في نقد ثقافة 'اين انت يا صلاح الدين'!

هذا الامر بات في صلب الثقافة الفلسطينية منذ زمن بعيد. وهذه الفكرة وليدة التاريخ والعاطفة والاحساس بالضعف والتوقعات. لاجل فهم اي فكرة لا بد من معرفة ظروف تكونها لان كل فكرة في النهاية لها تاريخ ميلاد, حتى وان لم نستطع دوما معرفة ذلك بدقة.

ولدى معرفتنا للفكرة عندما كانت طازجة او جديدة يصبح من الاسهل فهم ظروف تشكلها وفعلها في التاريخ. وهذه الفكرة ولدت في مرحلة اجتياح قوات الممالك والاقطاع الاوروبي بلادنا في مرحلة ما يعرف بالحروب الصليبية.

و لما كان التاريخ الرسمي والديني يركز على انجازات الدولة, تم تكريس فكرة (الانقاذ من الخارج!) وفكرة صلاح الدين في الخيال الشعبي وهو امر يخدم ايديولوجية الدولة الرسمية (ولاسباب تاريخية اخرى لا تتسع لها المقالة!).

لكن يمكن حسب رأيي نقد هذه الفكرة لانها استبعدت التاريخ الشعبي, وتاريخ صمود الاهالي. فصلاح الدين جاء بعد حوالي مائة عام من الاحتلال الاستيطاني الاوروبي في بلاد الشام. وليس من المعقول ولا الطبيعي ان الناس كانوا راضخين تماما لللامر الواقع وينتظرون من ياتي لتحريرهم.

كانت هناك مقاومات شعبية صغيرة هنا وهناك, اتخذت وسائل عديدة منها الهجوم على قوافل القوات المحتلة...الخ من اعمال المقاومة, بل برزت هناك اسماء في المقاومة.

وهذه المقاومة لعبت دورا في عدم تثبيت شرعية الاحتلال, لان المقاومة الشعبية , ايا كان مستواها, لها فعل نفسي مهم على مستويين:

اولاً, تعزيز الثقة بالذات الجمعية وهو امر معنوي مهم جداً, كذلك تآثيرها على الاحتلال لانها تذكره دوماً بأنه احتلال, ولا يملك شرعية حتى وان امتلك القوة.

لكن غياب التاريخ الشعبي غيب هذه المقاومة , وتم التركيز كله على صلاح الدين. صلاح الدين قام بانجاز كبير انه حرر القدس وبعض المدن, ولكن ظلت القوات المحتلة بعد صلاح الدين اكثر من 90 عاماً على الشريط الساحلى الممتد من عكا الى مدينة صور.

حسب اعتقادي لعبت هذه الفكرة دورا سلبيا خاصة في مراحل سابقة من التاريخ الفلسطينى. صحيح ان الشعب الفلسطيني حمل السلاح, وقاوم بامكانياته المحدودة احتلالين معا: الانكليز والصهاينة. لكن فكرة الانقاذ من الخارج ظلت فكرة سائدة على مستوى الخيال الشعبي. الامر الذي اضعف المقاومة موضوعياً حسب اعتقادي.

ولاسباب يطول شرحها, لها علاقة بالانتماء والتاريخ والعاطفة والتوقعات من البيئة المحيطة التى يعتبرها الفلسطينيون امتدادا لهم, ولا يعني هذا طبعا تغييب او تجاهل البعد القومى تماماً من الصراع لكن الهدف معرفة الحقيقة من الوهم!.

لكن هذا النمط من الخيال الشعبي اضعف فكرة الوطنية الفلسطينية في مراحل الصراع خاصة المراحل الاولى , كما اضعف الى حد ما من فكرة الاعتماد على النفس الامر الذى اضعف المقاومة وعزز من الثقافة الغيبية التي تتمثل في فكره بانتظار صلاح الدين!