قمة 'تفاءلوا بالخير' العربية... خليجية

لا شيء في قمة الكويت العربية المرتقبة في الخامس والعشرين والسادس والعشرين من الشهر الجاري أهم من الموضوع الخليجي، بل يمكن القول بكل ثقة ان القمة العربية هي قمة خليجية كون ازمة سحب السعودية والامارات والبحرين سفراءها من قطر هي العنوان الابرز الذي غطى على كل العناوين الاخرى.

ثمّة موضوع آخر سيطرح نفسه أيضا. انه موضوع العلاقة بالعراق في ضوء الخطاب التصعيدي لرئيس الوزراء العراقي نوري المالكي الذي أثار المملكة العربية السعودية ودولة الامارات العربية المتحدة التي تضامنت مع الرياض وذهبت الى حدّ مقاطعة وفدها لكلمة ممثّل العراق في دورة مجلس وزراء الداخلية العرب التي انعقدت حديثا في مراكش.

قبل خمسة أيام من القمة، عقد الشيخ صباح الخالد نائب رئيس الوزراء وزير الخارجية والدكتور نبيل العربي الامين العام لجامعة الدول العربية والشيخ محمد عبدالله المبارك وزير الدولة لشؤون مجلس الوزراء مؤتمرا صحافيا.

أعلن وزير الخارجية الكويتي أن شعار القمة سيكون "قمة التعاون من أجل مستقبل أفضل"، فيما أشار الشيخ محمد العبدالله الى ان ثلاثة عشر رئيس دولة أكدوا حضور القمة حتى الآن. أما الامين العام لجامعة الدول العربية فكشف أن المقعد السوري سيظل "خاليا" على الرغم من أنه سبق لاجتماع وزاري عربي أنعقد قبل سنة أن حسم موضوع شغل المقعد لمصلحة "الائتلاف الوطني". لكنه أوضح أن تنفيذ القرار ما زال يحتاج الى اجراءات. سعى العربي بعبارات ذات طابع بهلواني الى تبرير عدم شغل "الائتلاف الوطني" المقعد السوري في قمة الكويت.

هنا في الكويت، كل مسؤول سياسي تلتقيه او اعلامي تناقشه او خبر تقرأه، يركّز بقوة، بل بشكل حصري، على الازمة الخليجية وما اذا كانت مرشحة للتصعيد او التهدئة. يميل الديبلوماسيون الكويتيون بطبعهم الى الابتعاد عن الاثارة وهم الذين تخرجوا من مدرسة الامير الشيخ صباح الاحمد الذي توج تاريخه العريق بلقب اطلقه عليه الامين العام للامم المتحدة... "زعيم الانسانية". تراهم خلية عمل حاملين ملفاتهم المتعددة وكأن القمة تعقد في ظروف طبيعية، وحين تسألهم عن القادم من وساطات وتسويات يبتسمون ويكتفون بعبارة: "تفاءلوا بالخير". هل يكفي التفاؤل بالخير حتى تمرّ قمة الكويت بسلام؟

لماذا تحرص الكويت على رأب الصدع في البيت الخليجي وتحديدا في هذه المرحلة؟ نائب رئيس الوزراء وزير الخارجية اعطى جزءا من الاجابة حين قال ان مجلس التعاون الخليجي اساسا هو فكرة كويتية، تبلورت في ايار- مايو 1981 في قمة أبوظبي برعاية الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله. طرح الفكرة الامير الراحل الشيخ جابر الاحمد. كانت هذه الفكرة ضرورية لمواجهة عواصف اقليمية في العقود الثلاثة الاخيرة من القرن الماضي، استشعرت وجودها القيادة الكويتية وعملت على تأسيس كيان يحصن هذه المنطقة ما امكن من تداعيات المحيط.

وفّر مجلس التعاون لدول الخليج العربية الغطاء المطلوب لدول الخليج طوال الحرب العراقية-الايرانية التي استمرّت ثماني سنوات والتي كان يخشى في كلّ لحظة امتدادها الى دول الجوار، على رأسها الكويت.

نسأل وزير الاعلام الشيخ سلمان الحمود الصباح هل تتصرف الكويت بموجب انها "أم الصبي" كونها صاحبة فكرة انشاء المجلس؟ يبتسم ويجيب: "اذا كان الامر يتعلق بمسعى يصب في النهاية لمصلحة التنسيق والعلاقات المشتركة والاستقرار والتقارب، فالكويت ليست فقط أم الصبي في الخليج، بل تتصرّف على هذا النحو في أي أزمة تتطلب حضورها التوفيقي".

الجزء الآخر من الاجابة تجده عند مسؤولين رفيعي المستوى رفضوا ذكر اسمائهم، ويتمثل في العبارة الآتية: "اذا كنا موحدين وعلى قلب واحد وضمن اتحاد واحد فيمكن ان نصمد بصعوبة في مواجهة القادم من الايام، فما بالكم والانقسامات تكاد تنحر مجلس التعاون؟". انها صراحة ليس بعدها صراحة تعكس القلق الخليجي من استمرار الانقسامات بين دول المجلس في وقت لم يعد سرّا أن هناك شبه قطيعة بين السعودية والامارات والبحرين من جهة وقطر من جهة أخرى.

ويضيف هؤلاء المسؤولون "ان سياسة الرئيس اوباما التي عبر عنها في حديثه الاخير لـ'بلومبرغ فيو' لا تبشر بالخير، خصوصا اذا عطفنا الحديث على اعجاب اوباما بالاتفاق مع ايران وعلى حديث سابق له يفيد بما معناه ان تمكن الولايات المتحدة من انتاج النفط الصخري سيحررها من العلاقة مع دول الخليج".

يكمل هؤلاء ان اوباما "طلب من حلفائه السنة في المنطقة 'التكيّف' مع المتغيرات التي فرضها الاتفاق الجديد مع ايران، وانه وجه رسالة قوية الى دول الخليج عند حديثه عن التطرفين السني والشيعي من خلال اشادته بايران ورؤيتها وسياستها وقوله انها 'دولة لا تريد ان تنتحر'".

وفي ظل ما يجري سوريا وعراقيا ويمنيا وبحرينيا ولبنانيا، يدرك المسؤولون الكويتيون ان اتجاهات الريح قد لا تجري بما تشتهي سفن الخليج، خصوصا ان العلاقات الخليجية – الاميركية لم تكن في تاريخها مبنية على انعدام الثقة كما هي اليوم، وان "الشقيقة الكبرى" المملكة العربية السعودية تشعر انها تضرب من بيت حليفها الدولي ومن بيت أبيها المحلي، ولذلك نحت سياستها قليلا الى الحزم بعكس المرونة التي كانت تبديها سابقا، والسبب كما يقول وزير سعودي في الفريق الممهد للاعداد للقمة: "ان الاجتهادات في اللحظات المصيرية غير مستساغة". وفي المقابل، يرى القطريون انهم يوافقون على كل القرارات المتعلقة بالبيت الخليجي لكن من حقهم الحصول على هامش في ما يتعلق بالسياسة الخارجية. هل يمكن لهذا الهامش أن يجدد مبرّرا له عندما يتعلّق الامر بخطر من النوع الذي يشكلّه "الاخوان المسلمون" الذين يعملون عبر تنظيمهم العالمي على اثارة القلاقل في كلّ دولة خليجية بما يمسّ الاستقرار ويسيء الى السلم الاجتماعي؟

لكن السؤال هو هل يمكن فصل السياسة الخارجية عن الشؤون الداخلية للبيت الخليجي خصوصا بعد وضع لائحة الارهاب وفي قلبها "الاخوان المسلمون" و"حزب الله" (السعودي)؟ بمعنى آخر هل يمكن ان يبقى ايقاع السياسة الخارجية الخليجية متناغما مع دولة مثل ايران سعت بكلّ ما تمتلكه من امكانات الى اختراق الدولة العربية الاكبر، على كلّ الصعد، طوال السنة التي أمضاها الاخواني محمّد مرسي رئيسا لمصر؟

الامر نفسه ينسحب على التطورات في سوريا والعراق واليمن... وهنا تبرز اهمية أن تكون الكويت هي الطرف المستقبل للقمة ومشاكل دولها كونها ما زالت حتى الان تتمتع بعلاقات جيدة وممتازة مع دول الجوار، وهي الطرف الذي يتوسط لاخماد شرارة الخلافات من دون التقليل منها او الاستهانة بها لأن النيران الكبيرة دائما من... مستصغر الشرر.

هنا يقولون "تفاءلوا بالخير"... القمة بعد ايام. لننتظر.