'سياسيو الشنطة' والسفينة الغارقة

بالرغم من غيابه عن الساحة السياسية منذ أكثر عشر سنوات فان احدا لم يعلن عن العثور على ارصدة أو حسابات مصرفية سرية تعود إلى الرئيس العراقي الراحل صدام حسين في مكان ما في العالم. ألأنه كان مصمماً على البقاء حاكما حتى الموت؟

ليس من حقنا أن نستبعد النزاهة عنه، بالرغم من أنه استولى على ثروات العراق ووظفها بالطريقة التي تنسجم وطريقته في الحكم. كان مستبدا في اجبار العراقيين على التعليم وبالقوة نفسها على التخلي عن تطلعاتهم في حياة حرة كريمة. وفي الحالين كان يستمد قوته من ثروات العراقيين التي صار في ما بعد يبددها في حروبه المجانية التي انتهت بالعراق الى الافلاس.

بهذا المعنى كان الرجل لصا، ينفق على العراقيين من أموالهم التي استولى عليها، غير أن المثير في سيرته أنه لم يلجأ إلى تهريب أموال عراقية إلى الخارج باعتبارها أمواله الشخصية، كما فعل سياسيون عرب غيره.

يمكننا أن نذهب مذاهب شتى في تفسير سلوك من هذا النوع.

وكما أرى فان الرجل الذي كان يعتبر نفسه ملهما وضروريا ومخلصا تاريخيا لم يكن في حاجة إلى التفكير بماله الشخصي. كانت ثروة العراق كلها تحت يده. فما حاجته إلى أن تكون له ارصدة مالية خارج العراق لن يستفيد منها وهو الذي قرر البقاء والموت في العراق؟

سنفهم هذه النقطة الملغزة التي قد يعتبرها البعض مديحاً حين نراجع سير السياسيين العراقيين الذين جلبهم المحتل الاميركي معه ليصنع منهم قادة للعراق الجديد.

لم يكن واضحا أن احدا من أولئك القادة قد ربط مصيره الشخصي بمصير العراق كما كان هو حال الرئيس العراقي الراحل. لقد حضروا بحقائب فارغة وحين غادروا كانت حقائبهم قد غادرت قبلهم مليئة بالاموال العراقية المنهوبة. كانت فكرة السطو ولا تزال تمشي باقدامهم، بغض النظر عن الاقنعة التي وضعوها على وجوههم.

كانوا يساريين ويمينيين، علمانيين وذوي أفكار دينية متشددة، ليبراليين واصحاب نظريات ملتزمة، غير أنهم جميعا كانوا لصوصاً. لقد اجتمعوا على مائدة المحاصصة، وكان العراق بثرواته وجبتهم الاساسية.

بعد عام 2003 وهو العام الذي سقط فيه نظام صدام حسين امتلأت المصارف العالمية بأرصدة عراقيين، كانوا قبل وقت قصير مجرد حفاة، كان الكثيرون منهم يتفننون في اللعب على قوانين الرعاية الاجتماعية في بلدان اللجوء من أجل الحصول على مساعدات مالية أكثر. وهذا ما استمر البعض منهم في القيام به، بالرغم من أن وظيفته في العراق كانت تدر عليه أموالا هائلة.

كانت الدنمارك قد شهدت قبل سنوات فضيحة مدوية حين اكتشفت الشرطة هناك أن أحد العراقيين ممن كانوا مسجلين على نظام الرعاية الاجتماعية كان يقبض مرتبا شهريا في العراق بما يعادل أربعة أضعاف ما يقبضه رئيس الوزراء الدنماركي.

ولأن سياسيي العراق الجدد لم يعودوا إلى العراق إلا في اطار صفقة، كانت اللصوصية هي الجزء الأهم منها، فقد حرصوا على أن تبقى عوائلهم في بلدان اللجوء، لا لشيء إلا لأنهم على يقين كامل من أن ذهابهم للعمل في العراق هو جزء من تلك الصفقة، الذي يقدمون من خلاله خدمات للمحتل مقابل أن يُسمح لهم بتهريب الأموال التي صارت تحت أيديهم.

بهذا المعنى كان سياسيو العراق الذين أدخلوا العراقيين في متاهة الحروب الطائفية والتحريض على الكراهية ونبش القبور من أجل احياء ماض، الكثير من وقائعه كانت زائفة لم يكونوا سوى "تجار شنطة"، حين تنتهي خدمات أحدهم في العراق يعود إلى وطنه البديل باعتباره مليونيرا.

في مواجهة هذه الخسة اللئيمة صار العراقيون وقد سقطوا في الفخ، ينظر بعضهم إلى البعض الآخر بقسوة من أجل ألا يتذكروا يوما كان فيه الحاكم لا يفكر في القفز بنفسه من سفينتهم قبل أن تغرق.