هل ستتحرر ليبيا من حكم دولة الميليشيات؟

كان من نتائج الأزمة السياسية والأمنية بليبيا إطاحة البرلمان الليبي برئيس الوزراء علي زيدان وهروب هذا الأخير إلى أوروبا خوفا على نفسه من الاغتيال، فالاغتيالات والاختطاف وصل إلى الصف الأول من القيادات الحالية سياسية وعسكرية، ولعل الوضع برمته في هذا البلد لا يبعث على الارتياح.

فليبيا تعيش أزمات مقلقة ومتداخلة أمنيا وسياسيا واجتماعيا دامت بعد سقوط جماهرية القذافي وزاد من تفاقمها انتشار السلاح بلا حدود وفشل السلطة في طرابلس السيطرة على الأمور وضبط الأسلحة والميليشيات.

ليبيا الآن دخلت عهد "دولة" الميليشيات المسلحة التي لم تتردد في فعل أي شيء من اجل الاستحواذ على كل شيء، وما تجرؤهم على السيطرة على الموانئ النفطية ومحاولتهم تصدير البترول بمعزل عن مؤسسات الدولة إلا سابقة تُدخِلُ مستقبل البلاد وثراوته في مجهول لا آخر أفق له. خصوصا وأن حصار المنشآت النفطية بالمنطقة الشرقية للبلاد لأكثر من ستة أشهر خسرت بسببه ليبيا أكثر من 15 مليار دولار.

المؤتمر الوطني العام كأعلى هيئة سياسية وتشريعية في ليبيا صوت بأغلبية كان نصيب الإسلاميين فيها كبيراً على حجب الثقة عن حكومة علي زيدان وهي خطوة لم تكن الأولى ولن تجعل الوضع أكثر أمنا لكون الأزمة بنيوية، أمام المحاولات المستميتة من بعض الجهات المستفيدة من الفوضى وانعدام الأمن بليبيا إلى إنهاك نواة الجيش الوطني الليبي وقطع الطريق دون استكمال هيكلته، وذلك لإضعاف المؤسسات أمام ميليشيات مسلحة مملوكة لفئة متطرفة استطاعت التغلغل داخل الأجهزة الأمنية والاستخبارية والتأثير في صناعة القرار خدمة لمصالحهم.

كانت محاولة الاغتيال الفاشلة التي تعرض لها نائب رئيس الوزراء الليبي الصديق عبد الكريم في يناير الماضي رسالة من العابثين بأمن الليبيين بأنهم قادرون على الوصول إلى أي شخص وفي أي وقت وهم من يتحكمون في اللعبة ولا غنى عنهم في عملية سياسية بشروطهم دون التفريط في امتيازاتهم، تطمينات الوزير للشعب كانت تعوزها القوة، وإرادة سياسية تقف أمام تحديات بحجم تغلغل "دولة"الميلشيات المهددة لاستكمال بناء مؤسسات الدولة الفتية.

هروب علي زيدان من ليبيا كان فشلا للغرفة الأمنية التي شكلها لتأمين طرابلس أمام الميليشيات المسلحة ذات الولاءات المتعددة، وهدفهم بالدرجة الأولى تقويض سلطة الحكومة الانتقالية في محاولتها بسط السلطة المركزية على أعيان القبائل ومناطق الثروة النفطية وعلى الخصوص المناطق الشرقية التي تحاول الانفصال منها إقليم برقة.

حتى بنغازي ذلك المركز السياسي الذي تزعم الإطاحة بنظام القذافي فلم تسلم هي الأخرى من عنف الميليشيات المسلحة منذ مقتل "كريس ستيفنز" سفير الولايات المتحدة الأميركية في ليبيا وصولا إلى اختطاف نجل العقيد ونيس بوخمادة قائد القوات الخاصة التابعة للجيش الليبي، ما جعل الوضع الامني الهش الذي تعرفه مناطق ليبيا كلها خادما لاجندات الميليشيات المسلحة بشكل كبير.

وضع كارثي في ليبيا يساعد في دعم التصور حول أن الحرب القائمة بين الميلشيات والمؤسسات الفتية لن تنتهي أمام سيناريو بلقنة ليبيا، فالميلشيات المسلحة ذات المرجعية الإسلامية وقيادتها التي كانت مدرجة في قوائم المنظمات الإرهابية، مشكوك في تغيير مسارها على المدى القريب حيث أنها تحتكم إلى العنف أسلوبا للسيطرة على القرار بليبيا هذه الأخيرة التي تملك 47 مليار برميل من النفط كأهم مصدر في إفريقيا.

تحت غطاء ديني متطرف وآخر قبلي ضيق ونَفَس انتقامي ستكون منصات النفط الكبرى في خطر وهي الهدف الأساسي لمن أراد التموقع والسيطرة على القرار السياسي والاقتصادي واحتكار عائدات الثروة، كل هذا أمام تحدي الاستقلال الذي أعلن عنه إقليم برقة الذي يوجد به ثلثا النفط الليبي ويسير في ركبه كذلك فزان التي تضم هي الأخرى حقولا نفطية هامة.

في ظل هذا الراهن الفوضوي من الصعب أن تتحكم الحكومة الانتقالية في حمى التفكك وانعدام الأمن رغم المحاولات الحثيثة لإيجاد صيغة تحمل عنوان المصالحة الوطنية، ونرى أن إرساء قواعد المصالحة عبر العدالة الانتقالية كما نجحت في دول أخرى يحتاج إلى إعادة تعريف الدولة والولاءات والمواطنة عبر نقاش وطني شفاف.

فهل ستخرج ليبيا من قبضة المليشيات وتدخل عهد بناء مؤسسات مستقرة بمواصفات تستحضر الولاء للوطن وليس للشخص أو الطائفة أو القبيلة؟ إنه سؤال محوري يصعب الإجابة عليه، لكن كرؤية نقول إن الأولوية القصوى لإنجاح المرور السليم من المرحلة الانتقالية إلى حقيقة الدولة التي لا تقبل بوجود ميلشيات مسلحة، تتم بصناعة دستور يراعي الحقوق والحريات وينبذ التعصب والتطرف داخل فصوله.

بالإضافة إلى أن التعامل مع وصفة المصالحة مع الديمقراطية ودولة المؤسسات والقانون ستكون أكثر نجاعة لتطويق الأزمة الأمنية وتقليم أظافر الميليشيات المسلحة والحفاظ على وحدة التراب الليبي وتحقيق مستقبل آمن بدولة تتعزز فيها المواطنة قبل أي شيء آخر.