لبنان باعتباره ساحة حرب بديلة

كان اللبنانيون ينتظرون رعب اليوم الذي تنتقل فيه الحرب السورية إلى بلادهم.

كان هناك ما يمهد لإنتظار مرير من هذا النوع في العقل الجمعي اللبناني.

لقد تشائم الكثيرون حين زج حزب الله، وهو الذي صار يلعب دورا رئيسيا في الحياة السياسية اللبنانية، بقواته في تلك الحرب، ضاربا عرض الحائط القرار الرسمي اللبناني بالنأي بالنفس.

فمن خلال تلك المشاركة القتالية لم يعد لبنان حديقة خلفية لسوريا، بل صار ملعبا لصراع محتمل، تسعى جهات كثيرة إلى تأجيجه من خلال اللعب بالخيوط التي تتحكم بحركة الدمى التي تخلق تفاصيل الواقع اللبناني الهش. وهو واقع كان ولا يزال قابلا للاشتعال على خلفية غياب الثقة المتبادل بين الاطراف الفاعلة على الساحة السياسية اللبنانية.

وقد لا يكون سرا القول إن حزب الله لم يكن غافلا عما يمكن أن يقود إليه قراره المصيري من تداعيات، على مستوى ما يمكن أن يتعرض له من عمليات قتالية مضادة تسعى إلى الحاق الضرر بقاعدته الشعبية. وهو ما يعني الحاق الضرر بلبنان، بيئة اجتماعية يمكن أن تتعرض للتهشيم عن طريق ضربات سريعة تنجزها السيارات المفخخة والانتحاريون الذين لم يعد الحصول عليهم ليمثل مشكلة معقدة بالنسبة للكثير من الفصائل المسلحة التي تقاتل ضد النظام السوري.

لا يحتاج بلد مثل لبنان من أجل القضاء على سلمه الاهلي إلى كثير عناء.

فاللبنانيون الذين لا تزال ذكريات حربهم الاهلية تقيم تحت القشرة الخفيفة لحياتهم السياسية التي تتنقل بين الفراغات، يدركون جيدا أن قرار الحرب هو من اختصاص جهات، قد لا تكون الفرق اللبنانية المتناحرة سياسيا جزءا منها.

إنهم يخشون اليوم الذين يستعيدون فيه ذكريات السنوات التي كان فيها اللبنانيون ينفذون حرب الآخرين على أرضهم.

كان الكابوس جاهزا بكل تفاصيله المأساوية.

لربما انتظر الكثيرون أن يقوم حزب الله بمغامرته لكي يعجلوا في استحضار ذلك الكابوس. لربما شعر حزب الله بضرورة أن يحل الكابوس عاجلا بدلا من انتظاره. في الحالين هناك حاجة لبنانية داخلية إلى أن لا تظل الامور معلقة، بالطريقة التي صار اللبنانيون يتخيلونها اعلاميا: حكومة لتصريف الاعمال تعقبها حكومة عاجزة عن اقناع الآخرين ببيانها الوزاري.

وكما أرى فان حزب الله وإن صار يمثل الطرف الأقوى في الحياة السياسية اللبنانية فانه لم يكن قادرا على اقناع اللبنانيين بأن وجوده على الساحة السياسية يمثل حلا للمشكلات التي تراكمت في طريقهم.

لن يكون في إمكان حزب الله في هيمنته على الحياة السياسية اللبنانية أن يضع حدا لشعور اللبنانيين بالخوف من الوقوف مجددا عند خطوط التماس.

فبغض النظر عن الصورة التي صار يقدمها الحزب عن نفسه باعتباره كيانا سياسيا، فان صورة مقاتليه، الذاهبين منهم إلى القتال في سوريا والعائدين من هناك في النعوش على حد سواء هي ما تمثل حقيقته: ميليشيا راهنت على القوة في حل خلافاتها مع الآخرين.

كانت انتصارات حزب الله في سوريا عنوانا لحجم الثمن الذي يمكن أن يدفعه لبنان.

فبعد انتصار يبرود السورية حلت نكبة البقاع اللبنانية مباشرة.

إنها حرب عصابات يقف أمامها العقل السياسي عاجزا.

"شهداء" حزب الله الذين سقطوا بالمئات في يبرود هم في النهاية لبنانيون. وقتلى البقاع هم لبنانيون أيضا. وإذا ما تدهورت الاوضاع في طرابلس فان القتلى لن يكونوا سوى لبنانيين، دفعت بهم مغامرة حمقاء إلى طيش حرب طائفية جديدة.

وإذا ما كنا لا نتوقع أن يتراجع حزب الله عن مغامرته فاننا بالقوة نفسها لن نتوقع أن يتخلى الآخرون عن أساليبهم القذرة في استهداف نقاط الضعف في الجسد اللبناني.

نتمنى أن لا يكون لبنان ساحة للحرب السورية البديلة، بعد أن وهنت الارادة الدولية في معالجة الازمة السورية.