الجميع بخير.. ولكن!!

بداية غريبة ترمي إلى التناقض

في سوريا اليوم، وبعد مرور ثلاث سنوات على انتفاضة الشعب السوري، قد تبدو عبارة "الجميع بخير" غريبة وعصية على التصديق وحتى الاستيعاب. إلا أنها أصبحت عنواناً لفيلم وثائقي قصير، أضاف عليها كلمة "لكن" مع إشارة التعجب "!"، لنذهب مع شخصيات الفيلم الواقعية جداً، في جولة لاستكشاف مدى القهر الذي انسكب على حياة من بقي على قيد الحياة، ولم يكن محظوظاً بالموت، حيث أن هذا الأخير أصبح نعمةً كبيرة في كثير من الأحيان، وبالنسبة لكثير من السوريين.

قدّم المشتغلون بالفيلم، الذين لم يتم الإعلان عن أسمائهم فيما عدا صاحبي الفكرة عمران عبد المولى وأبو يامن، خلاصة لمشاهده المتلاحقة، فكتبوا أنه يحكي قصة سوريا الجريحة باختصار شديد ويطرح رأي الشارع قدر الإمكان كما يطرح تساؤلات عديدة ورؤىً ويغور في زوايا الأزمة السورية المشتعلة ويعري الواقع بكل تجرد ويطرح حلولاً في النهاية من الممكن أن تساعد في حل هذه المعضلة التي طالت.

الفيلم وكغيره العديد من الأفلام الجديدة والشبابية التي قُدّمت بعد الثورة وعن الثورة، نجح في تعرية الواقع السوري المؤلم والإضاءة على شخصياته المتنوعة والمتشابهة، وظلّ يفتقر ويحتاج إلى مهنية أكثر احترافية في تعاطيه مع المادة السينمائية بكل عناصرها، بدءاً من الفكرة مروراً بالسيناريو والتصوير والصوت وانتهاءً بالرؤية الإخراجية الإجمالية. فبشكلٍ عام ثمة ضعف واضح في بنيته الدرامية لا يمكننا التغاضي عنه وبالتحديد في المونتاج الذي ربط كل مشهد مع آخر، ما جعلنا نقف أمام مجموعة من الشهادات والروايات، ترتبط ارتباطاً قوياً ومتيناً بموضوعه، وليست مدروسة فنياً، إلا أنه يطرح اختلافاً بفكرته التي اشتقّت، ربما، من الفيلم الأجنبي "الجميع بخير".

بداية غريبة ترمي إلى التناقض، منحت الفيلم جمالية تكمن في تجاور الحب والرعب، الروحانية والوحشية، الصوت الجميل والمنظر الرهيب والقبيح، في مشهدٍ واحد. فكيف لصوت فيروز الذي عشقه السوريون حتى بات فطورهم الصباحي الحميمي، أن يكون موسيقى تصويرية بأغنيتها "زعلي طول أنا وياك"، للدبابات التي تقتحم الشوارع الفارغة من أهلها والموحشة بفقدانهم وتقذف نيرانها على كل شيء تلمحه في طريقها، المحلات والمنازل؟

كُتِب في بداية الفيلم: "لصعوبة التنقل اختزلت سوريا بالحراك". كذلك تمّ التمهيد: "وبسبب الحواجز الكثيرة والكثيرة جداً ولصعوبة التنقل تم اختزال سوريا بمدينة وادعة في سهل حوران كانت مهد الحراك في سوريا وهي (مدينة الحراك).. ".

نعم يمكن لمدينة، أو قرية، أن تختزل سوريا كلها بآلامها وأوجاعها، بقصصها وحكاياتها، فعندما توقفت كاميرا الفيلم أمام الشخصيات المشاركة، سمعنا روايات وعلى الرغم من خصوصيتها بحيّز المكان والزمان، إلا أنها تشبه إلى حدٍ بعيد، ما يمكنك سماعه في أية مدينة أو قرية أخرى، عاشت لحظات الثورة الأولى ثم انطفأت بأهلها وساكنيها بسبب الحرب.

الكثير من الأسى وما يعادله من الذهول والصمود، يمكنك أن تجده في وجهي طفلة وطفل أصغر منها، وسط مكانٍ موحش ضمن المدينة، إذ تأتي إجابة الطفلة ضمن لعبة المونتاج على سؤال الراوية "كيفك يا حراك وكيف الولاد؟"، قوية وحزينة في الوقت نفسه، فتقول :"الحمد لله.. عايشين".

تواجه الكاميرا، امرأة تشبه مدينتها، ذات تفاصيل الألم والوحشة والعذاب، تحكي قصتها عن زوجها وأولادها.. فعلاً الجميع بخير ولكن!!.. لا يوجد واحد منهم دون مصيبة: ابنة فقدت عينها أثناء القصف، ابن في الجيش، ابن أصيب أيضاً وسافر للعلاج، ثمة من اختفى واعتقل.. وهي تجلس وحيدة في دكان، لا يزورها المشترون إلا نادراً، لتحصل على مال يكفيها لإعالة من بقي على قيد الحياة برسم الموت.

يصف رجل كيف استقبلت الساحة الرئيسية في البلدة، المصفقين والهاتفين للحرية، فيقول: "كانوا هون، اجتمعوا كل يوم، يتمايلوا، كتافهم على كتاف بعض، مثل قلوبهم البيضا، وإديهم مشبوكة، ويحلموا، كل مرة يفترقوا ويرجعوا، بس آخر مرة، ما حدا رجع، ظلت هالساحة وحيدة ناطريتهم، يرجعوا مثل كل مرة".

معنى الوطن والمواطنة، في وقتٍ يختبر فيه السوريون فقدان الاثنين معاً، يأتي واضحاً وجلياً لا تشويش يعتريه، في كلام رجلٍ مسن قال: "يا ابني لا عاد تحكيلي عن البطولة والتضحية والفداء، هالتاريخ بيعرفنا أكثر منك، بس من شان شو نموت؟ مشان الوطن؟ شو نفع الوطن بلا مواطن؟".

وآخر يقول: "ما فيني افوت الحارة الثانية لإنه في قناص بدو ياني مع إنه لا بعرفه ولا بيعرفني". وكلمات وكلمات، لتصل المعاناة السورية إلى الجميع، من سوريين وغير سوريين، داخل سوريا، وخارجها، لكن وللأسف لا تفيد الكلمات الرومنسية، ولا الصور المؤثرة، بغض النظر عن صدقها وقساوتها، في حل القضية السورية.

يختم الفيلم التسجيلي "الجميع بخير ولكن!"، دقائقه الـ 11 بكتابة مقروءة تشرح الحل اللازم في الوقت الراهن، لتشفى كل الجراح السورية: "الحل هو نفي كبار ضباط الجيشين لبرا لو سنة بس يعتبروها نقاهة والغربة أصعب من السجن.. والخطط العسكرية تتمزع وراقها.. وبعد اليوم ما في ولا رصاصة ولا قذيفة ولا صاروخ.. وما يضل بالجيشين إلا يلي عندو خدمة إلزامية وتطلع جبهة النصرة وحزب الله ودولة العراق والشام ولواء أبي الفضل بن العباس لأرض جهاد ومقاومة ثانية خلص نحنا اتفقنا.. وترجع العالم من من خيامها عبيوتها تصلحها.. تسد مكان القذيفة وتسكر مكان الرصاصة.. ويطلع المعتقلين من سجون الطرفين.. وما حدا يوقفو حاجز.. ولجنة من برا ما لها دخل بحدا وعليها رقابة من الطرفين تعمل انتخابات والانتخاب يحكم".