كردستان وتصريحات نوروز الحالمة

يبدو ان الاحساس المفعم بالحرية الذي يضفيه شهر نوروز على النفوس يؤثر على نفسية السياسي الكردي ايضا ويجعله يتصور انه قادر على فعل اشياء غير قابلة للتحقيق، فما ان يقترب عيد نوروز حتى تبدأ حمى التصريحات النارية للمسئولين في حكومة الاقليم، فتارة يهددون المركز بالانفصال اذا لم تنفذ طلباتهم وأحيانا اخرى بالويل والثبور وعظائم الامور ان لم يستجيب المركز لمطالبهم المشروعة.

تتصاعد وتيرة التصريحات الكردية لتتوقف قبيل نوروز ويفاجأ المواطن الكردي بان هدية حكومة الاقليم له في يوم نوروز تكون بعدوله عن كل تصريحاته وتهديداته ليتعكر صفو الاحتفال بعيد نوروز وتنطفئ نار "كاوة" على برودة الموقف السياسي الكردي وكأن شيئا لم يحدث.

ترى ما الهدف من توتير العلاقة بين الاقليم والمركز في قضايا خاسرة سلفا؟

نستطيع فهم سياسة سقف المطالب العالي التي ظل الاقليم عاكفا عليها منذ 2003 وليومنا هذا. ولكن ما لا يمكن فهمه هي سياسة رفع سقف التهديدات التي بدا يمارسها الاقليم في السنوات الاخيرة. ويبدو ان حكومة الاقليم تستند في تهديداتها على وعود تقدم اليها من هذه الدولة او تلك في دعم مواقفها هذه ولكن سرعان ما تتراجع هذه الدول عن وعودها لتضعها في مواقف سياسية محرجة امام الرأي العام الكردستاني.

فموقف الولايات المتحدة اليوم اصبح اكثر انفتاحا على المالكي منه على الاقليم ولا يمكن اعتبار عبارات المجاملة التي يطلقها بعض المسئولين الاميركيين بخصوص وحدة المواقف الكردية الاميركية تعني توحيدها بما يخدم المصالح الكردية بقدر ما تعني دفع الكرد لاتخاذ مواقف تتوازى مع المصالح الاميركية في العراق حتى وان ادت الى فقدان الكورد لمكتسباتهم الواحدة تلو الاخرى. اما بالنسبة للموقف التركي فانه اضعف من ان يعتمد عليه الاقليم "هذا ان حسننا الظن بالموقف التركي" وإلا فانه يبدو ان تركيا تتقصد ايصال ازمات الاقليم مع المركز الى حافة الهاوية بإظهار دعمها اللامتناهي لمواقف الاقليم ثم لتتراجع كي يفقد الاقليم قوته السياسية مع المركز تدريجيا.

في بداية ازمة تصدير النفط الكردستاني بدا الاقليم واثقا من قدرته على كسب هذه الجولة والذهاب الى اخر الشوط في هذا الملف وقد بدت هذه القوة في التصريحات القوية للساسة الاكراد والتي كانت تشير الى ان الاقليم ماضي في هذا المشروع حتى وان لم توافق بغداد عليه، إلا ان تكرار زيارات الساسة الاكراد الى تركيا كشفت تراجع الموقف التركي الذي "توج" بقبول الاقليم بإشراف المركز على صادراته النفطية الامر الذي كان يرفضه رفضا قطعيا في البداية.

الاتفاق الاخير قد يؤوله الساسة الاكراد بأنه يصب في صالح الاقليم باعتبار ان كمية المائة الف برميل يوميا ليست هي الكمية النهائية التي يستطيع الاقليم تصديره ولكن هذا التأويل يفقد معناه عندما نراجع التصريحات الاميركية والتي تشير الى ضرورة مراجعة الكميات المصدرة في كل فترة مما يفقد الاقليم هامش المناورة في هذه النقطة ويجعل من اي كمية اضافية للنفط المصدر تندرج ضمن نفس الاتفاق. وهكذا يقع الاقليم مرة اخرى في شرك الحكومتين التركية والأميركية ويضيع ورقة الضغط الاخيرة التي كان يمتلكها للضغط على الدولتين في طرح موقف جديد يصب في صالح توجهات الاقليم.

الوضع الكردي الحالي يتلخص بالتالي. اقليم غير مصرح له بالانفصال وغير مصرح له بالدفاع عن نفسه بشراء اسلحة هجومية او حتى دفاعية. اقليم يعاني من اقتصاد غير مستقل يعتمد على ما يجود عليه المركز من ميزانيته. اقليم يفقد يوما بعد كل المكتسبات التي كان يتمتع بها سابقا ليفقد قوته السياسية والاقتصادية امام المركز.

اود هنا بمناسبة اعياد نوروز ان اهنيء حكومة اقليم كردستان بفقدان ثقة الشعب الكردي بتصريحات ساستها وقدرتهم على تنفيذ ما يصرحون به من تهديدات وأحلام ونبارك لهم قدرتهم في تجريد انفسهم من كل مصداقية امام الشعب الكردي. فليست وحدها حنان الفتلاوي من تقول الان بعدم قدرة الاقليم على فعل شيء بل يشاركها في ذلك كل الشعب الكردستاني. وبهذه المناسبة اقدم اعتذاري الشديد للنائبة حنان الفتلاوي عندما انتقدناها على تصريحاتها ضد حكومة الاقليم وأود ان اقول بأنه يبدو انك تعلمين قدرات حكومة كردستان اكثر مما نعرفها نحن ابناء الشعب الكردستاني.