حيل الإخوان لإنقاذ قطر

لم تبخل جماعة الإخوان بجهدها لتخفيف الضغوط السياسية عن كاهل قطر، عقب قرار سحب سفراء السعودية والإمارات والبحرين من الدوحة. وازداد الجهد، بعد إدراج الرياض للإخوان، وثماني حركات أخرى، ضمن لائحة المنظمات الإرهابية في المملكة، حيث استشعرت الجماعة أن خريفها قد اقترب في المنطقة.

الانزعاج الشديد من هذه التطورات جعلها تسلك طرقاً متنوعة، وتحول الدفاع عن قطر إلى دفاع عن الإخوان.

وفي ظل العواصف العاتية القادمة من جهات مختلفة، رأت الجماعة ضرورة استخدام حيل وتكتيكات سياسية غير مألوفة، لإبعاد المخاطر التي تنطوي عليها الإتهامات الموجهة للحكومة القطرية.

وكانت نقطة البداية، محاولة الربط بين قرار سحب السفراء وما يحدث في مصر وما تتعرض له من تدخلات سافرة من قبل الدوحة وإعلامها، حيث جرى تصوير الأول كنتيجة للثاني. بغرض تفريغ المعاني الخطيرة التي حواها قرار الدول الثلاث من مضمونها الحقيقي، واعطاء انطباعات خاطئة، بأن ما حدث لا يخرج عن كونه "مجاملة" للسلطات المصرية.

وبذلك تبدو الدوحة شهيدة "مؤامرة" عربية، ويتم التشويش على قائمة الاتهامات، التي تشير إلى طبيعة الممارسات التي قامت بها قطر ضد الدول الخليجية الثلاث.

لكن هذه الحيلة فشلت، لأن التدخلات تم رصدها بدقة في كل دولة على حدة، وأصبحت متاحة أمام الجميع للاطلاع. كما أن تفسيرات الإخوان، كالعادة لم تكن ناضجة، بينما كانت صاحبة الشأن أكثر حذرا من المدافعين عنها، في إشارة حملت معنى الاعتراف بالجرائم ضمنيا.

من جهة أخرى، تمادى اللوبي الإخواني المنظم على شبكات التواصل الاجتماعي، في الدفاع عن توجهات الأسرة الحاكمة في قطر، وسعى عبر وسائل متعددة إلى إظهار تماسكها وتكاتفها، وأن ما يتردد حول نشوب خلافات داخل ديوان القصر الأميري غير دقيق، وأمعن اللوبي في الكشف عن مواهبه، حتى يعزز مكانته عند من بيده الأمر والنهي، وأنه مفيد وقت الأزمات، وبالتالي يستمر الغطاء القطري.

في حين أن المعلومات التي توافرت لكاتب المقال من مصدر عربي مطلع على الشؤون الخليجية تؤكد صحة الخلافات، وكشف المصدر عن سبب تنازل الأب الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني لابنه تميم، وقال أنه جاء لإنقاذ العرش، بعد أن تضخم دور حمد بن جاسم رئيس الوزراء السابق، وأصبح خطراً لتحكمه في عدة ملفات حيوية، ووسط تدهور متلاحق في صحة الأب ازداد القلق، وخشي هو والأم موزة أن يتوفى فجأة فيقفز بن جاسم على السلطة ويزيح آل ثاني عن العرش نهائيا.

من هنا يمكن فهم تكتيك التعمية على الصراعات الداخلية. كما أن انفجارها ستكون له تداعيات وخيمة على الإخوان، الذين يعتبرهم قطاع مهم من الشعب القطرى سبباً رئيسياً في مأزق الدوحة الراهن، ورأوا أهمية قصوى في الدفاع عن توجهات "تميم"، حتى لا يضطر للتضحية بهم.

المحاولات المستميتة للدفاع عن قطر، وصلت إلى حد الزعم أن الدوحة تمتلك خيارات خارجية كثيرة، وضخمت الجماعة من نطاق الحديث عن الاستفادة من الأجواء الإقليمية المشحونة، والترويج لعدم استبعاد عقد تحالفات قوية بين قطر وكل من تركيا وإيران، وخجلوا من الإشارة لإسرائيل، وذلك للإيحاء بأن قرار سحب السفراء، أو حتى قطع العلاقات لن يؤثر على الدوحة، فلديها مساحة جيدة للحركة في الفضاء الإقليمي، يمكن أن تعوضها عن أي فراغ خليجي.

لكن الهدف الخفي الذي يحمله التلويح بهذه الورقة، يقول إن الدول الثلاث سوف تتكبد خسائر فادحة، إذا واصلت تصعيدها السياسي ضد القيادة القطرية، وقد تجد نفسها أمام حلف قوي.

ويشير التسويق والتشويق أيضا لهذا الاتجاه إلى عدم الإكتراث بالتصورات والإجراءات، الجماعية والفردية، ضد الدوحة.

ويقول المعنى في النهاية، إن حرب تكسير العظام التي تلوح في الأفق، ربما تخرج منها قطر منتصرة، وبالتبعية الإخوان، ويتم التقليل من أهمية المعلومات والاستنتاجات التي راجت مؤخرا، حول المصير المجهول للإخوان، بعد إخفاقاتهم المتتالية، وعدم قدرتهم على تغيير المشهد الحالي.

الحيل السابقة، ترمي إلى تحقيق مجموعة من الأهداف العاجلة، لتمكين القيادة القطرية من ترتيب أوراقها الداخلية والخارجية، بعد الضربة القاسية التي تلقتها من وراء سحب السفراء، والحفاظ على الحبل السري الواصل بينها والإخوان، لأن حلقات الخناق تتزايد حولها عربياً.

لكن في خضم الحماس لإنقاذ الدوحة، نسي هذا الفريق أو تناسى عاملين مهمين: الأول، أن مصالح قطر مع دول الخليج لا تقارن بمصالحها مع الإخوان، ولن يستطيع الشعب القطري العيش في محيط خليجي يلفظ قيادته، وهو الذي تعود الهدوء والسكينة مع جيرانه، وقد يعطي هذا التوتر من يريدون وربما يستعدون للقفز على السلطة (وقطر عريقة في هذا المجال ولها تجارب ناصعة) فرصة لعدم التردد، ومحاولة توظيف واستغلال التململ في الشارع القطري.

أما العامل الثاني، فيتعلق بحجم المشكلات التي يعانى منها كل من يرعى الإخوان أو يحسن إليهم. وأمامنا إدارة باراك أوباما المتهمة بالعمى السياسي، وفقدان البصيرة الاستراتيجية. والسعودية التي لفظتهم مؤخراً، على الرغم من الاحتضان السابق لعدد من القيادات، وتوفير مناخ مواتٍ للحركة لأنصارهم في المملكة. وأخيراً قطر التي وجد أميرها عرشه مهدداً بسبب دعم الإخوان، لذلك فكل حيل إنقاذ قطر تبدو محفوفة بالخطر.