لا بد من زحزحة التاريخ لكي لا يظل قاتلنا الاكبر!

دعوت منذ زمن وما زلت الى مقاربة تاريخية تتجاوز السردية نحو تاريخ نقدي ينطلق من واقعنا المعاصر لاجل مقاربات اشكالية.

نحن في زمن انفتح فيه التاريخ على العلوم الاخرى من سوسيولوجيا إلى انثروبولوجيا إلى اركيولوجيا إلى علم النفس إلى الاقتصاد. نحن في حاجة إلى مقاربات جديدة تثار فيها الاسئلة وتتفتح العقول على فهم افضل لللاشكاليات. فالتاريخ في نهاية المطاف ليس ماضيا تماما لانه احد محددات هويتنا الوطنية. ولانه كذلك، فلا بد من مقاربة تاريخية شجاعة لا تخشى من مواجهة هذا التاريخ.

تاريخنا كما تاريخ الشعوب الاخرى شه ظلما كبيرا وقع على الناس سواء على المجموعات الكبيرة أو بشكل خاص على المجموعات الاصغر حجما. للاسف لا يمكننا انكار الجانب المظلم من تاريخ البشرية بما فيه تاريخنا، وان وجد شخصيات عظيمة ببعديها الاخلاقي والانساني مثل غاندي، فهناك مقابلها ايضا من شخصيات دموية مثل جنكيز خان ونيرون وهتلر.

التصدي لهذا الامر عبر جهد اكاديمي كبير ضروري من اجل صياغة رؤى تاريخية منفتحة وغير الغائية لاحد. وهذا لا يعني اقصاء الجانب المظلم من تاريخنا لانه موجود ومن الحماقة ان نشطبه وندعي عدم وجوده كما في حالة البعض ممن يصور ان حال بلادنا كان على احسن حال قبل الغزو الاوروبي وهو امر غير صحيح البتة.

حتى إلقاء نظرة سريعة على الجغرافية السكانية في بلاد الشام على سبيل المثال إنما تعطينا فكرة عن تاريخ هذه المنطقة. فستجد مثلا ان مدن الساحل حيث الشعور بالامان يسكنها في الاغلب مسلمون سنة (لان الدولة كانت تاريخيا كذلك!) ومسيحيون ارثوذوكس (الذين هم في الاغلبية من اصول عرقية عربية من الغساسنة والجزيرة العربية!)

اما ان ذهبت نحو الجبال التي كانت تشكل الحصن المنيع للفرار من القمع فستجد الدروز والعلويين والموارنة والشيعة.

هذه الجغرافيا تحكي تاريخا من الظلم والاضطهاد والتمييز.

صحيح ان الامر لم يكن دوما ذات الشيء، وهامش التسامح كان يتسع ويضيق حسب الحكومات. لكن هذا جزء من تاريخنا الذي لا بد من صقله وتهذيبه وتنقيته من الدمامل التاريخية التي تنفجر بين حين واخر، وكذلك من التوظيف السياسي الضيق الافق الذي يباعد بين المواطنين. وهذا، بالطبع، لا يتم الا عبر مقاربة نقدية. و انا اعتقد انه كان من الممكن تجنب سفك الكثير من دماء الابرياء، لو تمكنا في السابق من مقاربة تاريخنا بطريقة موضوعية وعلمية وصادقة لان هذا يعني تثقيف الاجيال على رؤى منفتحة تشجع روح النقد ولا تشجع التعصب والانغلاق باتجاه الهوية الاصغر كما هو الحال الان.

لذا لا بد من تاريخ لا يضع فواصل بين الانثروبولوجيا والتاريخ والسوسيولوجيا. لا نقصد هنا دمجا تاريخا للمجموعات بطريقة قسرية، بل تقديما لرؤية اكثر انفتاحا للتاريخ، من اجل حاضرنا ومستقبلنا، ولكي نتمكن في المستقبل من بناء اوطان بانتماءات حقيقية تشمل الجميع ولا تقصي احدا!