كم من الأرواح تكلف التجهيزات لكأس العالم؟

اتصل بي مؤخراً عدد من الصحفيين المنتسبين إلى قناة "الجزيرة" للدفاع عن مُشغِّلهم، أي الحكومة القطرية ("الجزيرة" عبارة عن مشروع للأسرة المالكة القطرية يراد به التأثير على الأحداث فيما وراء حدود الدولة الصغيرة.)

ففي مقالة نَشَرْتُها الأربعاء الماضي، قلت إن قطر لاعب سيء الأداء باستمرار – سواء في الخليج العربي أو خارجه – إلى درجة أنها تجعل السعودية تبدو حسنة المظهر بالمقارنة معها. وقد استاء بعض صحفيي قطر المأجورين من هذا التعبير في حين أنهم لم يعكروا مزاجهم بالدفاع عن سجل قطر في مجال دعم الإرهابيين والمتطرفين، أو سلوك الاستعباد المزري الذي تبديه بينما تشيِّد البنى الأساسية الهائلة لدعم بطولة كأس العالم التي ستقام في عام 2022. وبدلاً من ذلك، يجادل هؤلاء المراسلون بأن جيران قطر يقومون بما هو أسوأ.

ولنفرض أن السعودية والبحرين ودولاً خليجية أخرى تقترف أموراً فظيعة. إن الإشارة إلى هذه الفظائع لا يبرئ ساحة قطر من فظائعها، وهي كذلك بحق.

ولندع جانباً مؤقتاً دعم قطر للمتطرفين العاملين على زعزعة الاستقرار (بمن فيهم المبشِّر بالقتل على شاشة الجزيرة، يوسف القرضاوي)، ولنركز على ممارسات قطر في مجال العمالة على اعتبار أن هذا الموضوع لم يأخذ الحيز الذي يستحقه في الغرب. وفي الواقع، لو لم يكن هناك عمل صحفي بطولي لصحيفة "الغارديان"، ربما لم نسمع كثيراً أصلاً عن المعاملة المفزعة التي تعامل بها قطر العمال الأجانب.

فحسبما ذكرته الغارديان، التي أجرت تحريات عن ممارسات قطر العمالية، هناك نحو 900 عامل من الهند ونيبال لقوا حتفهم منذ عام 2012. ووفقاً للمعلومات المأخوذة من الاتحاد الدولي للنقابات العمالية، قد يلقى 4 آلاف شخص مصرعهم قبل أن تبدأ بطولة كأس العالم، إذا لم تُدخِل الحكومة القطرية تحسينات جوهرية على ظروف العمل بالنسبة إلى عمالتها الوافدة. وإلى الآن، اكتفت الحكومة -تحت الضغط المكثف- باتخاذ لفتات شكلية على طريق إصلاح قوانين العمل.

والموت ما هو سوى جزء من الصورة. ففي سبتمبر الماضي، أفادت صحيفة "الغارديان"، استناداً إلى تحقيقات قامت بها، بأن "العمال يتحدثون عن العمل القسري تحت حرارة تبلغ 50 درجة مئوية، وعن أصحاب عمل يحتجزون رواتب العمال عدة أشهر، ويحتفظون بجوازات السفر، بحيث يستحيل على هؤلاء العمال المغادرة، بل ويُحرمون من مياه الشرب المجانية. ووجدت التحقيقات أن المرض متوطن بين العمال الذين يعيشون في أماكن مكتظة. وتحدثت تقارير عن انتشار الظروف غير الصحية والجوع".

وتنتشر الإصابات أيضاً. فكما جاء في عمود يتحدث عن شبه الجزيرة [قطر] ضمن تقرير لمنظمة العفو الدولية: "أفاد مدير وحدة الجراحة والعناية المركزة بمستشفى حمد في فبراير 2013 بأن الإصابات الناتجة عن السقوط من أماكن مرتفعة في مواقع العمل زادت على الألف إصابة سنوياً، حيث نتج عن ذلك ارتفاع "معتبر" في معدل الوفيات، بينما يعاني ما نسبته 10% من الإعاقة".

ونشرت منظمات حقوق الإنسان تقارير تفصيلية عن الكثير من الممارسات القاسية التي يتعرض لها العمال الأجانب، بما في ذلك كفالة صاحب العمل؛ ما يعني أن العمال الذين يهاجرون من قرى صغيرة في بلدانهم يعيشون في قطر تحت رحمة صاحب العمل الذي يكفلهم. ويعني ذلك أنهم لا يستطيعون تغيير وظائفهم بمجرد وصولهم إلى قطر، ما يمنح أصحاب العمل، وخصوصاً أصحاب النوايا السيئة الذي يرفضون دفع الأجور الموعودة، سلطة هائلة على العاملين.

وكما جاء في تقرير الغارديان: "جميع العمال تقريباً عليهم ديون كبيرة في نيبال استحقت عليهم لدفع أتعاب الوكالات التي أمَّنت لهم الوظائف. ويقود الالتزام بسداد هذه الديون، مقترناً بعدم استلام الأجور ومصادرة الوثائق والعجز عن مغادرة مكان العمل، إلى ظهور العمل القسري [أو السخرة]، وهو شكل من أشكال العبودية الحديثة يُقدَّر أنها تمسّ نحو 21 مليون شخص في مختلف أنحاء العالم. وقد أصبح هذا الاستغلال راسخاً إلى درجة أن مايا كوماري شارما، سفيرة نيبال لدى قطر، وصفت الإمارة مؤخراً بأنها 'سجن مفتوح'."

وتنفق قطر 200 مليار دولار من أجل استضافة الحدث الرياضي الأول في العالم. وحسب "الغارديان" فإن: "المشهد العام يصف إحدى أغنى الدول وهي تستغل إحدى أفقر الدول استعداداً للبطولة الرياضية الأكثر شعبية في العالم".

إن هيبة الأسرة الحاكمة في قطر وثيقة الارتباط باستضافة بطولة خالية من الأخطاء التقنية ولكنها مفلسة أخلاقياً. والأمر نفسه ينطبق على المهندسين المعماريين وشركات التشييد التي تسابقت على قطر طلباً للأرباح الهائلة. وقد سألت "الغارديان" مؤخراً المهندسة المعمارية المرموقة زَها حديد، التي تتولى تصميم ملعب مثير للجدل من الناحية الجمالية (متهم بأنه يماثل منطقة حساسة من جسد المرأة) "لا علاقة لي بالعمال. أعتقد أن تلك مسألة – إذا كانت ثمة مشكلة – يجب على الحكومة أن تُعنى بها". ولدى سؤالها عما إذا كانت تلك الوفيات تشغلها، قالت: "نعم، لكنني مهتمة أكثر بالوفيات في العراق أيضاً، فماذا أفعل بذلك الشأن؟"

وبعبارة أخرى، الوضع في قطر ممكن الدفاع عنه إلى حد ما من الناحية الأخلاقية لأن الأمور السيئة تحدث في أماكن أخرى من العالم أيضاً. إن إحدى أكثر القصص غرابة في هذا العصر تحدث على مرأى ومسمع من صحفيي الجزيرة (الذين تناول بعضهم مسألة أحوال العمالة في قطر بصدق، لكن بقدر مفرط من التحفظ) – أي عودة الفرعون، في شخص أمير قطر. أتمنى لهم التوفيق فيما يعدّونه من تقارير.

BloombergView