ليلة من الشعر المثير في الحلقة الخامسة من شاعر المليون

منافسات الصور البديعة والايقاعات

أبوظبي – ليلةُ كان الشعر طافحاً فيها.. من أول شاعر من الشعراء الثمانية وحتى آخرهم، ومثلما بدأت الحلقة بفوز شاعرين اثنين عن الحلقة الرابعة الماضية، كذلك انتهت بفوز شاعرين عن حلقة الخامسة، والتي قالت فيها لجنة التحكيم المكونة من د. غسان الحسن، سلطان العميمي، حمد السعيد؛ من الآراء النقدية الإيجابية الكثير، إذ أبدوا إعجابهم بجميع القصائد، وبجميع المتسابقين الذين قالوا من الشعر الجميل.

وليلة الاربعاء على قناة أبوظبي – الإمارات، وقناة بينونة، وإذاعة أبوظبي "اف ام" تمّ بث برنامج "شاعر المليون" ليكون على مرأى ومسمع عدد كبير من المشاهدين والمستمعين الذين كانوا بانتظار الحلقة، إما لمعرفة نتائج الحلقة الماضية، أو لتشجيع شعراء الحلقة الجدد.

فائزان عن الحلقة الرابعة

بعد تقديم تقرير مصور عن قصر السراب، أعلن المقدم حسين العامري والمقدمة شيما نتائج الحلقة الماضية، والتي بقي على ساحة المنافسة فيها كل من: الشاذلي جودات/ السودان، أسامة محمد السردي/ الأردن، خالد القحطاني، سعود البلوي، عبدالله الرشيدي/ السعودية، سيف المنصوري/ الإمارات، عبدالله الحيلان/ الكويت، كامل البطحري/ سلطنة عُمان.

و تأهل منهم الاربعاء البطحري بـ74 بالمئة، والسردي بـ57 بالمئة، فيما لم تمنح لجنة التحكيم بطاقتها الذهبية لأحد، وذلك للمرة الثانية.

وقبل معرفة النتيجة الخاصة بالحلقة الماضية الرابعة، أطل الإعلامي والشاعر عارف عمر مُعد البرنامج، مُهنئاً الشاعر الإماراتي المعروف جمعة الغويص الذي فاز بجائزة أبوظبي، ثم رحب بالدكتورة ناديا بوهناد التي رأت في متسابقي الحلقة الخامسة العديد من الصفات التي لها دلالات نفسية تابعتها في ختام الحلقة، وهم تيسير الذيابات/ الأردن، وجديع العازمي/ الكويت، وحامد الكوكو/ سوريا، وحمود اليحيائي/ سلطنة عمان، وعبدالله العنزي/ الكويت، وعبدالله شنار الزعبي وعبدالله مدعج المطيري/ السعودية، ومحمد العرجاني/ البحرين.

متأهلان عن الحلقة الخامسة

ومع اشتداد المنافسة في الحلقة الخامسة مساء الأربعاء، وفي ختام ليلة شعرية حافلة بالإبداع والتألق والمعاني الجميلة، وبتصويت الجمهور عبر مواقع التواصل الاجتماعي كان الكوكو صاحب الرصيد الأفضل، إذ حصل على 27 بالمئة، فيما حصل على 48 درجة من درجات اللجنة الخمسين، والتي أطلقت عليه لقب عندليب الشعراء، في حين ذهبت أعلى درجات جمهور المسرح لليحيائي إذ حصل على 61 بالمئة، في حين منحته لجنة التحكيم ذات درجات سابقه، وهي 48 درجة.

وبالتالي مع انتهاء حلقة الاربعاء، تأهل كل من الشاعر السوري حامد الكوكو والشاعر العُماني اليحيائي للمرحلة الثانية بدرجات لجنة التحكيم، ولم يكن على الشعراء الستة إلا الخضوع لقانون المسابقة، إذ عليهم الانتظار أسبوعاً من القلق والتفكير.. لكن يا ترى من الذي سيفوز بتصويت الجمهور؟ خاصة مع تقارب الدرجات التي منحتهم إياها لجنة التحكيم.

نص "مثير الجدال"

من بين فرسان ليلة الاربعاء كان أول المتقدمين إلى مسرح شاطئ الراحة تيسير الذيابات ليلقي نصه (مثير الجدال) فقال في مقدمة نصه:

اترك إلّي تبقّى من غياب وتعال شوف ليل المعنى في غيابك طويل

ليه لا جيت حادي فوق ركب الوصال انتهي بك مقام وتبتدي بي رحيل

داخلي تمتمات وأمنيات وسؤال فج عوج المحاني ضاق فيها الصهيل

ما جهلتك حقيقة أو فهمتك خيال يا قريب وبعيد وممكن ومستحيل

مضيفاً:

ارتكبت الحقيقة في جنون احتمال وابتسمت لمحالك في تودد عليل

تشبه الانتظار وفتنة الارتحال يا كريم المفارق في وصالي بخيل

ثم اختتم نصه بالبيتين التاليين:

امتطيت الإرادة واحتزمت المثال كل خطوة بداية كانت لألف ميل

طالبك بعض حق الود يا ابن الحلال ساعي للكثير ومقتنع بالقليل

ووجد د. غسان الحسن في النص تناقضاً بين موقف الشاعر وموقف الحبيب، فالأول مقبل، والآخر مدبر، وقد بيّن ذلك صراعاً بين اليأس والأمل، الأمر الذي ولّد طباقات بين متضادات ومتقابلات، ولأن النص هو نص موقف؛ فإن الحدث لم يتطور فيها، ولأن الشاعر وصف اللحظة؛ فقد كانت المعاني تتكرر بشكل كثيف، ورأى د. الحسن أيضاً أنه كان على الشاعر أن يطور الحدث بشكل أكثر جمالاً.

وقال سلطان العميمي"كانت القصيدة قائمة على اللغة بشكل واضح، والدليل هو اعتماد الشاعر على المحسنات البديعية، والمقابلة والتناقض، لكن ثمة سلاسة في النص، وإيقاع وزني جميل، وصياغات جميلة، وإن كان بعضها مستهلك".

واشاد حمد السعيد بما قدمه تيسير، وبالأردن التي عينها على البيرق، مضيفاً أن الألم كان حاضراً من بداية النص إلى نهايته، علماً أن المتضادات ظهرت في نص الشاعر الذي كان حضوره جميل جداً.

استعارات "المنارة" وصورها

ثاني شعراء الأمسية هو جديع العازمي الذي قدم نصه اللافت (المنارة)، ومما جاء في مطلعه:

الوقت طول والمواقف مسايير والعمر رحلة والسنين استعاره

طاب السفر يا عاشقين المشاوير الشعر قرية والفريده مناره

دون العزاوي ما تفيد المعاذير إلا شبوبٍ ينتقدى بناره

والشاعر اللي يستبيح التعابير ما هوب عذب إن ما قريت انكساره

وتابع في متن نصه:

أحمل قضية جيل تفكيرهم غير يجمع خيوط الليل ستر لنهاره

يخاف لا باكر تلوفه معاصير تسلب حنان أرضه وتكشف أستاره

يا ملوكنا يا شيوخنا يا مناعير في أعناقنا بيعة ولا واستشاره

ثم ختم بالقول:

لا تأمنون الوقت لو كان به خير جايز حدث في يوم يمحي حضاره

مدوا جبال الوصل واردو على البير الحلم ما يدينه طول انتظاره

أجمل ستر ستر الرجل للغنادير وأعظم حمى حمى المواطن لداره

واشاد سلطان العميمي بالموضوع الذي طرحه الشاعر، وبالشاعرية التي تجلت في النص، وقال"لو أن الشاعر ابتعد عن الخطاب المباشر لكان التصوير أجمل، وبشكل عام كان بناء النص جيداً وكذلك الصور، والقصيدة أفحت عن وعي كاتبها".

ووجد حمد السعيد أن خاتمة النص (أجمل ستر ستر الرجل للغنادير/ وأعظم حمى حمى المواطن لداره) جميلة جداً، وما أعجبه الفكر الذي ينتمي إليه الشاعر، كما وجد أن النص انقسم إلى قسمين: شاعري، والآخر فيه انكسار.

من جانبه قال د. الحسن إن النص جميل، مشيراً إلى الأسلوب الذي اتبعه الشاعر في البداية، أما التشبيهات فقد جاءت وكأنها تعريفات، وفي النص - حسبما قال د. الحسن - ستة استعارات، وهي تشبيه بليغ قلما يلجأ إليه الشعراء، أما التصوير الذي حضر في النص فلم يكن دوره تجميلي فقط، ذلك أن الصورة الواحدة تشمل الكثير مما هو تحتها، ومن جماليات النص كذلك وجود العبارات المتقنة جداً والمتماسكة والمتكاملة التي تشبه الأمثال التي يتداولها الناس على ألسنتهم.

ربيع ونزف وغياب

"ما رح يرجعوا" هو عنوان نص حامد الكوكو، والذي أذهل اللجنة والحضور في آن معاً، ومما قاله الشاعر في مطلع نصه المفعم بالألم:

الشمس تجري وما تلاقي غير مستقر فيها والبدر لا طال السفر يغفو على أعتابها

والأرض تحضن سوريا بكفوف صحرا وبحر والغيم قبّل قاعها حتى نبتت أعشابها

يا جنة فيها النسيم يداعب أوراق الشجر يا ما لبست مما تحوك لها الورود أثوابها

في صيفها يا رجعة الغياب من بعد السفر عادوا سكارى يعصرون الحب من اعنابها

ويأتي الشتا والأرض تتقهوا زلال منهمر يروي شرايين الثرى ويطيب كيف شعابها

وربيعها ف قلوب أهلها قبل لا ينبت زهر وجاها رمى عبايته لسهولها وهضابها

لكن ربيعك يا عرب ما جا بيدّينه عطر حتى وروده كشرت للناس عن أنيابها

وصار الوطن ينزف عياله بين أكفان وهجر وعنّت نواعير المدينة فاقده غيّابها

وفي المقطع الأخير من (ما رح يرجعوا) قال الشاعر:

وطفلة تسولف للنجوم إن غاب ف الليل القمر لا تزعلوا أمي اختفت وبلا عذر لغيابها

قالوا لي إنها نايمة هالحين في هذا القبر وأنا بكل الأمكنة أشم عطر ثيابها

يا شام ما رح يرجعوا لا تعتبي عندن عذر ما دام حراس السما فكّوا لروحن بابها

ويلي سكنتوا بالسما ردوا سلامي بالمطر عطشانة روحي وصل ردّوا ولو بعتابها

يا تراب سجل بالدما شهادتك يوم الحشر هذي حروف مقدرة عند الإله كتابها

وشكر حمد السعيد الشاعر على إبداعه وحضوره الراقي، وعلى شعوره العالي بالوطن، وسأل الله أن يعجل بالفرج على أهل سوريا، وبدايةً أشار إلى الصور البليغة التي تجسد معاناة السوريين (وصار الوطن ينزف عياله بين أكفان وهجر/ وعنّت نواعير المدينة فاقده عيّبها)، وإلى وزن الحداء الذي جاء مناسباً للموضوع، وبالحديث عن الربيع

الكوكو حضر بالوجع السوري
فقد أسهب الشاعر فيه وأبدع برسم جمال سوريا، خاصة وأنه كرر مفردة الربيع في عدة أبيات، وما يبرر ذلك التكرار هو "الربيع العربي"، ثم إن قولبة النفس الشامي بقالب نبطي - كما جاء في الأبيات الأخيرة – كانت أمراً بديعاً قام به الشاعر.

(ما أجمل سوريا الموجودة في النص في النصف الأول).. هكذا بدأ د. غسان الحسن، إذ تمحور الكون حولها فيما جاء من مفردات مثل الشمس والبدر والنجوم والسماء، ومن ثم أتت مفردات النسيم والغروب والزهور لافتة، وكذلك تعداد الشاعر الربيع وألوانه، وفي تلك الأبيات استطاع الشاعر أن يعبر عن تلك الصور بجمالٍ، فهناك الربيع الفصل والربيع العربي، وهو ما تجلى في البيتين: (وربيعها ف قلوب أهلها قبل لا ينبت زهر/ وجاها رمى عبايته لسهولها وهضابها)، (لكن ربيعك يا عرب ما جا بيدّينه عطر/ حتى وروده كشرت الناس عن أنيابها).

وأضاف "في بداية النص تبدى الجمال، فيما تبدى القبح في النهاية، إذ قام الشاعر بإحلال الصورة القاتمة مكان الصورة الجميل، أما في النصف الأخير من النص فقد ركز الشاعر على طفلة بذاتها، فنقل الصورة إلى صورة إنسانية هي الطفلة البريئة التي لا تعرف القبر ولا الموت.

وختم بالرأي الذي أثنى على المستوى الشعري في النص الذي يحمل الكثير من تمثيل المأساة بصورة جميلة، ومما رآه كذلك د. الحسن أن الأبيات الثلاثة الأخيرة كانت غريبة عن النص، فهي خطابية مباشرة، في حين كانت الأبيات في البداية تهويمات في الشاعرية، والنص بشكل عام كان رائعاً.

ووجد سلطان العميمي أن القصيدة مكتوبة بحرفية عالية، مع خصوصية القضية، وخصوصية التجربة واللغة الشعرية والتصوير الرائع، تلك الخصوصية التي لم تأخذ من تجارب آخرين، أما بناء القصيدة فقد جاء محكماً، والشاعر كان صادق الإحساس، وهو ما بدا في تفاعله وإلقائه، فيما الجمال الموجود في الصور مختلف، وهو ما ظهر في هيئة لوحات فنية ومشاهد سينمائية تتضمن اللون والحركة والرائحة، وهذا إبداع يضيف للقصيدة إبداعاً.

"دعوة للتعايش".. لوحات رائعة

"دعوة للتعايش" قصيدة ألقاها الشاعر حمود اليحيائي لقيت استحسان اللجنة أيضاً، بدءاً من مطلعها الذي قال فيه:

كان الحكي مسجون في كهف جرنان شق الظلام وشب سنّه وسنّه

تلاحق بسرب القوافي والأوزان حتى تفرد وانشدوا الغيم عنه

ثم انتقل للقول:

اتاجروا بدم الصحابة إلى الآن من حكّموا المصحف بروس الأسنه

سم التعصب لا تمكن بالاوطان جرّوا على أطلال الاوطان ونّه

يا طير أمنّاك من طيش الانسان لحنك دفا يا طير أرجوك غنّه

ف عمان طير السلم يصدح بالأغصان حتى بنادقنا استحن يقنصنه

نحشي البنادق ورد ويثور بستان فوق السحاب ونذهل إنس وجِنه

ليختم بالأبيات:

حاشى ومن أرسى على عمان سلطان في حكمته ضدين نار وجَنه

واللي بذر فتنة حصد ثمر خذلان ما دام شينات النوايا سقنّه

هذي عمان إن كنت ما تعرف عمان عقولنا ثوب التطرف رمنّه

نعانق المسجد بعد صوت الآذان ونسجد إباضية وشيعة وسنه

وقال د. غسان الحسن "يبدو أننا سوف نرتوي من الشعر الرائع الجميل، فالقصيدة رائعة بلوحاتها الفنية رائعة التي جاءت في عدة أبيات، وكذلك التشبيهات الجميلة للغاية.

ثم شكر الشاعر على البيت الأخير (نعانق المسجد بعد صوت الآذان/ ونسجد إباضية وشيعة وسنه)، وفعلاً كان النص \'دعوة للتعايش\'".

من جانبه أكد سلطان العميمي على تناول القصيدة قضية جوهرية، وهي التعصب المذهبي، مشيداً بدقة الصورة (اتاجروا بدم الصحابة إلى الآن/ من حكّموا المصحف بروس الأسنه)، ودقة التصوير في عموم النص، وبشكل عام لم ينخفض إيقاع القصيدة لا وعياً ولا شعراً، إذ غاب الحشو عنها، وبالتالي كانت القصيدة من أجمل القصائد التي ألقيت في مسابقة "شاعر المليون".

ويرى حمد السعيد ان المدخل كان ذكياً، والقضية التي طرحها حساسة لكنها سارت على خير ما يرام، غير أنه وجد غياب لبيت الربط بين المقدمة والموضوع، ومع ذلك القصيدة لا تُشبِع.

كثافة التصوير

وانتقلت اللجنة إلى نص عبدالله الزعبي المتسابق الخامس، وهو الذي ألقى نصه ليلة الاربعاء فقال:

صوت الطواريق يا صمت المقادير سولفك ليل تغشّاه الأماني

قبل يتنفس صباح الخير ويطير حلمٍ لقاني حقيقه واحتواني

ابرسم الكحل بعيون الغنادير لين اسرق الشوف من عين الثواني

وأضاف في منتصف قصيدته:

خلاني الحب شاعر كنّي النِّير أسابق النور واقعد في مكاني

لقيته احساس خانته التعابير وعبّرته بصدق واخلاص وتفاني

وكانت الخاتمة مع الأبيات:

يا ما سهرته وصبّحته على خير وياما عن الشمس في الظل انحناني

وياه الأيام تحتاج لمعاذير عن كل طاري تذكّرت ونساني

عرفني انسان تغريه العصافير وتركني أشياء ما فيها معاني

واشاد سلطان العميمي بالزعبي حضوراً وشعراً رغم أن القصيدة تدور في فلك الذات والحب، وفي الأبيات الأربعة الأولى ومع أن الصور جاءت جميلة؛ إلا أن الوصول إلى المعنى كان صعباً، أما الأبيات التي جاءت في النصف الثاني من القصيدة فكانت أكثر وصوحاً، وفيها تصوير شعري جميل جداً، وكل ما سبق جعل القصيدة بكليِّتها مميزة.

وقال حمد السعيد إنها القصيدة السهلة الممتنعة الجميلة، والتي تحمل شموخاً محبباً، ومثلماً كان الشاعر رائعاً في الجولة كذلك كان ليلة الاربعاء، كما كانت قصيدته كذلك.

واشاد د. الحسن بأسلوب الطرح المختلف، وبكثافة التصوير الجميل، وقد رأى أن كل بيت فيه معادل موضوعي من

اليحيائي يدعو لصلاة موحدة بين كل الطوائف

الواقع، لكن القصيدة التي تحدث فيها الشاعر عن مشاعر ذاتية؛ لم تتحد لتشكل معادلاً موضوعياً كاملاً، ثم أضاف "إذا أردنا معرفة القصيدة أكثر علينا أن نقرأها مرة أخرى".

النص الأوحد

وكان عبدالله مدعج مثل من سبقه من الشعراء، إذ قال حمد السعيد عن نصه الذي ألقاه: الجمال فيه بالغ، والبداية ذكية، والشاعر بطل منذ الجولات، كان السعيد يراهن عليه، ويظن أن كسب الرهان.

ومما قاله مدعج في افتتاحية نصه

في مثل هاليوم من خمسه وثلاثين عام فتحت باب الحياة وصافحتني السنين

ولدت من غصن زيتون وحمامة سلام وكنت أشعر اللي بقلبي قوس ما هو وتين

وعزفت وأمي تهز المهد عند المنام حكاية العمر ما بين الفرح والأنين

طفل من الفجر لا فتح عيونه وقام كأنه يقول للعالم من العايدين

اتجاوز الوقت لأجل أصل لسقف المرام مراحل العمر كله عشتها بسنتين

مرت تعب وانتظار وأمنيات وغرام وبسمة شفاه وحزن نظرة ورعشة يدين

ليقفل نصه بالأبيات:

من مجتمع نظرته للعيب قبل الحرام جيتك معي نصف دنيا، ما معي نصف دين

حبيتك أصدق من النزوة وزيف الهيام وشكيت بأن الهوى من قبل أعرفك يقين

من ضلع أعوج لكن الحظ معك استقام العمر مرة وأنا عشته معك مرتين

من غيرك يردني خمسه وثلاثين عام واعود طفل قبل يكبر نسته السنين

وانسى دموعي وأنا احبك واغمض وانام واقول لا شفت دمعة سعيد أو حزين

دمع السعادة مثل دم الحزن بالتمام مع فرق الاحساس يبقى دمع ف الحالتين

وأشار السعيد إلى التسلسل العذب في النص، وطفولة العاشق ومعاناته، أما الختام (دمع السعادة مثل دم الحزن بالتمام/ مع فرق الاحساس يبقى دمع فا لحالتين) فكان تصويره جميلاً، والنص عموماً تعجز الكلمات عن شرح جمالياته، وقد حاول السعيد البحث عن "عذروب" أو هنة فلم يجد، فقد تبدّى الجمال من البداية وحتى النهاية في ذلك النص الشامخ.

وأكد د. غسان الحسن على جمال النص وفكرته، فلم يمر عليه في السابق من كتب في سيرة حياته قصيدة، والصعوبة - مثلما رأى الحسن – تكمن في انتقاء اللحظات التي تمثل كل مرحلة، وتحويل تلك اللقطات إلى أبيات شعرية محملة بالصور الجميلة والالتقاطات التي جعلت النص مترابطاً بتطوره الزمني والموضوعي، وهو أمر يحتاج إلى وعي كبير، وبرأيه أن النص كان يتطور مع تطور الإنسان، فكل فقرة فيها جمال وروعة، وهو ما أشار إليه أيضاً سلطان العميمي، وإلى المطلع الذي جاء ملفتاً، حيث تصاعدت الشاعرية والجمال في النص من بدايته إلى نهايته، أما السلاسة فقد كانت عجيبة، إذ انتقل الشاعر من الحديث عن الذات إلى الحديث عن العاشق، ونجح في ذلك، وبشكل عام مثّل النص كتلة واحدة، الأنثى كانت محوراً رئيساً فيه (الأم والمحبوبة)، والولادة تجلت فيه بولادتين، ولادة الشاعر ذاتها، وولادته مع المحبوبة، مشيداً بالبيت الذي قال فيه الشاعر: (من مجتمع نظرته للعيب قبل الحرام/ جيتك معي نصف دنيا ما معي نصف دين).

استقصاء وبيان ومعانٍ

وكان عبدالله العنزي سابع شعراء الحلقة، ومع قصيدة "فتحت بالحب" لقي إعجاب اللجنة والجمهور، وهو الذي قال في قصيدته:

طفت حروفي وشعري بات مكفوف يبحث عن الوصف بيده ما يلاقيه

لولا بعث نور خطواتك به الشوق بسطور أوراقي اخلاقك تقديه

لدغال أفريقيا للجوع للخوف للبؤس للموت دربك راح يمشيه

من جفلت روحك بأنات متلوف عقارب الجوع تقتاته وتفريه

فيما ختم نصه بقوله:

وزعت نفسك على الايتام بكفوف رغيف مبروك كل من جاع يكفيه

كريم من يعطي المحتاج مصروف ومن يعطي الناس عمره وش نسميه

ما يستحق نوبل اسمك اسمك ينوف وجهدك رضا الله يا ابن سميط يكفيه

والنص - حسب رأي د. غسان الحسن - كان جميلاً كلمات وإلقاء، وتفاعل الجمهور معه كان أجمل، وقد وجد د. الحسن تصويراً رائعاً في النص منذ مطلعه (طفت حروفي وشعري بات مكفوف/ يبحث عن الوصف بيده ما يلاقيه)، ومن هنا بدأ التصوير الذي يلمسه المستمع حين سماعه النص، أما البيان والمعاني فهما بؤرتان، عمل فيهما الشاعر على الاستقصاء، وذلك بتعداد المخاطر الذي ذهب إليها الداعية الكويتي عبدالرحمن السميط شخصية النص المحورية من خلال الخوف والبؤس والموت...، كما عمل على استقصاء المنايا وترك حياة الترف والرعب الكفر ، ومما وجده د. غسان في النص أيضاً الاستفهام، وهو أحد أساليب الاستبيان الجميلة، ذلك الاستبيان الذي وُجد في عدة مواضع من النص.

وما أثنى عليه سلطان العميمي بداية هو اختيار الموضوع الإنساني والموفق، ثم جماليات النص والابتعاد عن الصياغات العامة الفضفاضة، ووجود أوصاف لا تنطبق إلا على شخصية النص عبدالرحمن السميط، ما أعطى النص خصوصية معينة، وجمال، وأسلوب مميز، وقد وجد العميمي أن الشعر كان حاضر في كل الأبيات التي حمل أحدها تورية جميلة.

وقال حمد السعيد إن دخول الشاعر المسرح بـ "الدحة" ميزه عن الآخرين، ثم إن النص والطَّرْق والقافية والفكرة جسدت شخصية النص، وبرأيه أن النص الذي قدمه الهذال كان واحدا من أجمل النصوص التي خلدت شخصية السميط.

العرجاني.. أساليب ذكية

محمد العرجاني كان ختام حلقة الاربعاء، ومن خلاله سمع الجمهور قصيدته التي قال في مطلعها:

يا مخرج الحلقة إذا طولت ابي منك العذر ولك وجهي أن تسمع من الإبداع ما يشفي الكبود

الحلم عندي له سنة والشوق فيني من شهر للمسرح اللي من رحابة صدره العالم وفود

وانا على الفطرة صريح وصلف واغرف من بحر ولا اعرف إلا أشب ضو أدق نجر اسوق ذود

ثم قال:

في ليلة ضاق الفضا منها قبل ضيق الصدر وتنادي البحرين وين اللي يحفظون العهود

أنا ولد زايد ما يلحقكم على الدنيا قهر كلمة خليفة قالها والناس بافعاله شهود

ما غيره اللي نحترم به من صواديف الدهر ولا يوسع خاطر الرجال فالضيقات كود

لينهيها بالأبيات التالية:

قدام يا صقر العروبة ما لنا غيرك صقر إن قمت قمنا لك وفا وان زادت عزومك زود

خليجنا واحد يا قادتنا إلى يوم الحشر بالاتحاد وبالتعاون ما تفرقنا الحدود

لو الشعر بين العرب ما له وجود ولا مقر طلع عشان امدح فعايلكم وغاب أمن الوجود

واشار سلطان العميمي إلى خطابية القصيدة وحضور الشاعر المنبري المبهر، كما أشار إلى تفاعل الشاعر مع النص بكل ما يحمل من صور جميلة.

فيما وصف السعيد النص بأنه حاملُ الوفاء والعرفان، ووثق الفزعة التي لبتها الإمارات، وذلك بوقوفها إلى جانب البحرين، ورغم ابتعاد الشاعر "أسد الفرسان" - كما وصفه السعيد - عن السياسة إلا أنه خلد موقف الإمارات والسعودية.

ثم ختم د. الحسن الآراء النقدية بالقول إن الموضوع جميل ووطني، وفيه عرفان تجاه كل من الإمارات والسعودية، وقد نوّع الشاعر في طرح الأساليب الشعرية، فاستخدم الأسلوب الخطابي والمنبري، ثم دخل إلى الأسلوب الذاتي الذي يعبر عن التقريرية، وعرج على الأسلوب القصصي، فجمّل تنوع الأساليب النص، الأمر الذي أنقذه من النمطية.