التصعيد في غزة... واحراج مصر

لماذا كانت جولة التصعيد الأخيرة في غزة؟ هل كان الهدف احراج مصر وابعاد الاهتمام عن العلاقة المتأزمة بينها وبين حركة "حماس" التي تتحكّم بالقطاع ولا تتردد في دعم الاخوان المسلمين في كلّ ما يقومون به على الأرض المصرية بصفة كونها جزءا لا يتجزّأ منهم؟

من الواضح أن "حماس" لم تجد سوى مصر لحماية الفلسطينيين من مزيد من الغارات الاسرائيلية. فبين وقت وآخر، ثمة حاجة الى التذكير بالبديهيات. من بين البديهيات أن التصعيد مع اسرائيل انطلاقا من غزة لا يمكن الّا ان يعود بالويلات على الشعب الفلسطيني، لا لشيء، سوى لأنّ ميزان القوى لا يسمح بتحقيق اي انتصار من اي نوع كان انطلاقا من غزّة أو من الضفّة الغربية.

لو كان ذلك ممكنا لما كانت اسرائيل انسحبت من القطاع بشكل كامل صيف العام 2005 عندما كان ارييل شارون لا يزال رئيسا للوزراء وكان هدفه الاوّل والأخير التخلص من عبء غزّة من أجل الامساك بطريقة أفضل بجزء من الضفّة الغربية، بما في ذلك القدس الشرقية التي تسعى اسرائيل الى ابتلاعها يوميا.

الملفت في التصعيد الأخير، أكان من الجانب الاسرائيلي أو من جانب حركة "الجهاد الاسلامي" هو توقيته. ليس سرّا أن اسرائيل ترحب بكل تصعيد نظرا الى أن حكومة بنيامين نتانياهو تعارض أي تسوية من أي نوع كان، حتى في ظل تراجع السقف الذي وضعه الاميركيون لهذه التسوية. جاءت الحركة التابعة لايران التي اطلقت عشرات الصواريخ في اتجاه جنوب اسرائيل، في هذا التوقيت بالذات، لتدعم موقف حكومة نتانياهو الذي يقوم أساسا على مقولة أن لا وجود لشريك فلسطيني يمكن التفاوض معه في شأن تسوية.

هل اقتربت التسوية بالفعل بعد كلّ الجهود التي يبذلها وزير الخارجية الاميركي جون كيري وبعد الكلام الصادر عن الرئيس باراك أوباما الذي أكّد فيه أن على اسرائيل أن تقرّر أخيرا وأن تعرض افكارا في حال كانت لديها خيارات أخرى مختلفة عن تلك التي يقترحها جون كيري؟

قد يكون هناك سبب آخر للتوقيت المعتمد للتصعيد، اضافة بالطبع الى احراج مصر كي لا تذهب بعيدا في حملتها على "حماس" بعد كشف دورها في دعم الاخوان. ربّما كانت ايران تريد أن تؤكد، خصوصا بعد ادعاء اسرائيل مصادرة سفينة تحمل صواريخ مرسلة الى غزّة، انّ وجودها في القطاع بات أقوى من أي وقت. أكثر من ذلك، تريد أن تقول أنها لا تزال اللاعب الرئيسي في غزّة بغض النظر عن طبيعة العلاقة التي تربطها بحركة "حماس". فقد تبيّن ان "حماس" التي تحكم القطاع بالحديد والنار غير قادرة على تجاوز ايران في أي شكل من الاشكال.

في أيّ حال، خدم التصعيد اسرائيل وسياستها التوسّعية، في حين أنّ الخاسر الاوّل هو الشعب الفلسطيني عموما وأهل غزّة على وجه الخصوص.

خسر الفلسطينيون لأنّهم كشفوا مرّة اخرى أن لا مجال لمصالحة بين "فتح" و"حماس". الأهم من ذلك، كشفوا أن الشرخ بين غزة والضفة الغربية يزداد يوما بعد يوم وأن ليس في الامكان ايجاد أي قاسم مشترك بين هذين الفصيلين. الضفة في واد وغزّة في واد آخر.

كلما مرّ الوقت، يتبيّن أنّ اسرائيل تزداد تعنتا وأن الجانب الفلسطيني لا يمتلك قرارا واضحا، حتى عندما يتعلّق الأمر بترتيب أوضاعه الداخلية. هناك تلهٍ فلسطيني بالقشور في الضفة الغربية بدل التركيز على اتخاذ موقف واضح لا لبس فيه من "حماس" و"الجهاد" وما يدور في غزّة. وهذا يعني في طبيعة الحال أن التسوية باتت سرابا بغض النظر عن الجهود التي يبذلها جون كيري بدعم من باراك أوباما.

يمكن أن يشهد الوضع مزيدا من التصعيد. يمكن لاسرائيل أن تقتل مزيدا من الفلسطينيين. يمكن أن تلجأ حتى الى تدمير جزء من غزّة. الشيء الوحيد الأكيد والثابت أن ايران أظهرت مرّة أخرى أنها اللاعب الاساسي في القطاع وأن المجموعة التابعة لها والمسمّاة "الجهاد" جاهزة لاطلاق الصواريخ متى دعت الحاجة الى ذلك من دون استئذان "حماس". هذا واقع. من يلعب لعبة فوضى السلاح، سيتوجب عليه في نهاية المطاف تحمّل نتائج هذه اللعبة التي سمحت لـ"حماس" بتنفيذ انقلابها منتصف العام 2007 وسط ترحيب اسرائيلي لكلّ خطوة تقدم عليها نظرا الى انها تضعف الموقف الفلسطيني على كل صعيد.

كان مطلوبا ايذاء المفاوض الفلسطيني واثبات أن لا صدقية تذكر لديه. حصل ذلك. لم يعد السؤال هل ستؤدي المفاوضات الفلسطينية-الاسرائيلية الدائرة الآن التي يرعاها الاميركيون الى نتيجة ملموسة؟ صار السؤال هل تحتلّ اسرائيل غزة... والى أي مدى ستذهب في تصعيدها؟

كلّ ما يمكن قوله في نهاية المطاف أن على الفلسطينيين اعادة ترتيب الأوضاع الداخلية لبيتهم. مثل هذه العملية لا يمكن أن تبنى الّا على الصراحة. الصراحة مع الذات أوّلا بدءا بالاعتراف بأمرين. الأمر الأوّل أن لا مفرّ، اقله في المدى المنظور، من الفصل بين الضفة الغربية وغزة. هناك كيانان منفصلان لا علاقة لأي منهما بالآخر، علما أن الشعب الفلسطيني واحد.

الأمر الآخر الذي لا بدّ من الاعتراف به يتمثّل في أن ايران أقوى بكثير مما يعتقد في غزة وهي مستعدة لممارسة نفوذها متى دعت الحاجة الى ذلك وفي التوقيت الذي يناسبها ويتلاءم مع اجندتها الأقليمية. تشمل هذه الاجندة بين ما تشمل استخدام غزة في الضغط على مصر من جهة وتكريس طهران، من جهة أخرى، لاعبا اقليميا مرتبطا عضويا بكلّ ملف من ملفات المنطقة. من لبنان، الى سوريا، الى العراق، الى اليمن، الى البحرين، الى السودان وكلّ ما له علاقة بفلسطين والفلسطينيين... أما الباقي فتفاصيل، ما دام لا يوجد، الى اشعار آخر، في غزة وغير غزّة، أي في كلّ بقعة عربية من يضع المصلحة الفلسطينية والمصلحة الوطنية فوق اي اعتبار آخر.