هل ينقذ الشعب العراقي سمعته هذه المرة؟

لم يكن الشعب العراقي معذورا في سكوته ثلاثة وثلاثين عاما على حكم صدام حسين، وقلة ثوراته عليه، وعدم إسقاطه بيديه، وانتظاره لدبابات أميركا لتفعل ما عجز هو عن فعله كل تلك السنين.

صحيح أن بطش النظام كان قد تخطى الحدود، إلا أن ذلك ليس سببا للاستكانة والقبول بالذل والظلم والفساد. وأمامنا الشعب السوري البطل الذي أصبح معجزة القرن بصموده في وجه حاكم خرج من خانة الآدمية ودخل خانة الحيوانات المفترسة في القسوة والهمجية والاستهتار.

كما أن شعبنا غير معذور أيضاً في صمته المحزن الحالي على ما جرى ويجري منذ سقوط البعث الصدامي وإلى اليوم، رغم أن جميع مكوناته تساوت في الشكوى من فشل النظام وديكتاتورية حكامه وتخلفهم ومتاجراتهم بالطوائف والشعارات الوطنية والقومية المزورة، شيعة كانوا أو سنة، مع الأسف الشديد.

ولكننا، والحق يقال، لا ننكر أبدا أن أحزابا وشخصيات وفئات وطنية شريفة عديدة حاولت أن تشعل الثورة ضد النظام الديكتاتوري السابق، وتحاول أن تثور ضد النظام الديكتاتوري الحالي.

إلا أن أمراض الشك والخوف والضغينة توطنت في طوائفه وقومياته، حتى صار كل فريق يتفنن في صنع المُعرقلات والمُثبطات، من أجل حرمان شقيقه الفريق الآخر من الراحة.

وما زاد من فرقتنا واحترابنا، وجعل كل طائفة من طوائفنا تقاطع الأخرى، وتتفرج على مصائبها، وتفرح لحزنها وتحزن لفرحها، وقوع الوطن العراقي التعيس بين جيران أقوياء وأثرياء حاسدين وطامعين في موقعه وثرواته وجدوا في تنافر طوائفه وقومياته وأديانه مداخل هينة فتسسلوا إلى صلب نسيجه الاجتماعي فمزقوه شر ممزق، ساعدهم على ذلك سياسيون انتهازيون جاهزون للعمالة والخيانة، ومستعدون لبيع أهلهم وأوطانهم لمن يدفع، حتى صار العراقيون مجاميعَ متناحرة متقاتلة، طائفة في وجه طائفة، وقومية ضد قومية، ودينا ضد دين، وكلٌ مجيشٌ لتخريب بلاده وترويع أهله لحساب ولي يعبث بحياتنا من وراء الحدود.

ولنا في انتفاضة آذار 1991 مثلٌ لا يُنتسى.فحين انتفض الشعب العراقي، كلُه، وكاد أن يُسقط النظام، سرعان ما انسحب السنة من الانتفاضة، برغم أن الذي أطلق شرارتها الأولى في البصرة ضابط سني من سامراء، وناصروا الديكتاتور، حتى وهم يئنون من ظلمه وجبروته، وذلك بسبب دخول إيران على خطها، وظهور صور الخميني والشعارات الطائفية المتخلفة التي أفرغتها من مضمونها التحرري التقدمي الوطني العفوي النزيه، وجعلتها كأنها هجمة إيرانية طامعة تهدف إلى إسقاط النظام الذي حاربها ثماني سنوات ومنعها من احتلال العراق وإلحاقه بها ولايةً إيرانية جديدة، كما حدث ويحدث اليوم.

ثم مثال آخر. كم مرة حاول فتيانٌ عراقيون متنورون تقدميون شجعان أن يتظاهروا ضد النظام الحالي، ويشعلوا فتيل انتفاضة شعبية شبيهة بانتفاضة الشعب السوري والتونسي والمصري، فقمَعهم الديكتاتور الجديد كما كان يفعل القديم، ثم سكت الشعب العراقي عن ذلك مرة أخرى، وترك أبناءه يتامى، وحدهم، يتساقطون تحت أقدام شبيحة الديكتاتور وكواتمه التي لا ترحم.

وبالرغم من أن ملايين المواطنين الشيعة يلعنون الحكم الديكتاتوري الحالي، ويشكون من ظلمه وفساده إلا أن تجار السياسة السنة، لأهداف أنانية شخصية فاقعة، يُحملون الطائفة كلها تبعات غبائه وطائفيته وظلمه، وهي منه براء.

والشيء نفسه يحدث للسنة. فرغم أن لأبناء الأنبار والمحافظات الست السنية حقوقا مشروعة هضمها الديكتاتور الحاكم وحزبه وإيران، إلا أن الطائفة الشيعية، بعشائرها ومرجعياتها، فضلت الصمت، بل أيد كثيرون من كبار رجالها استخدام القوة لفض الاعتصام والتنكيل بالمعتصمين، بحجة محاربة إرهاب داعش والقاعدة، وهو عذر لا يصمد أمام عقل ولا ضمير. فملايين أبناء المحافظات الست كانوا وما زالوا يقاتلون هذه الحثالات ويدفع ثمن إرهابها دما وخراب بيوت.

خلاصة القول إننا جربنا الجميع. فمن أيام بريمر وحتى اليوم لم يبق إمام في حسينية ولا مؤذن في جامع ولا شيخ عشيرة ولا زعيم عصابة ولا قائد مليشيا ولا سياسي (أفندي) يتشدق بالديمقراطية وهو أعدى أعدائها لم يركب على ظهورنا ويُذقنا مُر الشكوى والعذاب.

لقد ثبت بالدليل القاطع الملموس أن الذي دمر حياة الشعب العراقي وأعاده عشرات السنين إلى وراء، ومزق وحدته، واضاع أمنه، وبدد ثرواته، هو تطفل رجلِ الدين وشيخِ العشيرة وحاملِ الشهادة المزورة على السياسة والسطو على قيادة الدولة، وهم فاشلون وجهلة لا يؤتمنون ولا يرحمون.

لذا فإن الحاجة اليوم ماسة جدا إلى تيار وطني ديمقراطي تقدمي نقي ونزيه وصادق وأمين مؤهلٍ لأن يكون عابرا للطوائف والقوميات والأديان والمناطق، نضع أيدينا في يديه، ونكون من ناصريه وسانديه، ونحن بالملايين.

هل شاهدتم التظاهرة الرائدة التي انطلقت قبل أسبوعين، والتي تصدى خلالها مثقفو شارع المتنبي للمدعو نعيم عبعوب والتي هتفوا فيها "ما نريدكم..كلكم حرامية"؟

http://www.youtube.com/watch?v=iq-hr29JHKQ

ألا يصلح هذا الهتاف مفتاحَ فرجٍ وشعارَ ثورةٍ مدنية وطنية شاملة ضد الحرامية، كل الحرامية، دون استثناء ولا تمييز؟

فلا النجيفي ولا صالح المطلق ولا رافع العيساوي ولا غيرهم يمثلون الطائفة السنية بقدر ما هم مخلصون لمصالحهم ومنافع ذويهم وأتباعهم، باسم الطائفة وحقوقها المهضومة.

ولا نوري المالكي وإبراهيم الجعفري وعمار الحكيم وغيرهم يمثلون الطائفة الشيعية بقدر ما هم متشبثون بمواقعهم السلطوية، ويدافعون عن مكاسبهم الشخصية والحزبية والأسرية التي ما كانوا يحصلون عليها بغير المتاجرة بالطائفة وحقوقها.

هذه فرصة أخيرة لشعبنا، ولن تتكرر. إن ظروفها مواتية، وفرص نجاحها جاهزة، فإن ضاعت هذه المرة فلن تعود، ولن تقوم لنا بعدها قائمة.

فهل يتمكن الشعب العراقي هذه المرة من أن يثأر لكرامته وأن ينقذ سمعته، ولأن يثبت للعالم أنه شعب متحضر وأبيٌ وعزيزُ نفس وشجاع لا يقل غيرة وشهامة عن السوريين والتوانسة والمصريين، فيهتف، من اليوم وحتى موعد الانتخابات المقبلة، بصوت واحد، من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، ومن آخر قرية على حدوده مع إيران إلى أبعد قرية على حدوده الغربية، "ما نريدكم...كلكم حرامية"؟