وقفة على أعتاب مؤتمر بغداد

انتهى مؤتمر بغداد لمكافحة الارهاب من دون ان يعطينا ملامح المرحلة المقبلة، أو يحدد سقفاً زمنياً لنهاية "الارهاب" او الخطوات المطلوبة لاحقاً.

كان، كما توقعنا، مجرد كلمات تلقى هنا او هناك، لتقديم الدعم والتأييد للحكومة الراعية للمؤتمر ليس إلا، وكأنها، اي الحكومة، لم تكن تطلب اكثر من ذلك، برغم ان الدول التي اعلنت دعمها، لم تأت بموقف جديد، فقد سبق لها ان عبرت عن تأييدها ودعمها قبل ذلك، وبرهنت عنه عمليا، بصفقات سلاح ودورات تدريبية مكثفة لعناصرنا الأمنية، في الداخل والخارج.

فيما حاول المؤتمر، ان يعطي زخماً اعلامياً لصالح الحكومة، ويبعث برسالة الى الشارع اقرب ما تكون الى دعاية انتخابية منه الى تشخيص لظاهرة الارهاب، والتي بدت ملامحها واضحة من خلال المشاركين الذين كانت تمثلهم الحكومة وكابينتها بشكل خاص، وفي حين غاب او غيّب اطراف العملية السياسية من الذين يحسبون في خانة المنافسين او المعارضين من جلسات المؤتمر، خرجت قضية الإرهاب من اطارها المحلي الى اطارها الدولي، وكأنها أصبحت حالة عالمية، يفترض من خلالها أن يستبعد كل ما هو محلي، ولعل هذا ما حاولت أن تلخصه سفيرة الاتحاد الاوروبي، عندما وصفت حرب المالكي بأنه يخوضها نيابة عن الإنسانية، وهذه اللغة التي تبنتها، تتقاطع تماماً مع موقف برلمان إتحادها، والذي عبر عنه في مؤتمر قريب.

لا نريد ان نتبنى ظاهرة المتشائمين الذين حكموا على المؤتمر بالفشل، ولا المتفائلين الذين وجدوا فيه نصرا للحكومة، وانما نحاول ان نكون موضوعيين في مناقشة شكل ومضمون المؤتمر.

بداية، كان الحضور اقل من العدد الذي أعلنته الهيئة المنظمة للمؤتمر، كما ان المشاركين كانوا في الغالب على مستوى سفراء، وهؤلاء في العادة يستجيبون الى اية دعوة، حتى لو كانت دعوة غداء او عشاء.

ربما هذا الأمر لا يقدم كثيرا في المؤتمر ولا ينزع عنه صفة "الدولية" لكن من باب اثبات الحقائق لا غير.

يبدو ان الحكومة كانت حريصة على توجيه الاعلام في مجال واحد، لذلك كانت التغطية محصورة بوسائل اعلامية محددة، بحيث كانت الرسالة الاعلامية تبدو مستنسخة، وتعبر بشكل او بآخر عن وجهة نظر الحكومة في الغالب، فيما ركزت على جعل المشكلة الأمنية وافدة من الخارج، وبالتالي لم يتم تناول الازمات الداخلية التي تمثل "الحكومة" طرفاً اساسياً، في تدهور الاوضاع عموما، ما جعل المؤتمر مدفوعا نحو قضية "ارهاب دولي" من دون ان يناقش الوضع العراقي الداخلي المأزوم بصراعات سياسية وحزبية وطائفية، احد محاورها الحكومة بالتأكيد.

واذا كان المؤتمرون قد مثلوا دولا او هيئات في هذا المؤتمر، فان الاشكالية في طبيعة هذا التمثيل، حيث لا يخلو سجل بعضهم من ممارسات تدخل في لائحة ارهاب الدولة، ما يعكس صورة سلبية لنوع الصراع الذي يراد توجيهه باتجاهات تعطي شرعية لقمع الشعوب تحت مسوغ محاربة الارهاب.

لذا، كان الاجدى بالمؤتمر ان يعطي شكل ومضمون الارهاب، قبل ان يناقش آليات محاربته، من اجل ان تمنح مجالا اوسع للتشخيص وتحديد ملامح الخلل، وكذلك التمييز بين المطالب المشروعة التي قد تصل الى الثورة الشعبية، وبين الارهاب الذي يعبر عنه بالقتل، مثلما يعبر عنه بانتهاك الحقوق، وهو شراكة غير منفصلة بين الدولة والافراد، والاجهزة الامنية، والمنظمات والعصابات المسلحة.

ولعل اهم ما قيل في المؤتمر، تلك الدعوة التي وجهها رئيس بعثة الامم المتحدة في العراق نيكولاي بيلادينوف في كلمته امام المؤتمر، الى حكومة المالكي، "لإيجاد قوات أمنية حيادية وغير مرتبطة بالاحزاب لمحاربة الارهاب"، وهي اشارة واضحة يريد من خلالها ان يؤكد ان هناك استغلالاً لعنوان "الارهاب" في مواجهة المعارضين او اصحاب الحقوق باستخدام قوات حزبية او ربما ميليشيات، لم يسمها، لتحريف وجهة الصراع.

كذلك، مطالبة مستشار وزير الخارجية الاميركي بريت ماكورك، بغداد، بسحب مقاتليها من سوريا في اشارة الى الميليشيات، وهو بذلك يوجه تهمة مبطنة واضحة للحكومة بارسال قوات تحت غطاء ميليشياوي للقتال الى جانب نظام بشار الأسد الذي أرتكب ويرتكب أبشع الجرائم ضد الإنسانية.

انتهى المؤتمر. لكن هل سنشهد أياما من الامن والاطمئنان، وهدنة من القتل والاعدامات، والخطف والاعتقالات؟ نتمنى ذلك من كل قلوبنا، لكن فاتنا ان نتساءل: كم كلف هذا المؤتمر من نفقات؟ خصوصا في ظل المخاوف والنذر التي تشير الى احتمالية اعلان الافلاس خلال شهر اذا لم تقر الموازنة، اضافة الى حالة العجز؟ وهذا التساؤل يدعونا الى مؤتمر جديد، لكن هذه المرة لمكافحة الفساد. والسلام أمانة لكل المؤتمرين.