فلتر ايراني.. للرئيس المصري!

بمجرد أن أعلنت اللجنة العليا للإنتخابات الرئاسية أن المجالس الطبية المتخصصة ستبدأ إجراء الكشف الطبي على كافة مرشحي الرئاسة، حتى اشتعلت الإحتجاجات من جانب القوى السياسية. فالبعض يرى أن أي مصري فوق الأربعين عاما - وهي السن المحددة للترشح للإنتخابات - مصاب بضغط الدم أو في طريقه إليه. وهناك 20 مليون مصري مصابون بالسكري ايضا. ويجتهد اخرون قائلين انه لا يوجد سياسي في مصر لا يعاني من الضغط والسكر وضيق الشرايين. فريق ثالث ذهب إلى أن "بدعة" الكشف الطبي مقصود بها استبعاد المرشحين المحتملين للسيسي الذي تشير كل الدلائل إلى ان صحته حديد ومازال يجري في سباقات الصاعقة لقوة التحمل رغم اقترابه من الستين عاما. وذهب اخرون إلى ابعد من ذلك زاعمين ان المقصود هو المرشح الناصري حمدين صباحي الذي اصيب في شبابه - مثل كثيرين - بفيروس سي في الكبد.

ورغم أن اختبار لياقة المرشح للرئاسة طبيا عرف سائد في كل الديموقراطيات، الا أن المصريين لم يستسيغوه ولهم منطقهم خصوصا معارضي السيسي. فبوتفليقة الرئيس الجزائري صحته في انحدار تام ويواصل التقدم للترشح. والرئيس الأسبق مبارك كان - ومازال - مصابا بالسرطان وسرعة ضربات القلب وإنخفاض ضغط الدم وصمم جزئي في اذنه وصعوبة في المشي والحركة ومع ذلك ظل متمسكا بالترشح إلى أن اندلعت ثورة يناير 2011. الرئيس الراحل عبدالناصر - معشوق العرب والمصريين والوحيد الذي سانده شعبه وهو منهزم ومنكسر- كان مصابا بمرض السكر وفي مرحلة متأخرة بالإضافة لتعرضه لذبحة صدرية مرتين ولم نعلم كل ذلك إلا بعد أن مات.

لكن الحقيقة أن الإهتمام باللياقة الطبية لمن يحكم مصر وخصوصا في هذه المرحلة الحرجة من تاريخنا وظروفنا الراهنة والمخططات والمؤامرات التي تحاك ضدنا تحتم أن يكون الرئيس في قمة التوقد الذهني، سليم البدن ومعافى.

لاجدال أن هذه خطوة مهمة، وكانت مطلوبة من زمان. وأظن أنها لو كانت موجودة في إنتخابات 2012، ما كان شخص مثل مرسي قد خاض السباق الرئاسي من الاساس. فما رأيناه منه في أثناء السنة التعيسة التي كان خلالها في القصر الرئاسي، ثم بعد أن إزاحه المصريون هو وجماعته من القصر ومن الحكم إجمالا إلى غير رجعة يؤكد إنه شخص أقل ما يوصف به انه غير متزن، وأن عقله ليس على المستوى الذي يجب أن يكون عليه عقل رجل يرأس دولة بحجم ووزن بلدنا. ولا يزال كثيرون، داخل البلد وخارجه يتسائلون في حيرة إلى اليوم: كيف وصل شخص مثل مرسي إلى كرسي الرئاسة في مصر، وكيف تسلل شخص بعقليته المتواضعة للغاية هذه إلى أهم وأخطر منصب في الوطن؟

غير أن المجالس الطبية المتخصصة، إذا كانت سوف تختص بالمسألة الصحية فيما يتعلق بكل مرشح، فإن هناك مسألة أخرى لا تقل أهمية، إن لم تكن أهم بكثير من الحالة الصحية للمرشح وهي مدى ملائمته من الناحية الأمنية والقومية تحديدا.

أن بعضنا يعرف أن في إيران شيئا اسمه "مجلس تشخيص مصلحة النظام" وهو مجلس يتولى مع كل انتخابات رئاسية جديدة، غربلة الأسماء المرشحة من حيث مدى توافق تفاصيل حياة كل مرشح منهم مع اعتبارات الأمن القومي الراسخة والثابتة مع الاخذ في الاعتبار الحالة الصحية له.

ففي كل سباق رئاسي جديد تشهده طهران، يظل مجلس تشخيص مصلحة النظام هو الغربال الأخير او الفلتر النهائي، إذا صح التعبير بالنسبة للمرشحين جميعا، ولا معقب على قراره بإستبعاد هذا أو استباق ذاك من بين المرشحين، لا لشيء إلا لان "عين" مجلس بهذا المسمى تبقي دوما على أمن البلد هناك، بمعناه الشامل والرفيع!

فإذا ما تلفتنا حولنا عندنا، فسوف نكتشف أن مجلس الأمن القومي، الذي تشكل مؤخرا بقرار من الرئيس عدلي منصور، هو الأقرب إلى مجلس تشخيص مصلحة النظام الإيراني، ولذلك فإن مجلسنا للأمن القومي لا بد أن يكون حاضرا - وبقوة - عند الغربلة الأخيرة لأسماء المرشحين، لأن البلد لا يحتمل أن يقفز إلى الموقع الرئاسي مغامر،او مريض، أو شخص تنطوي حياته على ما يضر بالأمن القومي لنا اذا ما صار رئيسا.

أجهزة الأمن القومي، بطبيعتها، تعرف عمن سوف يفكر في ترشيح نفسه للرئاسة ما لا نعرفه نحن، واي اعتراض على أي منهم - حين يحدث - فإنه يكون بناء على معلومات تمتلكها ولا يجوز - لأسباب كثيرة - أن تعلنها على الملأ.

صحة المرشح الرئاسي قد تكون مهمة، ولكن ما هو أهم منها ألا يكون من حيث اتصالاته وعلاقاته وحياته على نقيض مع اعتبارات الأمن القومي بمعناه الأعلى.