محمد إبراهيم أبو سنة: حتى بريق الذهب اختفى في مصر

نحن في مرحلة العاصفة

استطاعت أعمال الشاعر الكبير محمد إبراهيم أبوسنة أن تحتل مكانة مرموقة علي خارطة الشعر المصري الحديث بفضل خصوصيتها تجربة ورؤية وتطوراً، له ثلاثة عشر ديوانا شعريا وعشر دراسات أدبية بالإضافة لمسرحيتين شعريتين هما "حصار القلعة" و"حمزة العرب"، من دواوينه "قلبي وغازلة الثوب الأزرق" و(حديقة الشتاء) و"أجراس المساء" و"تأملات في المدن الحجرية" و"البحر موعدنا" و"مرايا النهار البعيد" و"شجر الكلام".

ووفقا لتقرير لجنة تحكيم جائزة سلطان العويس التي حصل عليها أخيرا أن تجربته تنقلت في مضامين قصيدته ما بين الحب والشعر الرومانسي المثالي، وقد تنوع شعره في مجالات مختلفة ومستويات فنية تطويرية وكذلك امتاز شعره بإحكام بناء القصيدة ولغة محكمة وصور شعرية متطورة وموحية، وتناغم موسيقي تفاعلي.

وفي هذا الحوار معه نتعرف على تفاصييل المحطات الرئيسية في مسيرته مع الشعر.

بداية أكد أبوسنة أن جائزة العويس قيمة خاصة متميزة تعتبر تتويجا لهذه الرحلة الطويلة التي بدأت منذ أواخر الخمسينيات ـ 1959 ـ وحتى الآن، ذلك أنها تتمع باحترام وتقدير المثقفين العرب، نظرا لنزاهتها وسموها وابتعادها عن شبهات التحيز والمجاملة بسبب وجود لجان تحكيم يتم اختيارها من أفضل الأدباء والمفكرين والنقاد، والذين يخلصون لضمائرهم والارتقاء بالثقافة وأظن أنها احتلت مكانتها المرموقة بين الجوائز العربية وتوجهها إلى ما هو أصيل في إبداعنا العربي المعاصر.

وقال "كان انفتاح الرؤية الشعريية في مرحلة الستينيات مرتبطا بما هو قائم في ذلك الزمن في وجود مشروع قومي للوحدة العربية ومشروع اجتماعي لتحقيق العدالة الاجتماعية، ومشروع نهضوي يرتكز على نهضة الفنون والعلوم المختلفة، والانفتاح الواسع والعميق على الثقافات العالميية، والتحام حركة الواقع، لهذا جاء ديواني الأول "قلبي وغازلة الثوب الأزرق" وثيق الصلة بالجذور الرييفية التي ولدت في ظلها، لأني انتقلت إلى القاهرة في العاشرة من عمري، فهناك في هذه الديوان بؤس الفلاح في هذه القرية والنسق التقليدي للثقافة الذي عقول وقلوب وأرواح هذه القرى، وهناك صورة للصدام بالمدينة من خلال الانخراط بالواقع اليومي الثقافي والسياسي والاجتماعي، بل إن الرؤية تنبسط وترتبط بما يسمى الثقافة العالمية التي كنا في ذلك الوقت نرتبط بقراءة كثير مما ترجم منها ببيروت على مستوى الأشعار التي كانت تترجم لشعراء الواقعية الكبار في العالم مثل بابلو نيرودا، وبول إيلوار ولوركا، وكذلك الرؤية الفكرية للمدرسة الوجودية لجان بول سارتر، وكان هناك تأثير عميق من جانبي بما كان يشيع في تلك الفترة من الواقعية الاجتماعية.

وأضاف "في هذه المرحلة ربما كان أفضل ما حصلت هو الاعتراف بشاعريتي بعد صدور هذا الديوان في عام 1965 حيث استقبله النقاد بكثيير من الترحيب والتشجيع والتحليل والدراسة خاصة عند نقاد من أمثال د. عبد القادر القط ود. محمد النويهي ومصطفى عبد اللطيف السحرتي، وعدد من النقاد والشعراء الشباب".

وأكد أبو سنة أنه "ربما نظر الكثيرون إلى هذه المرحلة بأنها تغوص في أفق رومانسي بينما كانت ملامح الواقعية واضحة في معظم قصائد هذا الديوان، كانت هناك ظواهر فنية ترتبط بملامح الحركة الشعرية التي كانت راسخة في تلك المرحلة عند شعراء مثل صلاح عبد الصبور وعبد الوهاب البياتي وبدر شاكر السياب، وفي هذا الديوان ظلال أسطورية فرعونية ويونانية، وتستطيع أن تقول بإطمئنان إن ثمة عناقا بين الواقعية والغنائية ولا أقول الرومانسية في هذا الديوان.

بعد هذا الديوان ربما تأتي مرحلة أخرى حيث أحسست بإلحاح ضروري للانتقال من مرحلة الديوان الأول إلى أفق درامي ينعكس على بنيية القصيدة، ووقعت هزيمة 1967 لينتقل المشهد بأكمله من المرحلة التي كانت قبل الهزيمة لاستشراف أفق جديد على المستوى السياسي والثقافي والشعري والفني، وربما كانت بشائر هذا التحول الفني أو الدرامي ظهرت في المرحلة الثانية والتي يتصدرها ديوان "حديقة الشتاء" ثم يجيء بعده ديوان "الصراخ في الآبار القديمة" لتكتمل الثلاثية بديوان "أجراس المساء" في عام 1975".

وأشار أبوسنة إلى أن صدور الديوان الخامس "تأملات في المدن الحجرية" كان صرخة مدوية في الأفق الشعري الذي كان مخيما على نهاية السبعينيات، في تلك المرحلة كانت هناك محاولات من جانب النظام لإعادة الحياة في المدارس التي طويت صفحتها مثل الرومانسية في الثلاثينيات والأربعينيات، كانت هناك محاولة حثيثة لطمس حركة الشعر الحديث وإعادة حركة التطور الشعري إلى وراء ما قبل 1952 وقد التقط أستاذنا لويس عوض هذا المحور في الصراع بين المدارس الشعرية المختلفة في مقاله الذي كتبه عن ديواني "تأملات في المدن الحجرية" 1979 بعنوان "هل الشعر في أزمة" في الأهرام 31 أغسطس 1979 وفيه انتصر لويس عوض لحركة الشعر الحديث ووقف بصلابة وشجاعة ضد محاولات النظام السياسي لهدم حركة القصيدة الحديثة.

وقد أحدث المقال دويا هائلا في الساحة الثقافية حيث ساعد في ظهور حالة من الفرز الشعري لنرى أن ثمة مسارين لحركة الشعر المصري أحدهما يحاول العودة إلى الخلف والآخر يحاول تسلق الأسوار والانتقال للمستقبل.

بصدور هذا الديوان بدأت مرحلة جديدة تستطيع أن تسميها المحطة الثالثة في تجربتي، وتأكدت بعد صدور ديواني "البحر موعدنا" الذي حصلت به على جائزة الدولة التشجيعية ووسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى، وفي هذه المحطة كانت هناك تجربة موازية لحركة القصيدة عندي تمثلت في اهتمامي واتجاهي نحو كتابة المسرحية الشعرية وقد أنجزت مسرحيتين هما "حصار القلعة" و"حمزة العرب".

ولفت أبو سنة أن المرحلة الرابعة في مسيرته الشعرية كانت الاتجاه للقصيدة الصافية والتغلغل في الذات والاقتراب من حصاد الذكريات والتأمل الوجودي في القضايا الأبدية، "بدأ هذا مع ديواني السابع (مرايا النهار البعيد) الذي تناوله أيضا د. لويس عوض بمقال كبير في صحيفة الأهرام وتوقف عند قصيدة (الاسكندرية) ليثير جدا حول رؤيتي لشخصية الاسكندر الأكبر في هذه القصيدة، ثم جاء ديوان (رماد الأسئلة الخضراء) ليمثل انعطافة هامة نحو التركيز على العناصر الشعرية الخالصة، وربما جاءت لغة الديوان وآفاقها الشعرية جديدة على لغتي وأسلوبي في الدواوين السابقة، وقد التفت عدد من النقاد إلى الظواهر مثل د. مطفى ماهر ود. محمد عبد المطلب، وتستطيع أن تقول إن هذا الديوان يقف في مرحلة وحده قبل الانطلاق إلى ما يسمى بالمرحلة الأخيرة وهي المرحلة التي تتضمن ديوان (رقصات نيلية).

وقال "حصلت عن ديوان (رماد الأسئلة الخضراء) على جائزة كفافيس اليونانية في الدورة الأولى لمنح الجائزة، أما ديوان (رقصات نيلية) فيمثل مرحلة مختلفة في شعري لأنه يتضمن تجربة اغترابي لمدة 11 شهرا في إحدى الدول العربية وحصلت بهذا الديوان على جائزة أندلسية للثقافة والعلوم 1994، ثم جاء ديوان (ورد الفصول الأخيرة) الذي حصل على جائزة محمد حسن الفقي السعودية".

ويضيف الشاعر محمد إبراهيم أبوسنة: "تجربتي الشعرية انتقلت إلى مرحلة أخيرة من خلال ديوان (شجر الكلام) ثم ديوان (موسيقى الأحلام)، فديواني الأخير الصادر عام 2009 (تعالى إلى نزهة الربيع)، هذه هي العلامات الفنية ذات المغزى في تجربتي التي أشرنا إليها".

ورأى أبوسنة أنه "حتى بريق الذهب اختفى في مصر الآن، لأننا نعيش مرحلة انتقال عصيبة طغى فيها الغبار حتى توج رؤوس الأشجار، الواقع يغلي بالأحداث والمفاجآت والجراح والدماء والفجوات بين الأجيال، ولكن هذا لا يمكن أن يطيح أبدا بمكانة الشعر في حياتنا، الشعر نهر متفجر في كل نفس بشرية، وربما كان زمن الثورات هذا هو الأرض الخصبة ليظهر بشكل جديد للشعر المصري والعربي، وهناك طغيان بالطبع للغة العامية على حساب اللغة الفصحى، ولكن النبش في هذا الركام الهائل من الكتابات سوف يطلعنا على قصائد مدهشة ليس فقط لدى الأجيال الجديدة بل لدى كل الأجيال منذ الخمسينيات حتى الآن، بعد أن يهدأ غبار الفوضى والظنون والشكوك والصدامات والاتهامات ستظهر قدرة شعرية جديدة في مصر عمادها الحداثة والواقعية، هذا ما أتصوره الآن.

وأكد "نحن في مرحلة مضطربة ولا تتيح لا للمثقفين ولا غيرهم، أداء دورهم في التنوير والتطوير والتبشير بقيم جديدة، نحن في مرحلة عاصفة وأصوات المثقفين تبدو وكأنها جزر منفصلة، كل مثقف يقف وحده ليغرد أنشودته بطريقته الخاصة، وأعتقد أنه نتيجة لتراكم الملاحظات والانتقادات والصدامات بين المثقفين سوف تفرز بالنهاية خريطة يحكمها التناغم إذا اختار المثقفون العودة إلى ما يسمى بالنشيد الشامل أي العمل داخل سياق منسجم مترابط، كل هذا مرهون بحسم التطورات السياسية على الساحة الآن، ولا شك أننا بانتظار مدهشات جديدة ومواقف لم تكن تخطر على البال، فقط أحب أن أبشر الجميع بأن مصر قد أثبتت وخلال كل هذه العواصف ورغم الهزائم والانكسارات والحروب والمكائد أنها ظلت رائدة في الحوار مع المستقبل ولم تنكسر ولم تصبها الغيبوبة، وهي الآن في طريقها إلى مستقبل مشرق وخالد.