عاصفة الخلافات مع قطر تهدد مجلس التعاون الخليجي

يوم الأربعاء 5 مارس 2014 أصدرت كل من السعودية والإمارات والبحرين بيان مشتركا أعلنت فيه أن حكومات الدول الثلاث قررت سحب سفرائها من قطر.وذكرت الدول الخليجية الثلاث في بيانها أن السبب الذي دفعها إلى هذا القرار يتمثل في إجراءات رأت أنه من الضرورة إتخاذها قصد حماية أمنها واستقرارها.وإعتبر البيان أن قطر دولة وشعبا ستبقى تابعة لمجلس التعاون الخليجي، ومكونا من مكوناته، رغم قرار سحب السفراء منها. كما دعا البيان ذاته قطر إلى العمل بشكل عاجل لردع أي صدع ممكن أن يحدث لدول المجلس.

في نفس اليوم أكد مجلس الوزراء القطري في بيان له، أنه يتأسف لما أقدمت عليه كل من السعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين، كما عبر البيان عن استغراب السلطات القطرية من القرار الصادر عن الدول الخليجية الثلاث مبينا أن قطر لن ترد بالمثل ولن تقوم بإستدعاء سفرائها.

وأوضحت قطر أنها كانت ولا تزال ملتزمة بمبادئ مجلس التعاون الخليجي وأن السعودية والإمارات والبحرين قاموا بسحب سفرائهم من الدوحة بسبب إختلاف حول قضايا واقعة خارج دول الخليج العربي وليس مثل ما ذكر البيان المشترك للدول الخليجية الثلاث الذي اتهم قطر بالمساس بمصالح الشعوب الخليجية وأمنها واستقرارها.

أزمة واسعة الأبعاد

قرار ثلاثة أعضاء من مجلس التعاون الخليجي الذي يضم ست دول تطل على الخليج العربي هي الإمارات والبحرين والسعودية وسلطنة عمان وقطر والكويت، لم يفاجئ غالبية المراقبين خاصة وأن عدة مصادر رصد كانت قد كشفت منذ أشهر عن تصاعد التوتر بسبب مواقف الدوحة وتحركاتها التي تمس أمن ومصالح العديد من الدول العربية ليس فقط الأعضاء معها في المجلس الذي تأسس في 25 مايو 1981.

يوم الأربعاء 19 فبراير 2014 نشرت أوساط إعلامية في العاصمة البريطانية معلومات عن الأزمة مع قطر، ووصفت علاقة الرياض بالدوحة بأنها متوترة جدا، وأن المملكة تستعد لاتخاذ إجراءات سيادية تتعلق بعلاقتها بجارتها، وذكرت أن مسؤولا سعوديا سلم مؤخرا إلى أمير قطر رسالة عاجلة من الحكومة السعودية تتضمن تنبيها بإحتمال مراجعة الرياض لعلاقتها مع الدوحة. وأرجعت المصادر الاعلامية ذلك إلى عدم وفاء أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني بتعهده المكتوب، والذي وقعه في القمة الثلاثية التي احتضنتها الرياض بمشاركة الكويت يوم الثلاثاء 24 ديسمبر 2013 حول إيقاف استخدام الأراضي القطرية للقيام بأعمال تسيء للاستقرار في كل من الإمارات والبحرين والسعودية ومصر واليمن ودول أخرى في القارة الأفريقية.

ونقل المصدر أن الرياض وضعت قائمة بالإجراءات الردعية المحتملة، من بينها إغلاق الحدود البرية ومنع استخدام المجال الجوي السعودي في عمليات النقل من وإلى قطر وتجميد اتفاقات تجارية واقتصادية جرى التوقيع عليها منذ عام 2006.

وذكرت الأوساط نفسها أن أمير قطر عرج بعد زيارته إلى تركيا في طريق عودته إلى بلاده على الكويت، محاولا إحياء الوساطة الكويتية بين قطر والسعودية.

بعد سحب السفراء تجدد الحديث عن الوساطة الكويتية، غير أن عددا من المراقبين لا يعلقون آمالا كبيرة على نجاحها لأنه يظهر أن الدوحة مصممة على مواقفها ومن يتابع قناة "الجزيرة" القطرية ونسخها المتعددة، "القناة العامة، الجزيرة مصر، الجزيرة مباشر"، يجد أنها صعدت من تحديها للمطالب، والشروط السعودية، التي أطلق عليها الإعلام القطري وصف "إملاءات"، وباتت تبالغ في برامجها في الهجوم على المشير عبد الفتاح السيسي ونظامه، واستضافت أعضاء في قيادة حركة الإخوان، والمتعاطفين معهم، بشكل أكثر كثافة من السابق.

يوم الخميس 6 مارس أشار مصدر مقرب من الحكومة القطرية إلى أن قطر لن ترضخ، "لن تغير قطر سياستها الخارجية بغض النظر عن الضغوط. هذا الأمر مسألة مبدأ نتمسك به بغض النظر عن الثمن".

وأشار المصدر أيضا إلى أن قطر لن تتخلى عن استضافة أعضاء من جماعة الإخوان بمن فيهم يوسف القرضاوي. وأضاف المصدر "منذ تأسست قطر قررنا أن نتخذ هذا النهج وهو الترحيب الدائم بأي شخص يطلب اللجوء في بلادنا ولن يدفعنا أي قدر من الضغط لطرد هؤلاء"، "من حق كل دولة ذات سيادة أن تكون لها سياستها الخارجية الخاصة".

هذا التصلب أشار إليه كذلك ديفيد رويرتس، مؤلف كتاب "حديث عن السياسة الخارجية لقطر"، حيث أكد إن دول الخليج الأخرى كانت لديها توقعات غير واقعية بأن نهج قطر سيتغير مع تولى الحاكم الجديد الأمير تميم زمام الأمور عام 2013.

تهديد واسع

فيما يخص المس بمصالح دول مجلس التعاون ذكرت مصادر إعلامية إلى أن المخابرات السعودية والمصرية رصدت دعما قطريا متصاعدا للحوثيين في اليمن والذين يهددون جنوب السعودية، وكذلك للجماعات الموصوفة بالجهادية أو الإخوانية في كل من مصر وليبيا وتونس ومالي ودول أخرى.

الرياض والمنامة من جانبهما قدمتا ملفاً للوسيط الكويتي يحتوي على أدلة واضحة على هذا الدعم، ويتضمن أيضا معلومات عن رعاية قطرية مالية لعناصر إخوانية سعودية وإماراتية وبحرينية تسعى لإثارة الفوضى، وتمويلها عبر أحد أفراد الأسرة القطرية الحاكمة وبعلم من القيادة في الدوحة، وكذلك عبر منظمات أجنبية.

يوم 7 مارس 2014 اتهم نائب رئيس الشرطة والأمن العام في إمارة دبي ضاحي خلفان، قطر بالتآمر مع إيران على السعودية ومحاصرتها وذلك "بدعم الحوثيين" في اليمن.

وقال خلفان كل دعم للحوثيين خروج عن مشروع اﻻمن الخليجي".

وأشار إلى أن "من يجهل المخطط اﻻيراني الرامي إلى محاصرة السعودية يكون جاهلا بالمشروع اﻻيراني في المنطقة".

وأوضح أن "أمن الخليجي العربي أغلى من ان يكون ضحية مراهقة سياسة ﻻي طرف، وينبغي أﻻ يكون محلا لعبث سياسي متهور في المنطقة".

وأكد "أمن الخليج العربي يبدأ من الداخل الخليجي. ولذلك فإن أي إخلال بأمن الخليج العربي يجب أن يواجه بصرامة".

وأضاف "التعاون العسكري مع إيران كارثة سياسية، ومقولة ان جيراننا ﻻ يهموننا مقولة تصلف ﻻتخدم قائلها".

محللون ذكروا أن الدوحة وفي محاولة لمنع إتخاذ قرارت عقابية تجاهها، لوحت ربما لكسب الوقت بإتخاذ إجراءات للتهدئة حيث تحدثت أوساط قانونية بريطانية عن أن قطر كلفت مكاتب محاماة في لندن بتولي عملية قبول الحكومة البريطانية طلبات لجوء للعديد من القيادات الإخوانية خاصة المصرية المتواجدة في قطر.

وأشارت إلى أن أحد هذه المكاتب هو مكتب "إيرفين ثانافي ناتاس" القانوني في لندن، المختص في قضايا حقوق الإنسان وقضايا الهجرة، وذكر أن المكتب سيتولى ترتيب أوراق لجوء عاصم عبد الماجد، وطارق الزمر، القياديين بالجماعة الإسلامية ومحمد محسوب، وأشرف بدر الدين، ومحمود حسين، وحمزة زوبع المتحدث الرسمي باسم حزب الحرية والعدالة المصري.

في حينه ذكر أن المحامي البريطاني طيب علي وهو من أصول هندية سيقود العملية، وقد عرف عنه وقوفه مع الإخوان ودفاعه عنهم في وسائل الإعلام البريطانية، وهو معروف كذلك بعلاقاته الوثيقة من أجهزة أمنية ومنظمات أميركية من ضمنها معهد بروكينغز، وهي مؤسسة فكرية أميركية مقرها في واشنطن وتعرف بتأييدها للتنظيم الدولي للاخوان والقيام بتدريب وتكوين أطره خاصة في المجال الاعلامي، وبنشر الكثير من أفكار المحافظين الجدد الذين وضعوا مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي ينص على تقسيم أقطار المنطقة إلى ما بين 54 و 56 دويلة على أسس عرقية ودينية ومناطقية.

يوم الخميس 6 مارس 2014 أكد مجلس الوزراء المصري، أنه لا يعتزم إعادة السفير المصري في قطر إلى الدوحة والذي تم استدعاؤه بداية شهر يناير 2014، وشدد المجلس على ضرورة أن تتحمل قطر مسؤولية إختيار حماية الأمن القومي للأمة العربية أو معاداة هذه المبادئ منبها إلى أن العبث بمقدرات الشعب المصري لن تتهاون معه القاهرة.

مواقف بعض الدول العربية من قطر مرشحة للتصعيد إذا لم تنجح الوساطات أو الضغوط المعاكسة، فخلال الثلث الأول من شهر مارس 2014 تحدثت مصادر في القاهرة عن اتصالات في الجامعة العربية لتجميد عضوية الدوحة، في حين تسربت أخبار عن تحركات أميركية لمنع عزل قطر.

وفيما يتحدث البعض عن أن الإجراء الخليجي قد يؤدي إلى فرض عزلة على قطر، بل وقد تتطور الأمور إلى "إغلاق المجال البري وحتى الجوي".

يرى آخرون بأن ذلك قد يدفع قطر لتوثيق علاقاتها مع دول أخرى، منافسة للسعودية والإمارات، كإيران وتركيا، بل وقد يؤدي إلى زعزعة الكيان الخليجي بتجميد عضوية قطر في مجلس التعاون.إلا أن المحلل السياسي القطري جابر الحرمي يرفض فكرة تفكك مجلس التعاون واستبعاد قطر منه، لأن "المجلس مر بأزمات عاصفة أيضا بين دول أخرى وتجاوزها".

الدعم الأميركي

يقدر العديد من المحللين أن قطر شكلت منذ سنوات أحد دعامات السياسة الأميركية في الشرق الوسط بالإضافة إلى أنها تضم أكبر القواعد العسكرية الأميركية في منطقة الخليج العربي وبحر عمان والمحيط الهندي.مصادر رصد أوروبية تؤكد أن قطر وفرت للسياسة الأميركية دعما غير مسبوق حيث أن ثروتها مكنتها من تقديم معونات ومساهمات مالية لأنصار واشنطن في العديد من مناطق العالم، وهي مساهمات كان من الصعب على البيت الأبيض تمريرها في أوقات معينة عبر الكونغرس.

تقرير لمركز أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي تسرب جزء منه للإعلام في 21 يناير 2014، أشار إلى دور قطر المحوري في التطورات التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط خلال الفترة الماضية، وأوضح أن قطر تحولت في السنوات الأخيرة إلى دولة "مفتاحية" في المنطقة وذات تأثير كبير خارجها.

واضاف التقرير ساعدها في ذلك القوة الاقتصادية الضخمة والاستعداد لاستخدامها لأغراض سياسية، إضافة إلى ضعف عدد من مراكز القوة الإقليمية على خلفية الربيع العربي، مثل مصر وليبيا.

ورأت الدراسة، التي أعدها الباحث في شئون الشرق الأوسط "يؤال جوزنسكي"، أن الدعم الأمني الأميركي لقطر سمح لها بالتحرك دبلوماسيا وماديا، لافتة إلى وجود أكبر قاعدة أميركية عسكرية بالشرق الأوسط على الأراضي القطرية.

لكن قوة الدوحة لم تكن فائقة دائما، فقد أحدثت دويا غاضبا تجاه سياستها الخارجية "المغامرة" ونشاطها الإقليمي.

وأشار التقرير إلى أنه على صعيد السياسة الخارجية، اتضح أن عددا من رهانات قطر قد فشلت وخاصة في سوريا ومصر.

وفيما يتعلق بالدور القطري في الوساطة بين الولايات المتحدة وطالبان، فإن هذه المفاوضات وصلت إلى طريق مسدود بعد إغلاق مكتب طالبان في الدوحة، وقد ألحق هذا ضررا كبيرا بمكانة قطر وقدرتها على تقديم خدماتها مستقبليا.

ورأى التقرير الإسرائيلي أن قطر ميزت في وقت مبكر صعود "الإسلام السياسي"، وعلى الرغم من استياء جيرانها في الخليج، إلا أنها وكعادتها حاولت ركوب الموجة الإسلامية والاتصال مع الممثل الأبرز لهذه الموجة وهي مصر برئاسة الرئيس المعزول "محمد مرسي"، بعد أن كانت علاقتها بمصر متوترة على مدى سنوات.

ولكن بعد سقوط نظام الإخوان في مصر، خسرت قطر حليفا رئيسا لها، كذلك قدرة التأثير التي لا يستهان بها التي كانت لها في القاهرة، وقد حاولت لكن بدون نجاح أن تقدم نفسها بعد ثورة 30 يونيو 2013 في مصر على أنها تدعم الشعب المصري وليس هذا النظام أو ذاك.

أيضا في سبتمبر 2013 أصدرت السلطات المصرية أمرا باعتقال الشيخ "يوسف القرضاوي"، المقيم في الدوحة، والمنتمي لجماعة "الإخوان" بتهمة التحريض على قتل أفراد الشرطة المصريين. وفقدت قناة "الجزيرة" القطرية جزء كبير من شهرتها والتأثير الكبير الذي تتمتع به في أجزاء غير قليلة من العالم العربي.

تسريب أسرار مجلس التعاون

الاتهامات الموجهة لقطر تجاوزت تعاونها الوثيق مع واشنطن وطهران، فيوم 6 مارس 2014 تحدث العميد خالد عكاشة الخبير الأمني المصري، عن بعض الأسباب التي تقف وراء قرار سحب السفراء، وقال: قطر سربت أسرار وتفاهمات خاصة بمجلس التعاون الخليجي إلى بعض الأطراف الخارجية، يأتي في مقدمتها الولايات المتحدة وتركيا وإسرائيل وإيران، موضحا أن هذا هو سبب إشارة البيان الثلاثي بأن "قطر قد أضرت بمجلس التعاون الخليجي".

واعتبر عكاشة أن قرار سحب السفراء، يضع قطر في موضع انتباه من أن دورها الداعم للإرهاب وتورطها في احتضان عناصر إرهابية على أراضيها، وتقديم الدعم المادي واللوجستي للجماعات الإرهابية عبر تنظيم لقاءات مخابراتية ليست فوق مستوى الشبهات في ليبيا وتركيا وتونس، لبحث سبل تقديم الدعم لهذه الجماعات، يحكم عليها بالعزلة في محيطها الحيوي الإقليمي، مشيرا أنه لأول مرة أن تصدر قرارات بهذا المستوى في وسط الجزيرة العربية.

كما أكد أن معظم الدبلوماسيين رفيعي المستوى الذين تواصل معهم، أكدوا جميعا له أن الهجوم الذي شنه حلف شمال الأطلسي "الناتو" على ليبيا في 2011، كان بمصاريف قطرية كاملة، منوها أن شيوخ قطر هم من كانوا يديرون بالنيابة الهجوم على ليبيا من خلال حلف "الناتو".

وتابع عكاشة "قطر تضع نفسها مطية لأجهزة المخابرات الأجنبية، وتحالفها المشبوه مع إيران ضد الدول العربية، يجعلها الذراع السياسي والمالي لأميركا ولإسرائيل في المنطقة، فقطر دولة بلا توجه، وتعتبر شوكة إيرانية في خاصرة الدول العربية، وتقوم بتنفيذ مخطط إسرائيل الذي يقضى بتقسيم وتفتيت الدول العربية، والدليل على ذلك دعمها لجبهة النصرة السنية التي تقاتل ضد الدولة السورية، ودعهما للحوثيين الشيعة في اليمن الذين حاربوا الجيش اليمنى ولعبوا دورا حاسما في محاولة تقسيم اليمن مؤخراً".

وبلغت الاتهامات دعم الإعلام المعادي للسعودية والإمارات، بتحويل مؤسسات قطرية إلى منابر تهاجمها، خاصة في ما يخص الوضع في مصر، وأغدقت الأموال على الرموز التي تعارض نظام الحكم في هذه البلدان، كما أنها وظفت المال السياسي وشركات العلاقات العامة في الولايات المتحدة والغرب للنيل من مصالح السعودية والإمارات، والعمل على دعم كل ما يضر بمصالح جيرانها، كما تقول السعودية والإمارات.

توجهات متناقضة

يقول عدد من المحللين إن قطر تحولت وعلى مدى سنوات وبشكل تدريجي إلى مركز كبير لتنظيمات وهيئات مهمتها حسب الدوحة تشجيع التحول الديمقراطي والدفاع عن حقوق الإنسان، في حين يؤكد معارضوها أن مهمة تلك التنظيمات هي زعزعة الاستقرار في غالبية الدول العربية، وإيجاد منافذ جديدة لأجهزة المخابرات الغربية والأميركية خاصة.

من أهم التنظيمات التي يدور جدل كبير حولها خاصة بسبب ضخامة الأموال المخصصة لها وتشعب فروعها وروابطها مع مئات الأحزاب والجمعيات الموصوفة أهلية، منظمة "أكاديمية التغيير".

في مطلع شهر فبراير عام 2006 استضافت الدوحة وسط اهتمام كبير من قبل الحكومتين الأميركية والقطرية، "منتدى المستقبل"، الذي أثيرت حوله الكثير من نقاط الاستفهام ما دفع البعض إلى الانسحاب معتبرا المنتدى اجتماعا مؤامراتيا استخباراتيا.

المنسحبون رأوا أن حلقات النقاش والاقتراحات كلها لامست مفردات انتقالية حينها كانت انقلابية واضحة عن "الديمقراطية، التغيير الواجب، التحفيز، التدريب، والعمل على دعم الراغبين في تغيير الأنظمة"، كان عراب المنتدى كلينتون وابنته، وكانت شعلة الحماس كونداليزا رايس إحدى "المبشرات" بالفوضى الخلاقة التي ستفرز حتما شرق أوسط جديدا.

تقوم اكاديمية التغيير، التي أشرفت على المنتدى، بتدريب الشباب في الدوحة وفيينا وبعض مراكز البحوث الأميركية وعبر الانترنت ومواقع اليوتيوب وتحت عناوين كثيرة منها أفكار الثورة، وأفكار للثوار وكيفية التعامل مع القوى التقليدية، وتكتيكات التفاوض وأسلوب "رفع سقف مطالب وتنفيذ خطوات العصيان المدني وإبراز بعض المعاني الرمزية مثل حمل المصاحف وإضاءة الشموع ودق الطبول وحمل الأعلام الوطنية".

مؤسسة التغيير..بلسانها

بحسب تعريف الأكاديمية لنفسها، فإنها مؤسسة علمية بحثية غير ربحية، تأسست في لندن في مارس من سنة 2006.ثم تأسس لها فرع الدوحة في 6 سبتمبر 2009. ثم تأسس فرع فيينا في 1 مايو 2010.وتقول في موقعها الإلكتروني إنها "مبادرة شبابية مستقلة، لا تخضع في دعمها لأي دولة أو طرف سياسي"، ويبدو واضحا أن التعريف المختار، تم تعديله عمليا بعد الأحداث العربية سنة 2011، فقد كثفت الاتهامات للجمعية بأنها ذات صلة مباشرة بالتيارات الإخوانية، واتهامات بتلقي تمويل من دول محددة وأجهزة المخابرات الغربية وخاصة الأميركية.

حسب الأكاديمية فإن انتاجها الأكاديمي مبني على أدبيات اللا عنف، والنضال السلمي والاحتجاج الشعبي، وترتكز على ما تسميه "ثورة العقول، أدوات التغيير، استشراف المستقبل" من بين من يديروها، هشام مرسي "يصنف على أنه إسلامي عاش في لندن، وهو صهر القرضاوي، اعتقل من قبل المخابرات المصرية بعد الثورة وأفرج عنه بضغط بريطاني" ويعينه أحمد عبد الحكيم، وائل عادل، ويشتركون في ترجمة الكتب وإعداد الدراسات والتدريب.

وفي تعريفها تذكر المؤسسة أنها كانت حلم ثلاثة أشخاص، وأصبحت حلما للملايين. وتحاول أن تنفي المؤسسة شبهة تلقيها للتمويل من دول بعينها بالقول بأن تمويلها ذاتي ونشاطاتها تطوعية.

بحسب المؤسسة فإنها تركز على قضية بناء المجتمعات القوية، وترى أن أولى الخطوات العملية هي تحرير كل المجتمعات الأرضية من قوى الاستبداد والظلم والدكتاتورية، عبر النضال السلمي.

وتواصل الأكاديمية في تعريفها لذاتها "إن المجتمعات التي قطعت شوطا كبيرا على طريق التحرر من الديكتاتورية عليها أن تجعل العلم دعامة قوتها في كل مجال، ومنها علوم التغيير"، وبأسلوب ذكي يجيبون عن سؤال: إن كانوا سيستمرون في التدريب بعد الثورات؟ فيقولون "هل نريد أن تنتهي مشاريع التغيير إلى مجتمعات قوية أم ضعيفة؟"، ويطرحون رغبتهم في تحصين الشعوب من القابلية للاستبداد، فاستمراريتهم مرهونة بأن "ثقافة التغيير لا تنتهي"، ويقولون "تقاوم الديكتاتوريات العلم بتخويف الشعوب من التدريب الملازم له".

مشاريع الفوضى الخلاقة

كان أول نشاط للأكاديمية في العام 2006 وكانت البداية منطقة المحلة في مصر بإضراب أكثر من عشرين ألف عامل نسيج ولمدة ستة أيام.

بعد أحداث المحلة تم تأمين الرعاية الإعلامية والقدرات التمويلية اللازمة للأكاديمية ولقيت عناية من بعض الأطراف العربية ورضا "الإخواني" الشيخ يوسف القرضاوي.

ويرى مراقبون رابطا بينها وبين حركة 6 أبريل وما تلقته من دعم، حيث ساهمت الأكاديمية في تسهيل علاقة 6 أبريل بواشنطن وهو ما سمح في 20 نوفمبر 2008 بمشاركة وفد من الحركة في اجتماع في نيويورك، وأعقبها مشاركات في المؤتمرات العالمية للشباب في مكسيكو سيتي 2009 ولندن 2010.

وانعكس كل ذلك على أداء الحركة المادي بشكل لافت حير أجهزة الأمن المصرية فترة من الوقت، إلى أن تبين للمخابرات المصرية أن الكثير من التنظيمات الموصوفة بغير الحكومية تحصل على الدعم من الخارجية الأميركية حوالي 52 مليون دولار من سنة 2008 حتى سنة 2011، وكذلك من المخابرات المركزية الأميركية بالإضافة إلى جمعيات وهيئات في تركيا مثل هيئة الاغاثة الانسانية الاسلامية التركية في كيليس، ومن الاتحاد الأوروبي مثل "الشريعة لهولندا" "الشريعة لبلجيكا" و "من وراء القضبان".

يقول محلل عربي صيغة الإخوان معروفة، من أبرز مرتكزاتها سهولة "الامتطاء"، هناك منظمات امتطوها لتحقيق مآربهم الانقلابية..وأكاديمية التغيير مثلا تأتي ضمن سياق آلية الامتطاء الإخوانية المتبعة.

ولا شك أن الأحداث الحالية العربية فرخت عن مرحلة إخوانية أخرى، أو ولادة إخوانية ثانية في الخليج إذ جندت الشباب الذين أغرتهم رومانسية الاحتجاجات ليكونوا ضمن سياقها، ولدت الحالة الإخوانية من خلال بذرة ما يسمى بجيل الفيس بوك وتويتر الكثير من النبتات الإخوانية الجديدة التي زرعت في المؤسسات التي تدعم من الغرب".

كثيرون تحدثوا عما سموه خيوط المؤامرة، وكثيرون تصدوا لها ولدور تيارات دينية وقومية في دعمها والاستفادة منها، وحاول كثيرون رسم الاستراتيجية التي تعتمدها "حركة التغيير" وهو ما لخصه محلل آخر بقوله إن استراتيجية الأكاديمية تبدأ باستهداف رموز الدولة أولا وبالذات أجهزة الأمن ومن ثم استخدام العديد من الوسائل مثل الاحتجاجات والمظاهرات والاضرابات لتحقيق ذلك، ويؤكد على تحالفها مع الإخوان تحديدا.

البيت الأبيض يحاول عكس اتجاه العاصفة

القرار الثلاثي السعودي الإماراتي البحريني تجاه قطر أثار إنزعاجا في البيت الأبيض، وقد أعربت الناطقة الرسمية باسم وزارة الخارجية الأميركية جنيفر بساكي يوم الأربعاء 5 مارس عن قلق إدارة الرئيس أوباما إزاء التعقيدات التي طرأت العلاقات بين حلفائها المملكة العربية السعودية ودولة الأمارات ومملكة البحرين من جهة ودولة قطر من جهة أخرى.

وقالت بساكي "إن هذه الدول جميعها تتمتع بعلاقات جيدة مع الولايات المتحدة، إن الوزير جون كيري يزور هناك ويمضي الكثير من الوقت في تلك الدول وتثمن الولايات المتحدة صداقتها مع دول مجلس التعاون الخليجي".

ورفضت بساكي التعليق على اتهامات كل من السعودية والأمارات والبحرين لقطر بأنها تدعم حركة الإخوان المسلمين في المنطقة خاصة في مصر وتهدد أمن جيرانها.

القلق الأميركي انعكس بشكل أوضح في الصحافة الأميركية والبريطانية خاصة تلك المرتبطة بمراكز اتخاذ القرار، صحيفة "إيكونوميست" كتبت: أوباما يواجه تشابكا دبلوماسيا معقدا.

وتحدثت الصحيفة عما وصفته بتشابك دبلوماسي معقد على نحو غير عادى بين أميركا والسعودية وقطر، وقالت إن الرئيس الأميركي باراك أوباما يواجه أجندة طويلة وصعبة لزيارة المقررة للسعودية أواخر شهر مارس..فبعد تسعة وستين عاما من تأسيس فرانكلين روزفلت والملك عبدالعزيز آل سعود لتحالف على متن حاملة طائرات أميركية في قناة السويس، فإن الرياض وواشنطن يجدان أنفسهما على خلاف ليس فقط حول القضايا المعتادة مثل إسرائيل وحقوق الإنسان، لكن حول قضايا أجدد من أمن الخليج إلى الحرب في سوريا ومشكلات ما بعد الثورة في مصر.

وقد زادت هذه التعقيدات بعد قرار السعودية ومعها الإمارات والبحرين بسحب سفرائها من قطر، التي تشبهها الصحيفة بأنها مجرد إبهام صغير في قبضة قوية مثل السعودية..لكنها قالت إنها ليست فقط عضوا بمجلس التعاون الخليجي ولكنها تستضيف قاعدة عسكرية أميركية التي تخدم 35 ألفا من القوات الأميركية.

وتتابع الصحيفة قائلة إن هذا الشجار الدبلوماسي بين العرب ربما يمكن احتواؤه..فالسعودية علقت علاقتها مع قطر لعدة سنوات في التسعينيات غضبا من الإطاحة بالشيخ حمد آل ثان على يد ابنه الحاكم السابق.

أن الخلاف كان يختمر منذ بعض الوقت وربما يتفاقم..فالشائعات تشير إلى أن السعوديين هددوا سرا بإغلاق الحدود مع قطر، وهي الصلة البرية الوحيدة لقطر مع العالم الخارجي، وكذلك إغلاق المجال الجوى السعودي أمام الطائرات القطرية. وهو ما سيزعج الأميركيين الذين ينسقون نشاطهم العسكري في الفضاء الجوي بين سوريا وأفغانستان من قاعدتهم فى قطر.

وخلصت الصحيفة إلى القول بأنه يتعين على أوباما التحرك بحذر.

بدورها قالت صحيفة "واشنطن بوست" إن الإجراءات الدبلوماسية القوية والجريئة عبر الشرق الأوسط المضطرب كشفت عن خلاف متعمق بين قطر وجيرانها العرب في أعقاب الربيع العربي. وتطرقت الصحيفة كذلك إلى قيام السعودية بتصنيف الإخوان كجماعة إرهابية رسميا، للتحالف مع مصر بشكل أكبر ضد الجماعة الإسلامية.

وأوضحت الواشنطن بوست أن قطر لعبت في الأشهر الثمانية الماضية دورا في استضافة قيادت الإخوان وسمحت لهم باستخدام شبكة "الجزيرة" كمنبر للخطاب المعارض للحكومة المصرية الأمر الذي أغضب مصر وحلفاءها في الخليج.

ورأت الصحيفة أن النزاع بين دول مجلس التعاون الخليجي يسلط الضوء على خلاف شديد بشأن أنظمة الحكم التي تظهر في المنطقة بعد ثلاث سنوات من الثورات التي هددت أو أطاحت بالحكام في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

ونقلت "واشنطن بوست" عن مايكل وحيد حنا، الخبير في شئون الشرق الأوسط بمؤسسة القرن الأميركية قوله إنه من الواضح تماما أن الدول الخليجية منقسمة بشدة، وهذا الانقسام أكثر من مجرد خلاف بسيط حول السياسة الخارجية.

وأضاف أنه بالنسبة للسعودية والإمارات، فإن الخلافات بشأن السياسة الإقليمية تتداخل مع التهديدات الأمنية لهذه الدولة.

لكن الصحيفة مضت في نهجها المعتاد في الدفاع عن جماعة الإخوان، وقالت إن تلك الجماعة يؤمن معظمها، على الأقل ظاهريا بالديمقراطية.فقد وصل الإخوان والجماعات المرتبطة بها إلى السلطة من خلال الانتخابات الديمقراطية.

ويقول أندرو هاموند، الخبير في شؤون الخليج بالمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، وهو مركز أبحاث أوروبي، إن مثل هذه الجماعات تمثل في الكثير من دول المنطقة لاسيما المحافظة مثل الإمارات والسعودية الحل الوسط، على حد قوله.

وأضاف هاموند قائلاً إن "الإخوان يمثلون النموذج الإسلامي الذي يتعامل مع المبادئ الإسلامية ويتحدثون عن الانتخابات، وشعبيتهم وقدرتهم على إلهام الآخرين تمثل تهديد مباشر لهياكل السلطة في الخليج التي تخضع دوله لحكم العائلات القوية".

ويقول المحللون إن قطر سلكت نهجاً مختلفاً عن جيرانها في الخليج، جزئيا بسبب الرغبة في ترك بصمة لها على الخريطة، لكن لأنها أيضا كانت تراهن على أن الإسلاميين سيكونون هم الفائزين بعد الربيع العربي.

ويقول هاموند إن كلاً من السعودية والإمارات كانتا تريدان بشكل أساسي فشل الإخوان في مصر.

تراجع المكاسب

صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية سارت على نفس المنوال في الدفاع عن سياسة قطر وقالت إن التوترات اندلعت بين الدوحة والدول الثلاث التي قامت بسحب سفرائها بسبب دعم قطر للإخوان المسلمين والإسلاميين المتحالفين معها في المنطقة.

ورأت الصحيفة أن الجهود المتضافرة لعزل قطر، على حد وصفها، تمثل توبيخاً غير عادي لإستراتيجيتها في التحالف مع من زعمت الصحيفة أنهم إسلاميون معتدلين على أمل بسط نفوذها في ثورات الربيع العربي.

إلا أن المكاسب التي حققها الإسلاميون تراجعت فى الأشهر الأخيرة بعد عزل محمد مرسي في مصر، والأزمة التي يتعرض لها الحزب الحاكم في تركيا والفوضى في ليبيا، والمكاسب العسكرية التي حققتها حكومة سوريا.

وحاولت الصحيفة الترويج لفكرة أن موقف دول الخليج يأتي في إطار اعتبارها لمطالب الديمقراطية والإسلام السياسي، تهديدا مزدوجا للسلطة، وهو ما كان دائماً سبباً لرفض حكومات دول الخليج لتكتيكات قطر.

وتحدثت الصحيفة عن انزعاج السعودية من قطر التي بدت في السنوات الأخيرة كقوة ثقيلة، فاستخدمت ثروتها الضخمة وشبكة الجزيرة التي تمتلكها كأدوات للقوة الإقليمية، كل ذلك مع حماية أمنها بوجود قاعدة عسكرية أميركية مهمة على أراضيها.

وتذهب الصحيفة إلى القول بأن البعض في المنطقة يرى أن خطوة سحب سفراء الدول الثلاث هو القصاص العادل لقطر..ونقلت عن مايكل ستيفينز، الباحث بالمعهد الملكة للخدمات المتحدة فى بريطانيا والمقيم في الدوحة، قوله إن دول الخليج الأخرى ترى قطر طفلاً شديد الثراء يمتلك كل هذه الأموال وكل هذه الألعاب الكبيرة ويريد أن يلعب بها لكنه لا يعرف ماذا يفعل.

وبالنسبة للغرب، فإن هذا التطور الأخير في السياسات الساخنة في المنطقة يقسم حلفاء مقربين فى وقت حرج للغاية. أن الانقسام والخلاف مع قطر يجعل من الصعب على الغرب الآن العمل معهم كجماعة واحدة حول الاهتمامات المشتركة.

ويقول محللون إنه بالإضافة إلى الاختلافات حول الجماعات السنية، مثل الإخوان المسلمين، فإن قطر ترى إيران باعتبارها مصدر قلق يمكن التعامل معه، في حين تعتبرها السعودية خطراً وجودياً.

وهذه التوترات الداخلية تجعل من الصعب على واشنطن طمأنة الحكومات الغاضبة في الإمارات والسعودية بأن المفاوضات مع إيران حول برنامجها النووي لن تقوض أمن الخليج..وهذا الانهيار الدبلوماسي المتمثل في سحب السفراء يحول دون أي أمل لتنسيق جهودهم المتنافسة لدعم المعارضة السورية، وهو هدف غربي آخر. ويقول ستيفنز إن الخلاف بين دول الخليج لا يفيد حقاً.