تجوال المفلس في مَتجر الوقائع

يشاركني اليأسُ متعة الترحالِ

بين الإرادة المصنوعة من المعطيات الموضوعية وبين العالم المتخيّل واللامُنسجم يأذن الشاعر قاسم محمد مجيد لنصوصة بنقل تجربته النفسية بأن تعيش مثاليتها وتتمسك بموروثها الوجودي تارة عن طريق إعادة مخاطبتها عبر إرث الحروب والفاقة واليأس، وتارة عبر متطلبات الوعي الإنساني في نظرته لمستلزمات الحياة بشكلها الشمولي ومستلزماته بالشكل الخاص. وبذلك يقطع الشاعر حبل الإلتفاف على موجوداته ويساهم بحريته المقوضة في تأسيس خطوطه البيانية عبر عملية إسترداد موفقة لتفحص متجر الوقائع الملئ بالمشاهد البصرية هذه المشاهد التي تلد مثيلاتها من الصرامة والصراخ والقنوط والإقتراب من هاجس الموت.

وكل تلك الأشياء يراها الشاعر ملائمة لإستكمال تكونه جزءا بعد جزء في واقعة حصلت أمس وأخرى حصلت اليوم وأخرى وبيقينه ستحصل غداً للإفادة من علاقة الأشياء ضمن زمنين مختلفين يمكن تسميتهما بالزمن الإنفعالي، والآخر العقلي، لتدارك كيف سيكون الإدراك وهو الحالة العقلية وكيف ستكون العاطفة وهي الحالة الوجدانية الإنفعالية، وبما أن المستويات التوقعية لدى الشاعر تتعزز بالعديد من محفزات الخيبة والإنكسار والعزلة، فإن فرديته ستهب لنجدة نصوصه لينتقلَ من الإدراك الأولي للوقائع الى الإدراك الواعي أو الشعور، كما أسماه ليبتنز، وضمن تلك الإنتقالات أو التزاوجات قبض الشاعر في نصوصه على فكرة التقابل بين الألم وبين اللذة، وكلاهما يمثلان ـ وضمن مستويات النصوص ـ طبيعة إيجابية، فالألم يعني الخلاص واللذة تعني أيضا الخلاص وكلاهما يعنيان الحالة الوجودية لرؤيا الشاعر تجاه كوارثه.

وبالرغم من كثرة تلك الوقائع وطول مدياتها فإن المخيلة هنا تبقى رهينة الكشف الباطني، وهذا الكشف هو الذي دعى الشاعر أن يوجه دعوته للغته تلك التي ذكرناها لجمع أشلاء نداءاته في أشيائه الكثيرة التي بقيّت تقاوم في الذاكرة:

يطلُ الغسقُ على المدينةِ

سحابَةً تنبضُ بالخوفِ وبالفاقة

وفي الطريق الموحل

يشاركني اليأسُ متعة الترحالِ

تنفرطُ النجومُ

تنغرزُ في حقول سأمي

فلا أملك إلا حلمي

ذاتَ مرةٍ

رأيته هائماً

حدقتُ عميقا في عينيه قبل أن يختفي

بين نجوم الشتاء القليلة المبعثرة

فاندسَ في غرفة موحشةٍ

احتضنَ بقوةٍ ذاكرةَ الحزن

وأعلن من هناك

ندائيَ اليائس،

لاشك أن التحولات التي تطرأ على مضامين النص تعني أن هناك تحولا في طبيعة استخدام اللغة وعندما تكون الذاتية المحرك الأساس للنصوص الشعرية يعني ذلك أن لغة الشعر بدأت تكتب بلغة (ما بعد العقلي) بعد أن أتم الشاعر حيازته للدوافع والقيمة المستقلة وصوتاوية الكلمة وصولا الى بنية الألفاظ والأفكار إذ ذاك يصبح المنتج الشعري ذا مركب تكاملي محملا على زمنه الخاص بعد أن تم إيقاظ الصور الكامنة في النفس ومن ثم إعادتها لواجهة الشعور، وهنا تدخل الفلسفة الكانتية في عملية الإستعادة تلك، بما يعرف بانتقال الكميات من والى بين العمليات التي تحدث في الذهن أو تلك التي تحدث عن طريق الحدس لتتم عملية الإستغراق بموجودات النص وحده مما يعزز جودة المضمون بعد أن تم تزويد النصوص بما يحتاجها من مكملات العملية الشعرية ومنها الإضافة والإلتئام، وغيرها من الأمور التي يدرك الشاعر حاجته اليها لإدراك قصده:

الساعةُ العاشرةُ

الوقتُ هنا

نيرانٌ مشتعلة من قلب الرقاص

وفي السماء

ثمة غيمة

تشبه وجوها بشرية

لا أحد منها هنا

فذات نهار مهدور دمه

أبحرت بهم سفن صامتة

في الساعة العاشرة

علقتُ على عنق الماضي

مرآةً

هشمتُها

كي لا أرى الوجه نفسه،

عندما يرافق المتلقي نصوصَ الشاعر قاسم محمد مجيد في مجموعته الشعريه (مدونة مفلس) فسيجد أن القيمة التكافئة ذات مستويات متوازنة في جميع النصوص رغم إختلاف الحدث هنا والحدث هناك والزمن هنا والزمن هناك، ولذلك أن هيئة الصورة الشعرية تحمل صفاتها المركزة والجوهرية والتركيز يعني لاوجود للتصورات التقليدية والجوهرية تعني إحاطة الشاعر بأثر نصه المستقبلي إستنادا لما إحتوى بين تتابعاته من تضامن عضوي والمبني على تقسيم الفعل الحيوي بمفهوم (دور كهايم) ولتكتمل في هذا المحتوى الضرورة والقصد.

annmola@yahoo.com