السعودية: دواعي حظر جماعة الإخوان!

وقاية من وباء مع أنها متأخرة

عند قراءة هذا القرار الذي تبنى حظر عدد من الجماعات العنفية، أو الجماعات التي تتبنى الإسلام السياسي، يجب أن ندرك بشكل تحليلي أن من أصدر هذا البيان هو وزارة الداخلية في المملكة العربية السعودية، وليست وزارة الخارجية أو غيرها، وهذا يشرح أن بوصلة القرار تتجه بالدرجة الأولى نحو الداخل السعودي، لذلك فإن هذا القرار من وزارة الداخلية يجب قراءته وفقا لهذا المنظور الذي ينطلق من مسؤولية وزارة الداخلية في تحقيق الحماية الفكرية والثقافية للمجتمع.

يبدو السؤال المحتمل حول هذا القرار، وخصوصاً ما يرتبط منه بجماعة الاخوان المسلمين، وآليات وجودها في الداخل السعودي بجانب كونها منظمة تنتشر في كثير من البلدان العربية، وتنتشر في مهمات سياسية وعسكرية كما هو حاصل في سورية او ليبيا او تونس، هنا يجب الاشارة الى أن قرار وزارة الداخلية اعتمد ثلاثة أركان رئيسة:

الأول: مرتبط بعملية فكرية سياسية تخص المجتمع السعودي يتم بموجبها حظر الانتماء بجميع اشكاله لأي جماعة او منهج يتبنى أفكارا سياسية او افكار عنف وإرهاب وذلك بهدف اعادة تشكيل ثقافة الانتماء الفكري وحصرها بالوطن وولى امره وقواعد المنهجية الدينية الوسطى التي ينتمي اليها المجتمع.

ثتنياً: حظر الجماعات التي تتبنى الأفكار الخاصة بالإسلام السياسي واستغلال الدين في سبيل الوصول الى مواقع سياسية يمكن من خلالها تضليل الاتجاه الفكري والتراثي للمجتمع.

ثالثا: حظر الجماعات التي تتبنى العنف والارهاب وتستخدمه في المؤسسات الحكومية والمجتمعية واستغلال الافراد عبر التأثير الديني واستثارة عواطفهم بتوظيف المعطيات الدينية وبعض النصوص التراثية بهدف تضليل المجتمع وأفراده.

بيان وزارة الداخلية يعكس وبشكل واضح أن القيادة السعودية برؤيتها السياسية أدركت؛ وبشكل واضح أن المشكلة ذات علاقة مباشرة بالبيئة الفكرية للمجتمع أولاً؛ ثم بالأجواء السياسية والفكرية التي سادت العالم العربي خلال الثلاث سنوات الماضية وامتد أثرها على الكثير من المجتمعات العربية.

وزارة الداخلية وعبر هذا القرار أدركت أيضا أن تجربتها في محاربة تنظيم القاعدة خلال العشر سنوات الماضية كفيلة بمعرفة الخطر الذي يمكن أن يصيب المجتمع من جديد؛ فبعد ما يسمى بالثورات العربية ظهر جليا أن الدور الجديد للمنظمات الارهابية مثل القاعدة وفروعها ومنظمات الإسلام السياسي، يمكن أن تعيد الخطورة الفكرية للمجتمعات في كل انحاء العالم العربي عبر تمرير فكرة الإسلام السياسي بطرق أكثر عمقا بالاستناد الى الصورة السياسية التي خلقتها الثورات العربية خلال الأربع سنوات الماضية من خلال نشر قيم مبطنة مثل الديمقراطية والحرية وغيرهما.

حظر جماعة الإخوان في السعودية هو تنظيم داخلي تتولى وزارة الداخلية ترتيبه كما يشير القرار، ولكن هناك قضية قانونية أساسية لابد من فهمها فالجماعة لا تحظى بأي تصريح قانوني أو موقع إداري في المملكة، ومع كل التسهيلات والكرم الذي قدمته المملكة عبر تاريخها لهذه الجماعة إلا انها ظلت عنصراً غير إيجابي عبر تاريخها تجاه من يقدمون لها يد العون.

فقد ساهمت هذه الجماعة في تسلل أفكار غريبة إلى المجتمع السعودي، خلال العقود الثلاثة الماضية، ولعل المسؤولين السعوديين وخصوصاً في وزارة الداخلية هم أول من تنبأ بخطر الأفكار (الإسلام سياسية) لهذه الجماعة مع بداية ظهور العمليات الارهابية في العالم وخاصة العالم العربي.

هذا القرار سيساهم في تحديد الوجهة الجماهيرية للفكر الديني، بشكل خاص في المجتمع حيث أصبح جليا أن العودة إلى قواعد المجتمع الأساسية القائمة على تبني منهج إسلامي معتدل متوافق مع الدور الاسلامي الذي تقوم به المملكة بلد الحرمين الشريفين، من خلال إعادة ترتيب الثقافة الدينية وفقا لمتطلبات المجتمع الاساسية بعيدا عن تبني أي فكر يقوم على اعادة التشكيك بالثقافة الدينية في المجتمع كما فعلت الصحوة التي يمكن ان يقال عنها إنها البوابة التي سمحت بتبني الأفكار القادمة من جهة جماعات الإسلام السياسي او جماعات العنف الاسلامي.

منتج الصحوة خلال العقود الماضية هو المسؤول الاول والأخير عن كل الافكار التي تحدث عنها البيان فمنتج الصحوة سمح للكثير من الدعاة وممن ينتسبون للعمل الديني بالخروج عن المسار المعتدل الذي انتهجه علماء المملكة خلال الخمسين سنة الأولى من نشأة المملكة العربية السعودية في دورها الثالث، كما أن منتج الصحوة شكل وجها جديدا لتعاطي الاسلام السياسي لذلك انتشرت ظواهر كبرى في المجتمع لم تكن معهودة في أي زمن فمنذ اللحظة الأولى التي هوجم فيها عدد من علماء كبار في المملكة على يد مجموعات صغيرة من متعلمي الدين بدا واضحا أن هناك افكارا جديدة تغزو المجتمع ولم يكن هناك في الافق من مؤشر لمعرفة لماذا يحدث هذا سوى وجود ما يسمى ظاهرة الصحوة التي تسببت كثيرا في مثل هذه الظواهر السلبية.

الإسلام السياسي والعنف والتضليل الفكري جاء بشكل مباشر وغير مباشر عبر بوابة الصحوة التي سمحت بإنشاء تجمعات فكرية وثقافية وأيديولوجية بعيدة عن مركزية العلم الديني الذي تتولاه مؤسسة الافتاء وقد ذهبت الصحوة في طريق مختلف عبر التواجد في مؤسسات المجتمع العامة والخاصة بل انشأت جماعات في مؤسسات اسلامية ومواقع العبادة لدعم مشروعها.

وليس غريبا بأن يكون من الثابت أن جميع المنتمين فكرياً لجماعة الإخوان المسلمين سواء ممن يعترفون بذلك إعلاميا وثقافيا أو يرفضون الاعتراف كلهم منتج ظهر خلال الثلاثة عقود الماضية ولم يكن هناك من سائد فكري خلال هذه المرحلة سوى ظاهرة الصحوة.

قرار وزارة الداخلية ومعطياته المرتبطة بالولاء والبيعة والانتماء الفكري ورفض الافكار المعارضة للدين الإسلامي؛ يشكل عودة للقواعد الرئيسة التي بني عليها المجتمع السعودي منذ تأسيسه، ولكن هذا المجتمع بالتأكيد قد تعرض لبعض التغييرات غير المرغوبة خلال العقود الماضية، والتي ساهمت بجعل الكثير من أفراد المجتمع فاقدي التركيز ومرتبكي التفكير حول دورهم تجاه الوطن ودورهم تجاه الأمة الإسلامية؛ وهذا ما أربك الفكر المحلي وساهم في نشر وتكثيف الانتماء الأممي على حساب الانتماء المحلي ما أنتج كل مظاهر الانتماء للإسلام السياسي أو الانتماء لجماعات العنف الإسلامي أو التعرض للتضليل الفكري.

علي بن حمد الخشيبان

نشر في الرياض السعودية