تدشين إعلان الإسكندرية حول 'حقوق المرأة في الإسلام' بمكتبة الإسكندرية

نحو اجتهاد إسلامي معاصر

الإسكندرية ـ نظمت مكتبة الإسكندرية بالتعاون مع مؤسسة "مدى"، مؤتمر "قضايا المرأة: نحو اجتهاد إسلامي معاصر"، وذلك يومي 10 و11 مارس/آذار الجاري. وتم خلال المؤتمر تدشين بيان الإسكندرية لحقوق المرأة ليكون إطارًا حقوقيًا جامعًا للمرأة المسلمة المعاصرة انطلاقًا من الأرضية الإسلامية.

وشهدت الجلسة الختامية للمؤتمر حضور الدكتور شوقي علام؛ مفتي الجمهورية. وقال الدكتور شوقي علام إن حقوق المرأة نالت من الدراسات والأبحاث ما قدمه الكثير من علماء الأمة، وعلى رأسهم المفسرون والفقهاء ممن يسعون لتفسير النص الشريف. وأضاف أننا اليوم أمام موضوع خطير من مواضيع حقوق المرأة؛ وهو حقوق المرأة بين النص والممارسة.

وأوضح أن الممارسة في كثير من الأوقات قد تكون خاطئة وعلى خلاف ما يرمي إليه النص الشريف، وقد يكون سبب ذلك إما العادات والتقاليد، أو عن عمد أو قصد أو لي، والخروج بالنص لغير مقصوده الشرعي تمامًا.

وعن حقوق المرأة، أكد أن ما أثبت الشرع للمرأة من حقوق لا يمكن لأحد ما أن يذهب بهذه الحقوق ويدفعها عنها. وشدد على أن البحث يجب أن يكون في نطاق المصدر؛ القرآن والسنة.

شارك في المؤتمر نخبة من الأساتذة والعلماء. وافتتح المؤتمر كل من الدكتور إسماعيل سراج الدين؛ مدير مكتبة الإسكندرية، والدكتور محمود عزب؛ مدير منتدى الحوار بالأزهر الشريف وعضو المجلس القومي للمرأة، ومنى أمين؛ منسق البرنامج القومي لتمكين الأسرة بالمجلس القومي للسكان.

جاء المؤتمر ليشكل إسهامًا حقيقيًا على صعيد قضايا المرأة في المجتمعات ذات الأغلبية المسلمة. واهتم المؤتمر بوجه خاص بمعالجة أصول هذه القضايا من خلال ردها إلى المفاهيم التأسيسية لنصوص الوحي الإلهي؛ للبحث عن الدلالات الأصلية لهذه المفاهيم وكيف التبست بالمفاهيم والقراءات البشرية عبر العصور والتي شكلت الأساس لبناء منظومة أفضلية الرجل.

وسعى المؤتمر إلى تعميق النظر في القضايا النسائية المطروحة من خلال الانتقال من مستوى المعالجات الجزئية إلى مستوى المعالجة الكلية التي تنظر في الأصول المفاهيمية، وتعيد النظر في هذه الأصول من منظور معاصر، وطرح رؤى اجتهادية جديدة انطلاقاً من الأرضية الإسلامية التي تضم تنوعات ثرية من الآراء الفقهية والشرعية، ومحاولة تطوير أدوات ومناهج البحث النسوي الإسلامي، وإنشاء شبكة من الباحثات والباحثين من ذوي الاهتمام بقضايا المرأة من منظور إسلامي.

وفي كلمته، قال الدكتور إسماعيل سراج الدين إن المؤتمر يأتي ضمن سلسلة مؤتمرات ومشروعات تقوم بها المكتبة لخدمة الثقافة الإسلامية والإنسانية معًا؛ ومنها مؤتمر الإمام محمد عبده الذي عقدته المكتبة بمناسبة مرور 100 عام على رحيله، ومؤتمر اتجاهات التجديد والإصلاح في الفكر الإسلامي الحديث، ومؤتمر تعارف الحضارات، وغيرها.

وأوضح أن مؤتمر هذا العام يركز على قضايا المرأة وضرورة التجديد والاجتهاد فيها، فباب الاجتهاد مفتوح أمام العقول النابهة والمبادرات الجادة. وأضاف أن علماء الأمة ومفكريها حاولوا الإجابة على الكثير من الأسئلة، وعلى العلماء الآن مسئولية الاجتهاد استجابة لتحديات العصر، وفي مقدمتها قضايا المرأة.

ولفت إلى أن المكتبة قامت في هذا الإطار بمشروع "الفكر النهضوي الإسلامي" لإعادة نشر اجتهادات رواد الإصلاح والنهضة، وصدر منه حتى الآن 45 كتابًا.

وفي كلمتها، تحدثت منى أمين عن أهمية الخطاب الديني في القضية السكانية، وضرورة أن يكون هناك خطابات دينية مستنيرة تساهم في إحداث نقلة مهمة في قضايا المرأة والسكان والتنمية بشكل عام. وأكدت أن المؤتمر يمكن أن يساهم في بلورة الأفكار المستنيرة التي تؤثر بشكل إيجابي على الخطاب الديني وتقوية وتحصين التشريعات الخاصة بالمرأة.

من جانبه، أكد الدكتور محمود عزب على أن الأزهر الشريف تمكن من استرداد دوائره الثلاثة التي عرف بها؛ وهي الدائرة الوطنية، الدائرة العربية والإسلامية، والدائرة العالمية. وأضاف أن الأزهر حقق إصلاحات هائلة تكاد تكون ثورات في داخله، حيث نال استقلاله في الشئون العلمية والإدارية، وأصبح إمامه ينتخب من هيئة كبار العلماء.

وأكد أن الأزهر ينغمس في قلب ثقافة الحوار، حيث أنتج وثيقة الأزهر، ووثيقة الحريات الأربعة الأساسية (العقيدة، الرأي، البحث العلمي، والإبداع)، كما أنتج وثيقة حقوق المرأة، والتي أسست على مبادئ أن الإسلام أعطى المرأة حقوقا لم تحصل عليها في أي ثقافة أخرى، وأن عصور الازدهار حققت ذلك عمليًا.

ناقش المؤتمر قضية المرأة من خلال أربعة محاور؛ هي: المرأة في المنظور القرآني: المفاهيم التأسيسية، المرأة والمنظومة الأسرية، المرأة والمجال العام، وحقوق المرأة بين الأصول النظرية والممارسات التطبيقية.

وتناولت الجلسة الأولى بحثًا عن أسس العلاقة بين المرأة والرجل من منظور قرآني، للدكتورة نادية الشرقاوي، باحثة بـ "مركز الدراسات والبحوث في القضايا النسائية في الإسلام بالمغرب. وعقب على البحث الدكتور عاصم حفني، محاضر بالدراسات الإسلامية، جامعة ماربورج بألمانيا. وتحدثت في تلك الجلسة الدكتورة أماني صالح؛ أستاذ العلوم السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، حول مفهوم المساواة في الرؤية القرآنية. وعقب على حديثها الدكتور عمرو الورداني، أمين الفتوى ومدير التدريب بدار الإفتاء المصرية.

وتناولت الدكتورة أميمة أبو بكر، أستاذ الأدب الإنجليزي بجامعة القاهرة، في الجلسة الثانية، رؤية اجتهادية جديدة لمفهوم القوامة. وعقب على حديثها الدكتور مجدي عاشور؛ المستشار الأكاديمي لفضيلة مفتي الديار المصرية.

وتحدثت الدكتورة منجية السوايحي، أستاذ بالمعهد العالي لأصول الدين، جامعة الزيتونة بتونس، حول العنف الأسري: قراءة في مفهوم الضرب وتأويلاته، وعقب على حديثها الدكتور محمد سالم أبو عاصي، أستاذ التفسير بجامعة الأزهر. وتطرقت الدكتورة نيفين رضا؛ أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة تورنتو بكندا، إلى رؤية معاصرة للإجماع من خلال مسألة تعدد الزوجات، وعقب على بحثها الدكتور محمد نجيب عوضين، أستاذ الشريعة، كلية الحقوق، جامعة القاهرة.

وفي الجلسة الثالثة، تحدثت الأستاذة فاطمة حافظ، باحثة بمركز خطوة للتوثيق والدراسات بمصر، عن الحق في الاجتهاد وإنتاج المعرفة: قراءة في مفهوم النص وتأويلاته، وعقب على حديثها الدكتور زكي الميلاد؛ باحث في الشأن الإسلامي ورئيس تحرير مجلة الكلمة بالمملكة العربية السعودية. وتحدثت الدكتورة ميادة الحسن، أستاذ الفقه بجامعة الملك فيصل، عن حقوق المرأة الاقتصادية بين الشريعة والعرف، وتعقيب الدكتورة فاطمة المدغري، أستاذ القانون الإداري، مركز التوجيه والتخطيط بالمغرب. وتناولت الدكتورة مروة شرف الدين، حركة مساواة، في بحثها، تحديات تعديل قانون الأحوال الشخصية من منظور نسوي إسلامي، وعقبت عليه الدكتورة سوسن الشريف؛ الجامعة الأمريكية بالقاهرة.

وتحدثت في الجلسة الختامية الدكتورة سهيلة زين العابدين؛ عضو اللجنة الوطنية السعودية لحقوق الإنسان بالمملكة العربية السعودية، حول المرأة والقيادة السياسية: قراءة في مفهوم الولاية، وعقب على بحثها الدكتور محمد أبو زيد الأمير، عميد كلية الدراسات الإسلامية – جامعة الأزهر، المنصورة. وتناول الدكتور محمد الأرناؤوط، أستاذ التاريخ الحديث في جامعة آل البيت (الأردن/ كوسفو) الوقف كمؤشر لحضور المرأة في المجال العام: الماضي والحاضر والمستقبل، مع تعقيب الدكتور إبراهيم البيومي غانم، أستاذ العلوم السياسية والمستشار بمركز البحوث الاجتماعية والجنائية بمصر.

وفي الختام، تم تدشين إعلان الإسكندرية حول "حقوق المرأة في الإسلام"، حيث تدارس المشاركون في المؤتمر أهمية إصدار إعلان ينبع من الأرضية المعرفية والثقافية، يؤكد على الحقوق المشروعة للنساء، ويلبي تطلعاتهن نحو العدالة والمساواة، ويقر بعقائدهن وتنوع ثقافتهن.

ويستند هذا الإعلان على مبادئ الشريعة الإسلامية السامية وبعض اجتهاداتها الأصلية، وهو ثمرة نقاشات دارت في الأزهر الشريف خلال عامي 2012 و2013، وضمت عددًا من الرموز النسائية المصرية، وممثلي الجمعيات الأهلية المعنية بحقوق النساء، والجلسات الثرية التي شهدها مؤتمر قضايا المرأة.

ويضم هذا الإعلان المبادئ الأساسية والقواسم المشتركة للحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية على نحو يلائم المجتمعات الإسلامية على اختلافها، ويسمح لها بأن تتعامل مع قضايا النساء وفقًا لثقافتها وأوضاعها السياسية والاقتصادية المختلفة.

وينطلق الإعلان من الرفض التام لتسييس القضايا المجتمعية أو استغلال المرأة في الصراع السياسي بين القوى المجتمعية المختلفة، والتأكيد على قيم الوسطية المعتدلة المميزة للثقافة الإسلامية والثقافة الأسرية المنبثقة منها، والإيمان بأن المساواة في النفس والروح والكرامة والمكانة الإنسانية والشراكة في المسئولية عن الكون وإعماره مفاهيم جوهرية في علاقة الرجل والمرأة في الإسلام، والحرص على أن تكون التشريعات الخاصة بالمرأة ذات طبيعة اجتماعية توافقية تراحمية لا تصارعية، والاتجاه إلى مشاركة المرأة في المجالات العامة.

ويتناول إعلان الإسكندرية حول "حقوق المرأة في الإسلام" حقوق المرأة ومسئوليتها؛ من خلال عدد من المحاور؛ هي: قيمة المرأة الإنسانية والاجتماعية، والشخصية القانونية للمرأة، والمرأة والأسرة، والمرأة والتعليم، والمرأة والعمل، والمرأة والأمن الشخصي، والمرأة والعمل العام.

ويبين الإعلان أن وضع المرأة في الإسلام يتأسس على المساواة مع الرجل، سواء في مكانتها الإنسانية أو من حيث عضويتها في الأمة والمجتمع، وإذا كانت المساواة في النفس والروح والكرامة الإنسانية والمشاركة في المسئولية عن الكون وإعماره مفاهيم جوهرية لعلاقة الرجل والمرأة في الإسلام، فإن مفهوم القوامة يؤكد على المسئولية الحكيمة، ويعني الالتزام المالي نحو الأسرة، وأن يأخذ الزوج على عاتقه توفير حاجات الزوجة والأسرة المادية والمعنوية، بصورة تكفل لها توفير حاجتها وتشعرها بالطمأنينة والسكن، بما يحقق المسئولية المشتركة بين الرجل والمرأة، ولا تعني القوامة في الإسلام سلطة الرجل في التصرف المطلق والهيمنة على الزوجة والأبناء.

وأكد الإعلان أن المرأة تتمتع بالأهلية الكاملة، ولها ذمتها المالية المستقلة، ومسئوليتها القانونية، وحق التصرف الكامل المستقل فيما تملك، وللمرأة حق شرعي غير منازع في الميراث، وعلى الدولة ضمان حصول المرأة على حقها.

وأوضح البيان أنه لا تزال تشريعات الأسرة المستندة إلى مرجعية إسلامية تحتاج إلى مزيد من الجهد لاستيعاب المفاهيم والقيم الإسلامية الصحيحة للأسرة، والتي أصبحت الظروف ملحة لتأكيدها من خلال التشريعات ووسائل التربية والتوجيه. وأهم تلك المفاهيم المودة والرحمة كأساس لقيام الأسرة واستمرارها.

وشدد البيان على أهمية سعي الدولة والمجتمع لتوفير ودعم فرص المرأة في التعليم دون تمييز، وأن يقوم عمل المرأة على قاعدة تكافؤ الفرص والعدالة، وبخاصة المحتاجة والفقيرة والمعيلة.

وأضاف البيان إن موضوع زي المرأة في الإسلام أمر حسمته الشريعة وجرى عليه جمهور فقهاء المسلمين وعلمائهم، وفحواه أن الاحتشام في الزي وستر العورات مطلوب شرعي. وأكد أنه على الدولة أن تقوم بدورها المهم من خلال التشريعات القانونية مدعومة بالمنظومة الثقافية، وعليها تجريم كل أشكال الانتهاك الجنسي والجسدي للمرأة.

وأخيرًا، شدد البيان على أن المرأة صاحبة حق أصيل في الجماعة الوطنية ولها حق وواجب في النصيحة والشورى والقيام بالقسط، وهي محملة بالأمانة مستخلفة كالرجال سواء بسواء، وهو ما يفرض عليها المشاركة في العمل العام ناخبة ومنتخبة، لإيصال ما تراه صحيحًا من آراء وحقوق ومصالح عامة إلى القائمين على صنع القرار في الجماعة الوطنية التي تتشكل على أسس من التعاون والتوافق بين مختلف مكوناتها.