فحوى رسالة بوتفليقة: الشعب يريد والرئيس يفعل ما يريد

بعث بوتفليقة رسالة من وراء أسوار قصر المرادية في حركة تحقيرية لشعب المليون شهيد بمناسبة انطلاق حملة الانتخابات الرئاسية بالجزائر، ونحن نعرف والعهدة على الصورة أن الرئيس لا يتحرك وكلماته لا تخرج مترابطة متكاملة وبالكاد يفك الغاز الحروف! رسالة يحث فيها على التصويت له وأول شيء يريده "إجراء مراجعة للدستور في غضون السنة الجارية"، وكأن هذا التغيير هو ما تنشده الجماهير. فآخر شيء في جدول اهتماماتها تغيير البنود والفصول التي استطاع النظام تدجينها حسب الهوى والمصلحة.

لكن ما يريده الشعب، هو الكرامة وقبلها الإحساس بمشاكله والعمل على حلها، ما يريده الشعب الجزائري عمل يرد به الاعتبار ويسد به الرمق وينقده من وحل الفقر، ما يريده الشعب مشافي يتعالج فيها من أمراض مستعصية.

في زمن بوتفليقة يمكنهم أن يعطوكم الصورة التي يريدون، تسويق لا تجدونه إلا في أحضان نظام عسكري ديكتاتوري يلعب بالبيضة والحجر بلا خوف على مصير شعب ضحى من اجل حريته وكرامته فأصبح رهينة عصابة من العواجيز لا تعترف بقوانين الطبيعة. فكل شيء لديهم مملح بنكهة المصالح وتحكم موازين اللاقسط واللاعدالة، ودفاع عن الحق والمصير، بالطبع عندما لا يهدد مصيرهم وامتيازاتهم.

يريد الرئيس في رسالته "إيجاد الظروف السياسية والمؤسساتية التي تتيح بناء نموذج من الحكامة يتجاوب وتطلعات شعبنا وآماله". يعني أن السنوات التي قضاها في الحكم ضاعت بلا جدوى بحثا عن الظروف، وأراهن على أن عشرين سنة أخرى لن يجد خلالها تلك الظروف أبداً، فالرئيس يريد، والشعب الجزائري يريد بالمقابل ذهاب تلك المؤسسات التي عشعش فيها الفساد وعمت فيها الفوضى وارتسمت على مداخلها رداءة التدبير والتسيير.

مشاكل بالجملة لن يقدر على حلها في عهدة أو عهدتين من يملك القدرة البدنية والاستعداد الذهني، فما بالك بمن قال يوما انه "طاب جنانو" بلهجة محلية تعني أن بوتفليقة قد فعل السن والمرض فعلتهم في بدنه، هذا الرئيس الشيخ العليل الذي يعاند هو نظامه قوى الطبيعة، يقاوم ما يريده الشعب.

فالشعب يريد، رفع اليد البيروقراطية المقيتة التي تثقل الكاهل وترهب الحرية والإبداع والاستثمار، يريد قوانين مرنة تحد من التسلط وتحمي الحقوق وتضمن العدالة.

الشعب يريد، حكامة حقيقية تعمل على التدبير الأحسن للثروات والموارد بشكل عقلاني. لقد افرغ هذا النظام الهرم عقلا وجسدا كل اشكال الممارسة الديمقراطية من محتواها جعل الاستثمار في تنمية البشر غير ممكن ومستحيل.

في هذه العهدة الرئاسية وما قبلها لا يمكن الحديث عن المشاركة عبر الصناديق في صناعة القرار ووضع البرامج والسياسات، لأنه لا وجود لضمانات حقيقية تحمي الحرية في التعبير والحق في الاعتراض، مع وجود اللوبيات المضادة لكافة الحريات العامة والشفافية، لانها تخشى من الرقابة والمحاسبة.

لقد فاز بوتفليقة عندما بصمت له أصابع الجنرال بالثلاث فلم يتجرأ على تطليق السلطة لولايات ثلاث لم تطله الإزاحة ويد القدر التي ساهمت يد القدر من ابتعاد الوفاة عن طريقه أما رصاصات الإغتيال فلم تصله، ولم يكن كالآخرين قبله وهم يقالون أو يغادرون أو يُغتالُون.

في هذه العهدة وما قبلها لا حديث عن المشاركة عبر الصناديق في صناعة القرار ووضع البرامج والسياسات، لأنه لا وجود لضمانات حقيقية تعمل على حماية الحرية في التعبير والحق في الاعتراض مع وجود اللوبيات المضادة لكافة الحريات العامة واعتمال الشفافية لأنها تخشى من الرقابة والمحاسبة

في الرسالة، بوتفليقة يشرح ويدعم موقفه في الترشح رغم إعاقته البدنية، ويرد مسؤولية استمرائه كرسي السلطة إلى أفراد الشعب الذي قال عنهم "أراكم أبيتم إعفائي من أعباء تلك المسؤوليات الجلى التي قوضت ما قوضت من قدراتي"، ولهذا فهو سيكون شهما ولن يخيب أمل هذا الشعب الذي راقته الإصلاحات وذاق طعمها والتف في ديباجها، والرئيس متيقن من أن ما تبقى من صحته المهترئة أصلاً وأمام إلحاح الشعب الجزائري فانه سيبذل "بقية ما تبقى لدي من قوة في استكمال إنجاز البرنامج الذي انتخبتموني من أجله المرة تلو الأخرى".

ثبت أن هذا الرجل يحمل المقلاع بيد والمنجل بأخرى واقسم بأغلظ الأيمان أن من تجرأ على الاقتراب من كرسيه الهزاز فلن يرحمه، فدائما ما ردد بأنه صاحب الإسهامات الكبيرة في إحلال السلم الأهلي بالجزائر ورفعها إلى مصاف الدول العظمى، وأن السلطة سيدة لا يريدها فهي من تحبه وتطارده..

لا عليك أيها الرئيس، نم قرير العين، فالقطط السمان ستتولى عنك المهمة المقدسة بقيادة عبد المالك سلال، مدير حملتك وأمين عام الآفلان عمار سعداني الذي سيجوب مدن فرنسا لتسويق منتوجك الاكثر تحنيطا في العالم، بكل تأكيد الحملة تتوفر على الدعم اللوجيستيكي والإنزال البشري بالداخل والخارج، فأموال النفط التي دأب هذا النظام في صرفها على كل ما لا ينفع عموم الشعب تذهب إلى صناديق سوداء، وتتقاذفها الأيادي والاظرفة في هكذا مناسبات.

حملة المتناقضات ستجمع المختلفين في الأداة والمتفقين على الهدف في الحفاظ على المواقع، فأين نحن من القوانين الجزرية التي تطال من يستغل موارد الدولة من اجل الحملة الانتخابية، والكل يعلم أن الإعلام والمؤسسات المدنية والأمنية ورجال المال والأعمال مجندون بالكامل للدفع بعجلة كرسي بوتفليقة والتمسك به كمنقذ لامتيازاتهم وبقائهم في مواقعهم بشكل أو بآخر.

جاء في رسالة بوتفليقة أن البلاد عرفت "إطلاق وإنجاز برامج تنموية متعددة القطاعات على امتداد التراب الوطني" فأين نتائجها على الأرض، مع ازدياد أعداد الفقراء الذين يعيشون الجهل والمرض والفقر والجوع والمعاناة.

في هذه العهدة الرابعة، أطلب من الشعب أن يتوب توبة نصوحا من قولة الديمقراطية، ومن طلباته الكثيرة بالتغيير، وبالمرة ينفض ذاكرته مما علق بها من وعود وآمال الإصلاح والوصول إلى عتبات الدول المتقدمة ديمقراطيا وسياسيا واقتصاديا.

بغض النظر عن فحوى رسالة بوتفليقة واليد التي دبجتها، فالثقة في بندقية العسكري وتجاهل أنات الشعب قاعدتين ناجحتين في تولي السلطة والمحافظة عليها بكل بساطة.