في مصر حصريا: الأم مدرسة لتعليم الرقص

منذ ساعات قلائل والأخبار تتوافد عن حصول الفنانة والراقصة والمذيعة مؤخرا وربما ستستحيل ناشطة ساسية وحقوقية عما قريب فيفي عبده على لقب الأم المثالية المصرية، ونضعها بين قوسين مجدداً (المصرية)، ومنذ إعلان الخبر ونشطاء شبكات التواصل الاجتماعي لا يتوقفون عن عبث التعليقات وهوس السخرية وظلال الاستهزاء عن خبر كهذا، لكنني لم أفاجأ بخبر مثل هذا، وربما لم أكترث ببعض ضيق الأصدقاء ورفقاء العمل وزملاء الفيس بوك من حصول الراقصة التي لم تعتزل فيفي عبده عن لقب الأم المصرية للعام الحالي.

تتعدد الأسباب ولا تتباين عن عدم استغراب الخبر الذي سيصير حقيقة، الأمر الذي بدا غريبا لي فعلا هو استهجان الجميع من فوز الراقصة باللقب، وتصديق الراقصة لنفسها بأحقية اقتناص الأم المثالية. أما البعد الأول وهو الاستهجان والرفض والتنديد والشجب وربما الحزن والامتقاع فلربما لم ينتبه البعض إلى أن صورة الأم في الكتب المدرسية وفي إعلامنا الذي يبدو بعضه رخيصاً مبتذلاً مقدمة طبيعية تنتهي بنا إلى مثل هذه النتيجة الحتمية، ويكفيك أن تشاهد حلقة واحدة من أي مسلسل معاصر لتجد الأم لا تخرج صورتها عن ثلاث: إما مستهترة وعشيقة لرجل آخر ومدمنة للخمر والحشيش والجنس، وإما أنها حملت سفاحاً وأصبحت بين مطرقة المجتمع والفضيحة الاجتماعية وبين سندان الوليد ووجعه وآلامه، والصورة الثالثة والأخيرة هي الأم التي يتشاجر معها أبناؤها ويضربونها ويقذفون النقود في وجهها ويتبرأون منها لفقرها ومنظرها.

إذن فالمقدمات الأولية توحي بالنتائج الحصرية التي لا تحدث إلا في مصر وحدها بلد العجائب والثورات والمهرجانات والفصائل السياسية. ومن الطبيعي والبدهي أن تكون الراقصة في مصر أماً مثالية لاسيما في ظل البيت الشعري الأشهر بأن الأم مدرسة إذا أعددتها أعددت شعباً طيب الأعراق. وهنا بالفعل مربط الفرس ومرتكز موضوع مقالتنا هذه، الوشائج القائمة بين الأم والمدرسة في مصر، وكلتاهما بحق بحاجة ماسة إلى الشفقة وإدرار وذرف الدموع دونما توقف، فالأم تعني المرأة، وطالما تم استغلال المرأة في المشهد السياسي وإقحامها بعنف في إحداثياته المضطربة ماذا تنتظر من أم المستقبل التي تركت مهامها الإنسانية الربانية وتفرغت كونها ناشطة سياسية وحقوقية ولهثت وراء شعارات العلمانيين والليبراليين والمتهوكين من تمكين المرأة وتقويض حقها السياسي وتلك الشعارات الباهتة المكرورة والتي فرضتها علينا الإدارات الأميركية المتعاقبة بحجة تكريس الديموقراطية.

وماذا تنتظر من أم المستقبل وفي تنشئتها الاجتماعية لم تكترث بقضية سوى اهتمامها بمسألة التحرش الجنسي وممارسة الحق في المشاركة الذكورية الشاقة، وما تنتظر من أم للمستقبل وصار السفور قاعدة والعفة استثناء، وصدقت بعضهن أن الثورة اجتماعية وليست سياسية رغم أن مصر بحاجة فعلاً إلى ثورتين سياسية وأخرى اجتماعية. وهذه الأم المستقبلية التي من المفترض أنها ستصير مدرسة عريقة لشعب أعرق تعاني من خلل واضح في الإعداد والتكوين في مدارسنا المصرية التي تتبع وزارة لا هي للتعليم ولا تفطن للتربية سبيلاً وطريقاً، والأعجب هو استمراء السيد الوزير البوليسي الدكتور محمود أبو النصر في منصبه، وإن لم يغادر الكرسي فعليه أن يدرك شرف ورفعة المنصب الاستثنائي المنوط به إعداد أمة تسعى للنهوض والارتقاء، لكنه والحمد لله في الضراء قبل السراء بات مهموماً بمستشاريه من يعين ومن يعزل ومن يتجسس ومن يعاقب، والطالب لديه لم يعد فأر تجارب كما كان عهده في عقود مبارك السالفة، بل صار الفأر فقط الذي يهرول ويفتش عن طعة جبن فاسدة ليلتقطها.

مناخ تعليمي يعاني من الركود والهاث وراء مناهج دراسية عقيمة وإدارات تعليمية تفتقر للكفاءة والخبرة ودراية الأداء ليس تعميماً مطلقاً ولكن سمة رئيسة لحالاتنا التعليمية الراهنة المفزعة، والمدرسة التي كانت محراباً للعلم والقيم والمعرفة والأخلاق الحميدة أصبحت مسرحاً سياسياً ومعرضاً وحفلة للأزياء بين المعلمات والطالبات، أما أبناؤنا الطلاب الذين سيحملون عبء المستقبل فهم بالفعل مهمومون بأخبار فيفي ودينا وزينة وحملها المتأرجح بين الشرعية والسفاح حتى إشعار جديد، وكيف قصت صافينار فستانها الجديد لتكشف عن عري مزيد من ساقيها، لكن الخلايا الجذعية وبروتوكولات عمل الدماغ وشبكات الأنتروبيا الحرارية فهي أمور تبدو من وحي الخيال.

وقبل أن تحاسبوا الذين كرموا أو سيكرمون الراقصة فيفي عبده لأنني غير مهتم بها أو بعبده نفسه، فتنبغي محاسبة التعليم في مصر، المدرسة الحقيقية التي تصنع الأم وتفجر طاقات الرجولة في شباب المستقبل، فما حالكم بفتاة مجتهدة رائعة التميز الدراسي والأخلاقي وهي تستمع لخبر كهذا؟