'فوبيا' 19 مارس في مصر

لم تترك جماعة الإخوان المسلمين في مصر مناسبة دينية أو سياسية، إلا وحاولت توظيفها على أنها الموعد المنتظر لعودة الرئيس المعزول محمد مرسي، ومنح أنصارها جرعة تفاؤل جديدة، تعوضها عن جزء من الضربات التي تلقتها خلال الفترة الماضية. في كل موعد تضربه تفشل فشلا ذريعا، وتزداد الجماعة ترديا. آخر ابداعاتها تحديد يوم 19 مارس-آذار الجاري، ليس فقط لعودة المعزول، لكن لتحويل مصر إلى طوفان على خصومها.

الحشد لهذه المناسبة، بدأ عبر ما تيسر لها من منابر إعلامية، وخطب لبعض شيوخها، وجميعها تحرض على العنف والإرهاب. ومع أن المسألة إرهاصاتها ظهرت في تصاعد وتيرة استهداف ضباط وجنود الشرطة والجيش مؤخرا، غير أن الحصيلة ضئيلة، ولا تتناسب مع حجم التهديد والوعيد، وهو ما جعل قطاعا عريضا من المصريين، يأخذونها على محمل الهزل والسخرية، ويعتبرونها واحدة من المحاولات البائسة واليائسة لضخ الدماء في عروق ما تبقى من مؤيدين وتابعين، دب الإحباط في أوساطهم من كثرة الضجيج دون أن يروا شيئا من الطحين.

مع ذلك هناك فئة صغيرة، تخشى أن يحدث مكروه كبير ويجري في اليوم الموعود المزيد من التدمير، لأن الجماعة فقدت كل أنواع الرشادة السياسية والأخلاقية.

الخوف (الفوبيا) يبدو هذه المرة أكثر من المرات السابقة، لأن توجه الإخوان الرسمي والشعبي اختار بوضوح العنف طريقا. وقد جاءت غالبية التصريحات داعمة لهذا الإتجاه، الذي لم يترك أي هامش، شكلي على الأقل، للحديث عن حشود سلمية، وبدا الخطاب سافرا في دمويته وبغيضا في كراهيته، بصورة تفوق المواقف السابقة، التي كانت تأخذ مظهرا سلميا، ثم تتحول إلى العنف.

ويمكن أن نحدد ثلاثة أسباب جوهرية، جعلت هذا الطريق خيارا وحيدا.

الأول، عدم إستجابة السلطات الحاكمة في مصر لكل أنواع الابتزاز التي مارسها الإخوان خلال الأشهر الماضية، ورفض الإستجابة لأي من مطالبهم السياسية، بل مواجهتها بضراوة، هي وحلفائها المتطرفين من مشارب مختلفة، وتكبيدهم خسائر فادحة في كل المواقع التي تمترسوا فيها، وكشف عدد كبير من حيلهم ومؤامراتهم، وإنهاك قوتهم المسلحة. وساد إنطباع عام أن الجماعة فقدت قوتها الرئيسية، ودخلت التاريخ من أسوأ أبوابه. وحتى تبدد أو تخفف من هذه الصورة، رأت قياداتها أن رفع معدل التصعيد إلى درجته القصوى، يمكن أن يعيد إليها قدرا من هيبتها، ويبعث برسالة تشكك في التقديرات الرسمية، التي أكدت أن الجماعة وحلفاءها أنهكوا قولا وعملا، لذلك فرفع معدل العنف وتوسيع نطاقه في 19 مارس، قد يحقق لها هذا الهدف.

الثاني، يتعلق بسريان حالة كبيرة من الإحباط بين قواعد الجماعة، تفرض على قياداتها القيام بعمل كبير يزيل أو يبعد شبح اليأس الذي يسيطر عليهم، ومحاولة استثماره في الزج بهم وسط معركة غير متكافئة، باستخدام خطاب ديني زائف، يذكر بمحن الأنبياء والرسل والصحابة، ويدفع نحو التضحية بالغالي والنفيس.

ولعل عمليات القتل البشعة وبلا شفقة، التي وقعت في صفوف البسطاء من الجنود، تكشف حجم الغل والقسوة التي بلغتها الجماعة وأنصارها، خاصة أن مناسبة 19 مارس تتعلق بالذكرى الثالثة لأول إعلان دستوري بعد ثورة يناير 2011، والذي صاحبه خطاب فاشي قسم المصريين إلى فسطاطين، مؤمن من صوت بنعم و"كافر" من قال لا لهذا الإعلان، الأمر الذي يتكرر الآن، مع 19 مارس الحالي، حيث أجازت فتاوى إخوانية كثيرة قتل الضباط والجنود وتخريب المنشآت، ومنحت صك الإيمان لمن يفعل ذلك، وحرمت الصلاة على المستهدفين من البشر.

أما السبب الثالث، فله علاقة بالبيئة الإقليمية والدولية. فهناك قوى ترى أن معركة الإخوان مع السلطات الحاكمة في مصر ثأرية بالنسبة لها، وخسارتها نهاية لأحلام زائفة دغدغت مشاعر أصحابها. لذلك حشدت أنواعا مختلفة من الدعم للجماعة، وقدمت لها أشكالا متباينة من التأييد السياسي والإعلامي، ليس لمساعدتها في عودة الرئيس المعزول، فقد تأكد أنه أصبح من الماضي، لكن كمحاولة لإضعاف النظام المصري، الراغب في تدشين مرحلة واعدة من الإستقلال الوطني، وإجباره على قبولهم كجزء من قواعد اللعبة السياسية في المرحلة المقبلة، لتكون الجماعة وأنصارها منغصا دائما في خاصرته السياسية، ويمثل 19 مارس نقطة فارقة في هذا الإتجاه.

لكن هؤلاء تناسوا في خضم حماسهم واندفاعهم، أن الإخوان بإستمرار يرفعون سقف توقعاتهم إلى حدود قصوى، ولا يستطيعون تحقيق الحدود الدنيا دائما، لأن خطابهم الخيالي، يتجاهل استعدادات الخصوم المحكمة، ولا يبالي بنقاط الضعف المتعددة التي ينفذون منها. وليس أدل مما جرى في 30 يونيو الماضي. فالكل كان يعرف أن هناك طوفانا بشريا سيخرج في ذلك اليوم، قبل حوالي أربعة أشهر من حدوثه، إلا الإخوان ومن لف لفهم، عاشوا في وهم القوة الزائفة، وضيعوا الفرصة بعد الأخرى، ولديهم إصرار عجيب على المشي حتى نهاية النفق المظلم.

كما أن العنف المبالغ فيه الذي مارسته ولا تزال الجماعة وأنصارها، أوجد حالة من الغضب الشعبي في صفوف المواطنين وأوغر الصدور ضدهم، ومنح الأجهزة الأمنية مبررات مقنعة للتعامل معهم بقسوة. وأضحت العلاقة طردية، كلما زادت عمليات الإرهاب، زادت معها معدلات مقاومته وليس العكس. من ثم فالرهان على 19 مارس وإشاعة أجواء مفزعة من الخوف، لتغيير الموازين الحالية، سيقطع الطريق تماما على أي أمل راود البعض لعودة الإخوان إلى الحياة السياسية، وحتى محاولات عودتهم عبر قنوات خلفية، من خلال تحالفات مستترة مع قوى حزبية، ستكون غاية في الصعوبة، لأن قبضة الدولة السياسية والأمنية لا تزال قوية، وقادرة على إجهاض المؤامرات الداخلية والخارجية.