون متر مكعب من المياه من إسرائيل (من بحر الجليل) لتوفير المياه للعاصمة عمّان والجزء الشمالي من الأردن.

وأفاد الزعبي أنه "لا توجد طريقة أخرى يستطيع الأردن من خلالها معالجة ندرة المياه، نظراً لتزايد عدد السكان والتحديات الناجمة عن تغير المناخ".

مخاوف زيادة التكلفة

ولكن بعض الخبراء عبروا عن مخاوف بشأن مشروع ناقل البحرين بسبب التكلفة المقدر بنحو 4 مليارات دولار، والمخاطر البيئية المحتملة التي ستنجم عن نقل الماء المالح إلى البحر الميت.

وقالت خبيرة البيئة وتغير المناخ أمل دبابسة "هذا هو الحل المناسب، لكنه صعب للغاية نظراً للسياق السياسي الحالي والاضطرابات الإقليمية والموقع الجغرافي وارتفاع تكلفته،" مضيفة أنه "سيتم تنفيذ المشروع على طول الوادي المتصدع، الذي يشهد نشاطاً زلزالياً كبيراً، وهذا سيجعل أي جهة مانحة تفكر مرتين قبل تمويل مثل هذا المشروع".

وفي هذا السياق، حصل المشروع على دعم معنوي وفني من البنك الدولي، الذي نشر دراسة جدوى حوله، ولكن حتى الآن لم يتم تخصيص أي تمويل لهذا المشروع، ولا يزال من غير الواضح من الذي سيتحمل نفقات البنية التحتية.

ويقول الأردن أنه يحاول تأمين التمويل لمرحلة خط الأنابيب في المشروع من دول "مجاورة وصديقة". وأوضح أن "إنقاذ البحر الميت مسؤولية دولية ولا تقع على عاتق الأردن فقط".

وقال مكتب البنك الدولي في الأردن أن "الأردن مؤهل للحصول على قروض وصكوك مالية من البنك الدولي ولكنه لم يطلب أي مساعدات مالية \'لمشروع الربط بين البحرين\' الأحمر والميت".

الأثر البيئي

وفضلاً عن توفير مصدر للمياه العذبة في بلد يعاني من ندرة المياه، يهدف مشروع خط الأنابيب إلى إحياء البحر الميت، الذي ينحسر بمعدل يزيد عن متر واحد سنوياً.

وأفادت دبابسة أن "هناك نظاماً بيئياً فريداً من نوعه في منطقة البحر الميت - النباتات والطيور والحشرات والكائنات الدقيقة التي يجب حمايتها. وأيضاً استخراج المعادن \'لمنتجات التجميل\' مهم جداً للأردن، ويجب الحفاظ عليه".

ولكن خبيرة المياه والاستشارية الدولية فاليري يورك تقول أن "كميات المياه/المياه المالحة التي سيتم توجيهها إلى البحر الميت لن تزيد عن جزء ضئيل من الكمية المطلوبة للتعويض عن الانخفاض السنوي في منسوب البحر الميت".

وأضافت أنه "علاوة على ذلك، هذا الربط بين البحر الأحمر والبحر الميت يمكن أن يؤدي إلى كارثة بيئية".

وقالت يورك ان اختلاط مياه البحرين "\'إدخال ماء مالح إلى البحر الميت\' يمكن أن ينتج عنه تفاعل كيميائي من شأنه أن يؤدي إلى تكون الجبس والطحالب".

وفي السياق نفسه، أصدرت وزارة المياه والري الشهر الماضي بياناً يحذر من أنها بالفعل تشعر بالقلق إزاء "تلبية احتياجات الناس" لمياه الشرب هذا الصيف بعد هطول 31.3 بالمائة فقط من متوسط الأمطار السنوية المسجل على المدى الطويل هذا الشتاء (موسم الأمطار)، مما جعل منسوب المياه خلف السدود الأردنية ينخفض إلى 43 بالمائة من طاقتها.

و أوضحت يورك في ورقة عمل "ونظراً لقلة الموارد الإضافية داخل البلاد التي يمكن تطويرها لتضييق الفجوة، يمكن أن يواجه الأردنيون الفقر المائي المطلق بمعدل 90 متراً مكعباً سنوياً فقط للشخص الواحد بحلول عام 2025".

وترى يورك والعديد من خبراء البيئة في هذا الصدد أن الحل البديل لمشاكل المياه في الأردن هو التقاسم الأفضل للمياه الإقليمية والاستخدام الأفضل للموارد المتاحة. ويشعر العديد من الخبراء بالقلق من أن مشروع خط الأنابيب لن يوفر القدر الكافي من المياه، وسوف يستغرق إنشاؤه عدة سنوات، بينما يستمر تفاقم أزمة المياه في الأردن.

ندرة حادة

وفي أحسن الأحوال، يحتل الأردن المرتبة الرابعة بين أكثر بلدان العالم ندرة في المياه، حيث يبلغ نصيب الفرد من المياه 145 متراً مكعباً في العام الواحد، بعد أن كان يبلغ 360 متراً مكعباً في عام 1946، أي قبل عامين من استقبال الأردن لحوالي 700,000 فلسطيني فروا من ديارهم جراء حرب 1948.

وتواجه المياه الجوفية، التي تشكل 54 بالمائة من إجمالي إمدادات المياه، تحدياً يتمثل في "الاستخراج غير المستدام" بسبب "النمو السكاني والتوسع الزراعي"، وفقاً لاستراتيجية الحكومة في مجال المياه للفترة من 2010 إلى 2022. ويحذر خبراء المياه من أن مصادر المياه الجوفية في الأردن تتعرض للاستغلال المفرط بنسبة تصل إلى 200 بالمائة من مستوى العائد المأمون.

وأفاد عاطف الخرابشة، من المركز الدولي لبحوث المياه والبيئة والطاقة في جامعة البلقاء التطبيقية، أن "عشرة من كل 12 مصدراً للمياه الجوفية في الأردن يواجه الإفراط في استخراج المياه، وأحياناً بضعف معدل التغذية المتجددة تقريباً".

وأضاف أن "هذا أمر مقلق نظراً لاستمرار النمو السكاني".

ومن الجدير بالذكر أن الوضع ليس أفضل حالاً فوق سطح الأرض، فقدرة الأردن على الوصول إلى المياه السطحية محدودة وتخضع لاتفاقات المياه الدولية. ويتهم الأردن إسرائيل منذ فترة طويلة بالإفراط في ضخ مياه نهر الأردن، التي أصبحت الآن شديدة التلوث ويدعي أيضاً أن سوريا تنتهك اتفاقية 1987 بشأن تقاسم نهر اليرموك.

وأشارت دبابسة إلى أن "سوريا شيدت أكثر من 47 سداً على نهر اليرموك، مما يعوق وصول الأردن إليه.

ضغط الضيافة

وقد استقبل الأردن أكثر من 1.3 مليون سوري منذ بداية الأزمة السورية، وتم تسجيل أكثر من 600 الف منهم كلاجئين في مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.

وقد أضاف هذا ضغطاً هائلاً على الموارد المائية المحدودة في البلاد. ويستهلك مخيم الزعتري، الذي أصبح موطناً لنحو 92 الف سوري، أكثر من مليون لتر من المياه يومياً، وفقاً لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف).

وقد نتج عن ذلك تأخير وحتى انقطاع إمدادات المياه الحكومية للمواطنين الأردنيين، مما أثار احتجاجات وأعمال شغب، وخاصة في المحافظات الشمالية، حيث يقيم أكثر من 80 بالمائة من السوريين في المجتمعات المضيفة.

وحتى شراء المياه أصبح "ضرباً من المستحيل" بالنسبة لبعض الأردنيين. قال أحمد مساعيد، وهو أحد سكان مدينة المفرق الأردنية، "إننا نتوسل إلى الشاحنات لكي تتوقف وتبيع لنا بعض الماء، ولكنها تواصل المضي في طريقها إلى المخيم \'لزعتري\'" مضيفاً أن "الأمور لم تكن بهذا السوء أبداً قبل عامين". (ايرين)