المسلمون من أوائل حماة البيئة

منهج شامل لعلاج قضية البيئة

صدر العدد 65 (مارس/آذار 2014) من كتاب الرافد عن مجلة الرافد في دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة، بعنوان "حماية البيئة في الحضارة الإسلامية" لمؤلفه الدكتور محمد يونس، الذي كشف للقراء كيف أسهم الإسلام بحضارته في مجال المحافظة على الوسط البيئي وحمايته من التلوث، من خلال إجراءات عملية وميدانية أوصت بها التشريعات الدينية، فضلاً عن اجتهادات العلماء المسلمين حول المبادئ والأسس المكتشفة للبيئة المحيطة بالإنسان.

ويتناول الكتاب في ثلاثة فصول ما توليه الحضارة الإسلامية لهذه القضية من اهتمام متميز على مستويات عديدة، تجسد في مجملها منهجاً شاملاً لعلاج هذه المشكلة، حيث يعرض الفصل الأول منه مفهوم البيئة ومكوناتها وأبرز مشكلاتها ومظاهر الاهتمام العالمي بإمكانية حلها. في حين يتناول الفصل الثاني مفهوم البيئة في التصور الإسلامي، ويعرض الفصل الثالث مصادر ووسائل المنهج الإسلامي في حماية البيئة من التلوث والحفاظ على المصادر الطبيعية.

يسعى الدكتور محمد يونس إلى إثبات أن مسألة الاهتمام بالبيئة التي ظهرت في أوائل القرن العشرين، وبصورة خاصة لدى الغرب، إنما ظهرت منذ أكثر من عشرة قرون من قبل علماء المسلمين الأوائل، في عملهم على المفهوم الإصلاحي للعالَم البيئي المحيط. وهنا يرجع في دراسته أن الإسلام يربط البيئة بمجمل المنظومة الإيمانية للمسلم: "فالمسلم يؤمن بإله واحد خالق الكون ومنزّل القرآن الكريم". كما يشير إلى استخدام علماء المسلمين كلمة بيئة بمفهومها الاصطلاحي منذ القرن الثالث الهجري.

ويؤكد: "يحفل القرآن والسنة النبوية بالعديد من النصوص التي توضح بجلاء علاقة الإنسان بالبيئة التي يعيش فيها. هذه النصوص توضح أن الله تعالى قد خلق الكون بمن فيه وما فيه من كائنات ومكونات وسخرها الله تعالى للإنسان لكي يعمر الأرض ويعبد الله، وأنزل تعالى للإنسان الرسل هادين ومبشرين وحاملين لمنهج الله تعالى في الحياة. وجاء الإسلام ليختتم رسالات السماء إلى الأرض فتضمن المنهج الذي يحكم العلاقة فيما بين الناس من ناحية، وبين الإنسان والبيئة من ناحية أخرى".

كذلك يشرح: "ومن ثم فإن مفهوم البيئة في المنظور الإسلامي يعني أكثر من مجرد سرد لمكونات البيئة أو النظام البيئي، فهو يربط هذه المكونات بالنفس البشرية، لأن شريعة الإسلام لا تقف بالإنسان عند حدود الماديات وشكلها وإنما تجعلها وسيلة لبلوغ الهدف الأسمى وهو تزكية النفس وتطهيرها على نج خالٍ من العقد والانفصامات".

وفي محاولته لتفصيل ما قدمته الحضارة الإسلامية من منهج شامل لعلاج قضية البيئة، يذهب يونس، إلى قضية التعايش السلمي بين الإنسان وبيئته. إذ حاول الإسلام إرشاد معتنقيه غلى كيفية المحافظة على المصادر الطبيعية من خلال التعامل الراشد معها بعيداً عن الإسراف والفساد في الأرض: "ويتضمن هذا المنهج الإسلامي ذاتية للحفاظ على البيئة تحفز المسلم إلى زرع الأشجار وتخضير الأرض حتى آخر لحظة في حياته، وتجعل من الرأفة بالحيوان سبباً لدخول الجنة. ويكون نقاء الماء وطهارته ـ في هذا المنهج ـ شرطاً أساسياً لممارسة العقيدة".

تمّ تخصيص جزء موسع من الفصل الثالث في الكتاب، للاستشهاد بآيات قرآنية بأحاديث شريفة، تحثّ على العناية المطلقة بالبيئة، كجزء من العبادة الخالصة لله في الإسلام.

ثمة ثلاث وسائل في المنهج الإسلامي بهذا الشأن، الأولى: ربط الحفاظ على البيئة بالعقيدة الإسلامية. الثانية: التدخل التشريعي والقانوني لعقاب من يتعدى على البيئة. والثالثة: تحديد محميات طبيعية. وكمثال، يطرح الباحث جزيرة بوطينة قبالة ساحل أبوظبي، التي تعدّ جزءاً من محمية مروح للمحيط البحري الحيوي، وأحد المواقع المسجّلة في منظمة اليونسكو منذ عام 2007، كما تعتبر أول وأكبر محمية محيط حيوي بحري في المنطقة. تؤوي العديد من المواطن الحيوية المهمة على المستوى المحلي والإقليمي والعالمي وتبلغ مساحتها حوالي 4000 كيلو متر مربع. وتوجد فيها اكبر كثافة عادية في المتر المربع لأبقار البحر، التي تسبح حول مروج الأعشاب البحرية، وتعيش بسلام في بيئة طبيعية نظيفة.

يذكر الكتاب أسماء واكتشافات وأبحاث بعض العلماء المسلمين الذين كتبوا في الجغرافيا أو تقويم البلدان، مثل: المسعودي في كتابه "كتاب التنبيه"، والمقدسي في "أحسن التقاسيم"، وابن رسته في "كتاب الأعلاق النفسية"، وابن خلدون في "المقدمة". وغيرهم الكثير ممن لا زالت أبحاثهم خالدة حتى اللحظة.